الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 959الرجوع إلى "الرسالة"

النضال فى سبيل الاستقرار

Share

لا حياة لأمة من الأمم بغير إستقرار، ولا إستقرار لها بغير  نضال، فالنضال فى حياتها دعامة قوية يرتكز عليها إستقرارها،  والأمة التى تستعذب الركود، وتستجيب لدواعى الدعة والخمول،

وتتذرع بأوهى الأسباب لتظل أمة ضالة فى مجاهل النسيان،  مودعة فى زوايا الإهمال، أو متلاشية فى مهاب الأعاصير، ضائعة فى زوابغ الغوغاء - هذه الأمة لن يقدر لها التربع فوق هامة المجد، ولا وقوف بين صفوف الأمم الحية، ولا التمتع بحياة العزة  والهدوء، ولا الظفر بعيشة الرضا والسلام

والإسلام فى ظل تطوراته، كان حريصا على إيجاد أمة قوية مهيبة الجانب، مسموعة الكلمة، ذات مكانة يعتد بها، وكيان يعترف به، وجاه تعيش فى ظله مرفوعة الرأس، مصونة  الكرامة، ولما لم يهب الإستقرار لأتباع الإسلام، بين ربوع مكة  فى المرحلة الأولى، فرض عليهم أن يهاجروا منها، راغبين عن  مسقط رؤوسهم، وديارهم وأموالهم، زاهدين فى أرض لم تغدق  عليهم غير الذلة والمسكنة، والنت والاضطهاد، فكانت هذه  الهجرة أول مرحلة من مراحل النضال، وأول لبنة فى بناء  الاستقرار، وحرم عليهم أن يسكنوا أرضا لم تكرم وجودهم،  ويعيشوا فيها أذلاء مستضعفين، حتى يفلتوا من أسوأ جزاء،  وأشد عقاب:

(إن الذين توفيهم الملائكة ظالمى أنفسهم، قالوا فيم كنتم؟ قالوا كنا مستضعفين فى الأرض. قالوا ألم تكن  أرض الله واسعة فتهاجروا فيها؟ فأولئك مأواهم جهنم وساءت  مصيرا)

والعدة الزم شىء للنضال، ولا يعتبر النضال نضالاً واقعياً  الإ بها. والأمة التى ترغب فى حياة حية ناهضة، يحتم عليها أن تكون على استعداد للنضال فى أية لحظة، فإن لحظات الغدر  ليست ذات مواعيد محددة. والإسلام الذى أوجد أمة مجيدة من  العدم، لم يقته أن يوجهها إلى اقتناء العدة، وإيجاد القوة، فهما حليفتا الأبطال فى ميادين النضال. وخليقتان بأن تدفعاهم إلى كسب الشرف والفخر لأمتهم، وذود العار والبلاء عن وطنهم. والإسلام لم يفته أن يلفت أنظار المسلمين إلى الحديد، وأنه مصدر  من أهم مصادر العدة والقوة:

(وأعدوا لهم ما أستطعتم من قوة، ومن رباط الخيل، ترهبون  به عدو الله وعدوكم، وآخرين من دونهم لا تعلمونهم. الله  يعلمهم. وما تنفقوا من شىء فى سبيل الله يوف إليكم. وأنتم لا تظلمون - وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس،  وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب، إن الله قوى عزيز.)

والإسلام لم يحتضن النضال إلا وهو يهدف إلى إيجاد  الإستقرار الذى لا غنى عنه لأمته , وإيجاد السلام العالمى الذى  تعيش الإنسانية والبشرية فى كنفه وتحت رعايته آمنتين، ولم يكن  من اللائق به - كدين صاحب أسمى دعوة - أن يحتم على أمته الركون والهدوء، وكتائب البغى والعدوان تأبى إلا النيل منها والكيد لها، ولا أن يلزمها الصمت والسكون - وجحافل العناد تأبى إلى السطو عليها، والتخلص منها، والإسلام لم يقصد  من إلزام أمته النضال وإعداد العدة له، بغيا أو بطرا أو عدوانا، ولكنه قصد منهما تهيئة حياة مستقرة لها، حتى تؤدى رسالتها  التى من أجلها أوجدها الحق تبارك وتعالى

وقد أعتبر الإسلام بالنسبة لأمته دعامة قوية، يرتكز  عيها كيانها، وتستقر حياتها، ولذلك حرضها عليه، وأعتبره  جهادا فى سبيل الله الذى يحق الحق ويبطل الباطل، ومن أجل  حياة دائمة باقية، تنال فيها النفوس المجاهدة الصابرة أنعم ما أعده  الله لأوليائه:

(فليقاتل فى سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة.  ومن يقاتل فى سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما -  فقاتل فى سبيل الله. لا تكلف إل نقسك. وحرض المؤمنين.  عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا. والله أشد بأسا وأشد تنكيلا - إن الله يحب الذين يقاتلون فى سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص - وقاتلوا فى سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا،  إن الله لا يحب المعتدين - فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا  إليكم السلم؛ فما جعل الله عليكم سبيلا)

ولما كان النضال دائما فى مسيس الحاجة إلى المادة، لإعداد  الأسلحة وما إليها، وللانفاق على الجيوش المناضلة، فقد حرص

الإسلام على الإنفاق فى سبيل هذه الغية، واعتبر البخل والتقتير مما يدفع بالأمة إلى الهلاك بأيديها، وقد أخذ الله على نفسه ألا يضيع جزاء الباذل. بل يضاعف له أضعاف مضاعفة:

(وانفقوا فى سبيل الله. ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة.  وأحسنوا إن الله لا يحب المحسنين - مثل الذين ينفقون فى سبيل  الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل. فى كل سنبلة مئة حبة.  والله يضاعف لمن يشاء. والله واسع عليم)

والجندى المناضل فى نضاله دائما إلى نيل إحدى الحسنين: إما فوز يكسب أمته العزة والشرف والفخار، ويسبغ عليها نعمة العزة والحرية والمجد، وأما إستشهاد فى سبيل الحق، يخلد فى الحياة الدنيا ذكراه أجمل تخليدا، ويجعله فى الحياة الأخرى مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين  وحسن أولئك رفيقا:

(ولا تقولوا لمن يقتل فى سبيل الله أموات بل أحياء  ولكن لا تشعرون - ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتا  بل أحياء عند ربهم يرزقون. فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم. ألا خوف عليهم  ولا هم يحزنون. يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله  لا يضيع أجر المؤمنين إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم  وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون فى سبيل الله فيقتلون ويقتلون.  وعدا عليه حقا فى التوراة والإنجيل والقرآن. ومن أوفى بعهده من  الله، فأستبشروا ببيعكم الذى بايعتم به. وذلك هو الفوز العظيم -  والذين قتلوا فى سبيل الله فلن يضل أعمالهم. سيهديهم ويصلح  بالهم. ويدخلهم الجنة عرفها لهم.)

أما المتخلفون عن ميدان النضال، المتنكبون طريق الشهامة والمروءة والرجولة، فقد ندد بهم الإسلام كل التنديد، لأنهم رضوا بالحياة الدنيا من الآخرة، ولأنهم بخلوا بأنفسهم،  وأدخروها لحياة فانية تعبث فيها وتلهو، وآثروا القبوع فى مساكنهم على إدراك البطولة، وإرتداء تاج التضحية والتفانى،

كانوا إذا دعوا إلى النضال تثاقلوا مزريا، وأنتحلوا أوهى  الأعذار، ليقعدوا عن ركب المجد المزمع إلى الكفاح فى سبيل  أسمى الغايات:

(يأيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم إنفروا فى سبيل الله  أثاقلتم إلى الأرض، أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة؟ فما متاع  الحياة الدنيا فى الآخرة إلا قليل. إلا تنفروا يعذبكم عذابا اليما،  ويستبدل قوما غيركم، ولا تضروه شيئا، والله على كل شىء قدير - فرح المخلفون بمعقدهم خلاف رسول الله، وكرهوا أن  يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم فى سبيل الله، وقالوا لا تنفروا فى  الحر، قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا بفقهون - فليضحكوا  قليلاً، وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون - إنما السبيل على الذين يستأذنوك وهم أغنياء، رضوا بأن يكونوا مع الخوالف.  وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون. يعتذرون اليكم إذا رجعتم  اليهم، قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم، قد نبأنا الله من أخباركم،  وسيرى الله عملكم ورسوله، ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة  فينبئكم بما كنتم تعملون. سيحلفون بالله لكم إذا إنقلبتم اليهم  لتعرضوا عنهم، فأعرضوا عنهم، إنهم رجس، ومأويهم حهنم  جزاء بما كانوا يكسبون - وقالوا: ربنا لم كتبت علينا القتال  لولا أخرتنا إلى أجل قريب. قل متاع الدنيا قليل، والآخرة  خير لمن أتقى، ولا تظلمون فتيلا)

وأما أولئك المثبطون للهمم، الذين كانت مهمتهم أن يضعوا  الأشواك فى طريق النضال، وأن يشنوا حرب الأعصاب على  ضعفاء الإيمان، ويثيروا الروع والفزع فى نفوسهم، فقد كشف الله نواياهم، وفضح مخازيهم، لأنهم خليقون بأن يحرموا قيم الرجولة، وتتبرأ منهم صفحات المروءة والبطولة، وما أكثرهم  فى أيامنا هذه، يعيشون كالجراثيم، وينفثون السموم فى روع  المناضلين، ويعز عليهم أن يناضل غيرهم، وهم لا يرغبون فى النضال، وأن يكسب الشرف سواهم، وهم ليسوا جديرين به،  ويتسلحون بمنطق أعرج، وأسلوب ملتو، وحجة واهية، ليبرروا  مسلكهم، ويواروا صغارهم:

(. . يقولون لو كان لنا من الأمر شيئا ما قتلنا ها هنا،  قل لو كنتم فى بيوتكم ابرز الذين كتب عليهم القتل إلى  مضاجعهم، وليبتلى الله ما فى صدوركم، وليمحص ما فى قلوبكم،  والله عليم بذات الصدور - يا أيها الذين أمنوا لا تكونوا كالذين  كفروا، وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا فى الأرض أو كانوا غزى  لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا، ليجعل الله ذلك حسرة فى قلوبهم، والله يحى ويميت، والله بما تعملون بصير - وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا فى سبيل أو ادفعوا قالوا  لو نعلم قتالا لا تبعناكم، هم للكفر يومئذ أقرب منهم للايمان،  يقولون بأفواههم ما ليس فى قلوبهم، والله أعلم بما يكتمون،  الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا، قل فأدرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين)

للبحث صلة - القاهرة

اشترك في نشرتنا البريدية