- 1- لعلك أدركت أيها القارئ من المقالات السابقة أن هناك كفاحا يرمي إلى تضييق الخناق على العرب في فلسطين ، وأن هؤلاء العرب يواجهون في هذا الكفاح قوة إن تخلى عنها الحق فقد تدرعت بالعلم والحيلة ، تدرعت بنظم اقتصادية وتشكيلات تجعل من المسير على العرب أن يصمدوا في هذا الكفاح الا إذا تدرعوا بنفس السلاح .
وقد رأيت أن أشد أدلة الصهيونية بريقا ولمعانا وتشابها مع الحقيقة هو التقدم والازدهار في الناحيتين الصناعية والزراعية وما تبدو عليه المستعمرات اليهودية من تنظيم خلاب للانتاج وإكثار منه ، يكشف عن الفرق بين طرق الإنتاج البدائية القديمة وطرق الإنتاج الحديثة
والذي أحب أن أعرضه للقاريء في هذا المقال ليس النشاط العربي على صورة مفصلة تبين كل ألوانه . إن ذلك يحتاج إلى وقت طويل ، وإلى دراسة تفصيلية لنواحي هذا النشاط . إن كل ما أرمي إليه ، أن أبطل الحجة الصهيونية في أن فلسطين لم تكن لتزدهر لو لم يفيض لها رسول المدنية في ثوب الهجرة الصهيونية .
فإذا كان العرب قد استكانوا للنوم أو الانطواء على أنفسهم وربطوا أقدامهم بالماضي متعمدين التخلف عن ركاب الإنسانية حين أخذ السير فقد حقت حجة الصهيونية ونهض الدليل الذي يكاد يشبه الحق .
ولكن العرب لم يقفوا ويتخلفوا عن الركاب . لقد أخذوا يهيئون أنفسهم ويخطون في سبيل التقدم بأقدام لا تعوزها القوة والثبات ، وإنما تعوقها - فقط - كثرة العراقيل والعقبات .
هم يؤمنون بالعلم كما آمن به كل العالم المتمدن ويسمون في سبيله سميا جديرا بالإعجاب .
ومسألة التعليم هي شغل العرب الشاغل ، يتعاونون عليها ولا يدخرون في سبيل الإكثار من المدارس أي جهد ولا مال .
والحقائق الناطقة التي سأسردها لك لا تحتاج إلى أسلوب بياني يجملها لكى تثبت ما أقول
ففي قرية صغيرة تدعي القنطورة لا يزيد سكانها عن ألف نسمة جمع الأهالي من بينهم ثلاثة آلاف من الجنيهات لبناء مدرسة بها .
وجمعت قرية اخري مبلغ خمسة آلاف جنيه لبناء مدرسة أيضا . .
وجمعت مدينة نابلس ٢٥ ألفا من الجنيهات لنفس الغرض . .
وفي كافة القرى الفلسطينية تجد أحد أمرين ، إما مدرسة قائمة ، وإما حركة لبناء مدرسة . .
ويتزايد عدد طلبة الكلية العربية بالقدس بصورة تدعو إلى توسيع نطاقها .
وفي الجامعة الأمريكية ببيروت يتدفق الطلبة الفلسطينيون لينهلوا من التعليم العالي كل عام ، وقد بلغت نسبتهم في العام الماضي 15 طلبة الجامعة كلها . وكذلك الأمر في إقبالهم على الجامعات المصرية والجامعة الأمريكية بالقاهرة
وفي أسرة واحدة بالقدس خمسة شبان نالوا درجاتهم العلمية من جامعات انجلترا
وذلك كله إن كشف عن شئ فانما يكشف عن أن هناك شعبا يتحرق للعلم وبنهض به بمحض إرادته ويجعله من أغراض حياته الأولى . فيأخذ من طعامه للعلم ، بل ويتكلف أحيانا الشطط ، ولقد قصص علي أحد كبار الموظفين
هناك أن فلاحا جاء ليقسم أمامه اليمين القانونية ليقدر سن ابنه ( وهو ما يعرف عندنا بشهادة التسنين ) ، وبعد أن تمت الإجراءات وحصل الرجل على بغيته صارح الموظف بأنه أقسم يمينا كاذبة لأن سن ابنه أقل من هذا التقدير وأنه فعل ذلك حتى يستطيع أن يلحق ابنه بالمدرسة لأن سنه الحقيقية أقل مما تشترطه المدارس ! .
ولا تقف رغبة العرب عند هذا الحد بل إنهم ليقبلون على القراءة بكل انواعها إقبالا تكشف عنه كمية الكتب التي تصدرها مصر إلى فلسطين
ولست بسبيل سرد الأدلة ، وإنما أنا - كما قلت من قبل - أرمي إلى عرض مجرد لبعض نواحي النشاط .
وإلى جانب العلم يأخذ العرب أنفسهم بالتجديد الذي يلائم روح العصر في النشاط الاجتماعي ، فهم يشاركون السلطات فيها مشاركة فعالة ولا يبخلون بمال في سبيل الاصلاح الاجتماعي
ولقد أتيح لي أن أزور مؤسسة دير عمرو التي تشرف عليها لجنة اليتيم العربي بالقدس فراعني أنني أرى مؤسسة يلازمها التوفيق من الفكرة التي رمت إليها إلى النتائج التي حصلت عليها . فالمؤسسية وليدة الظروف السيئة التي أحاطت بفلسطين فخلفت عددا من أبناء العرب بلا عائل مما دفع لجنة اليتيم العربي إلى إنشاء دار لتأوي هؤلاء الصبيان ، لا تحمل طابع اليتم ولا ما يدمغ به صاحبه من ذلة وانكسار ، فكانت هذه المؤسسة ، على مقربة من القدس وعلى ارتفاع 750 مترا عن سطح البحر ، وعلى مساحة ٧٥٠ فدانا ، شرع في تأسيسها بأموال عربية جمعتها اللجنة من عرب فلسطين مسيحيين ومسلمين ، ومنها خمسة آلاف جنيه دفعتها مصر عام ١٩٤٠ في عهد رفعة على ماهر باشا(1)
وتتبع هذه المؤسسة نظاما رائعا يحكم تنفيذه دستور حازم قوامه ثلاث مواد هي :
1- ليست المؤسسة دار أيتام وإنما مشروع تعاوني 2- ما يستطيع أن يقوم به عضو المؤسسة يقوم به ، ومالا يستطيعه يستأجر له العمال 3 - إذا أردت أن تأكل فيجب أن تنتج وبهذه المواد تسير المؤسسة ، فأعضاؤها يزرعون خضرهم وحبوبهم وفواكههم ، ويربون دواجنهم وأغنامهم بل والنحل اللازم لكي يأكلوا العسل . وهم الذين ينظمون شئونهم ويديرون مخازنهم ، ويقومون بالتناوب بأعمال التنظيف . وما كان أظرف الصبي الذي سار معنا يوم زيارتنا للمؤسسة حين سألته ، وقد رأيته يتبعنا إلى كل مكان ، عن عمله فأجابني في اعتزاز :
- أنا رئيس التنظيفات اليوم ! ..
وإلى جانب الحياة العملية يتعلم الأطفال تعليما نظريا وفقا لمناهج التعليم الحديثة ، وتقوم لجنة اليتيم العربي الآن بجمع الأموال لإنشاء مؤسسة مشابهة للبنات ، ومؤسسة أخرى للأطفال من سن 5 - ١٠ ، كما أن لها فرعا من ميناء فلسطين العظيم حيفا . ويساهم الأهلون في هذا النشاط الاجتماعي مساهمة تبعث على الإعجاب ، فقد طلبت اللجنة من أهل القرى أن يتبرعوا بقيمة ما يصرفونه ثمنا لنحر الذبائح لتكريم أعضاء اللجنة عند زيارتهم للقرى ، فبلغ ما جمع من هذا السبيل وحده ١١,٥٠٠ من الجنيهات صرفها اللجنة في إنشاء مستوصف وملحق مؤسسة دير عمرو . .
كذلك أتيح لي أن أزور مستشفى أنشأه رجل واحد في يافا هو المرحوم الدكتور فؤاد الدجاني ، وهو منسق على أحدث نظم المستشفيات ومجهز بأحدث الآلات ، ويحتوي على ٧٠ سريرا منها ٤٥ سريرا للفقراء ، وقد قال عنه المرحوم
الدكتور عبد الواحد الوكيل بك إنه المؤسسة الوحيدة من نوعها في الشرق العربي .
فإذا أردت أن تلمس ناحية أخرى من نواحي النشاط الاجتماعي في فلسطين ، فيعم بوجهك شطر المشاريع الخيرية المختلفة ، إنك ستجد نساء يتبرعن بعشرات الألوف من الجنيهات لإنشاء مستشفيات ويقفن عشرات الأفدنة عليها ثم حول وجهك شطر أندية الشباب الكثيرة في مدن فلسطين حيث يأخذ الشبان أنفسهم بألوان كثيرة من النشاط .
ستجد عندئذ أن في مدينة يافا وحدها ثلاثة أندية للشبان يزاولون فيها رياضتى الجسم والروح . وستجد أيضا صحافة نشطة واعية لا تخلو أي صحيفة منها من دعوة إلى مشروع اقتصادي أو تذكير بمشكلة فلسطين . وإذا كانت الصحافة أصدق مقياس على نضج الرأي العام ووعيه ، فإنك تجد دليلا ساطعا على نشاط فلسطين لو فتحت أية صحيفة فلسطينية
