الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 314الرجوع إلى "الثقافة"

النظرية العصرية، فى علم الاجرام

Share

من الأقوال المأثورة عن السلف الصالح قولهم : " قاض فى الجنة وقاضيان فى النار ." وربما كان أساس هذا القول عندهم أن ذمم القضاة فى الأيام الغابرة كانت من المرونة بحيث تجعلهم أثلاثا فيذهب تأنهم إلى الجنة ، ويذهب الثلثان ..... إلى حيث لا يحسن تكرار الكلام . وأنا لا أسأل الله اليوم إلا أن نبقى لنا هذه النسبة القديمة إذ من المحال - فى ضوء العلم الحديث - أن يذهب قاضيان اثنان فقط إلى ذلك المكان الآخر . وأبادر فأقول إن المسألة لا تقوم اليوم على طهارة الذمة أو مرونتها كما كانت في الأيام الأولى . فأنى أستغفر الله أن يجرى هذا المعنى فى خاطر إنسان من أهل هذا العصر . وإنما الخوف كل الخوف من هذا الأسلوب الذي يجري عليه القضاء الجنائي اليوم فى معاملة المجرمين ، ومن تلك العقوبات التى يفرضها عليهم فرضا . فإن علماء الإجرام يردون الجريمة إلى عوامل كثيرة مختلفة : منها العوامل الجسمية كالعاهات الطبيعية . ومنها الضعف العقلى كالغباء . ومنها الأمراض النفسية . ومنها الظروف الاجتماعية التى يجعلون " المحاكم " واحدا منها -

أي أن هذه " المحاكم " بالذات تعتبر عاملا من عوامل الإجرام فى نظر هؤلاء العلماء بسبب إجراءاتها . وعلى الأخص بسبب أساس تقديرها لمسئولية المجرم . فإن كثيرا من أنها كمات كانت سببا فى إقناع الخاطئ العادى بأنه ظلم في محاكمته . وأن المجتمع بسلطاته المختلفة قد أساء إليه إساءة لا يستطيع أن يغتفرها له . فيظل بقية عمره حانقا عليه متوجسا منه وهو بذلك إنما يتورط فى جرائم جديدة تجر عليه سلسلة لا تنتهى من المحاكمات والعقوبات . وهذا

هو السر فى تزايد عدد من يسميهم القانون اليوم " بالمجرمين العائدين " أو " بالمجرمين المعتادين على الإجرام " .

يقول ساليلاس Salillas - الخبير الأسبانى فى علم الإجرام إن المجرم شخص غير معدل وفق محيطه الاجتماعى فهو يحاول تكييف نفسه وهذا المحيط " بطريقة شاذة " هى الجريمة

وهذا " الشذوذ " فى سلوك المجرم يقول عنه فرويد ورجال " التحليل النفسى " إنه مرض نفسانى نشأ عن وجود " عقد نفسية " كامنة فى " عقله الباطن " .

أما تفسير هذه ( العقد ) وكيفية انعقادها فى ( العقل الباطن ) فيتلخص فى أن حياة الإنسان النفسية تنقسم عندهم إلى ثلاثة اقسام :

أولها - : الشعور - وهو ما يحسه الإنسان بسهولة فى حالات سروره وألمه وغير ذلك من الانفعالات الآخرى .

وثانيها -: ما قبل الشعور - وهو تلك المرتبة التى تشتمل على ذكريات الإنسان القديمة التى يستطيع أن يستردها بعد غيبة ويتذكرها بعد نسيان .

وثالثها - : اللاشعور - أو - العقل الباطن - وهو تلك المنطقة الواقعة فى قرارة كل نفس حيث تتجمع الرغبات المكظومة والغرائز الحيوانية الضارة التى لا يرتضيها المجتمع . والمخاوف الكثيرة التى يهرب منها الإنسان بإلقائها فى غياية ذلك الجب - يظن بذلك أنه تخلص منها إلى الآبد . ولكنها هى هناك قائمة . متحفزة . حية . تتحين الفرص لتثبت وجودها . وأكثر ما يكون ذلك عند إغفاء العقل الظاهر فى ساعات النوم فتنساب تلك الرغبات والخواطر والغرائز من مكامنها . وتنتمثل فى صورة أحلام تملأ نوم الانسان حياة وصورا فتخفف بذلك من وطأة

الضغط الشديد الذى تعيش تحته . ولذلك قيل إن الأحلام هي حمام الأمان لمشاغلنا النفسية .

والخلاصة أن الإنسان كان يعيش فى صوره الأولى لا يتخرج من عمل شئ فلم يكن يعانى تلك الازمات النفسية التى يكابدها أهل العصر الحديث الذي كثرت تقاليده وأصبح الفرد فيه رازحا تحت ألوف القيود الاجتماعية التى تفرضها آداب المجتمع وأنظمته وبذلك لم يعد يستطيع أن يطلق الحرية لكثير من رغباته وميوله غرائزه . بل اضطر إلى قمعمها . وكظمها فى أعماق نفسه حتى لا يظهر بمظهر لا يرفضه المجتمع . ومن هنا نشأ ذلك الصراع النفسى المستمر بين ما يتطلبه المجتمع فى العصر الحديث وبين ما يتطلبه الفرد ويشتهيه . فاذا ما انزوت تلك الرغبات المكظومة فى قرارة النفس فإنها لا تدفن هناك ولكنها تظل يقظة . قلقة . تعمل على توجيه سلوك الإنسان من حيث لا يدرى لا يشعر إلى وجهات خاصة فيها شيء من الترفيه عنها والترضية لها . ومجموعة هذه الرغبات المكظومة تسمى " عقدا " - والعقد أنواع وأشكال . وليس المجال فى هذه الكلمة مجال التوسع فى شرحها . وربما عدننا إليها فى حديث آخر .

والمقصود بكل هذا الكلام أن الجريمة ليست عملا مستقلا بنفسه بصدر عن المجرم كما تخرج الكلمة من فم صاحبها ولكنها ممرة لكل تلك الظروف المعقدة التى سبقت الاشارة إليها من " شذوذ " يرجع إلى " عقد " ترجع إلى " رغبات مكظومة " ثم ملابسات أخيرة تكون هى السبب المباشر القريب الذى يدفع بالشخص إلى ارتكاب الجريمة . فمن العبث أخذ الأمور بظواهرها كلما وقعت جريمة ما والا كتفاء في قمعها بتوقيع العقوبة على من فارقها . فان هذا لن يجدى شيئا فى مقاومة الإجرام ولا فى إصلاح المجرم .

" ويتنبأ كثير من الثقات فى علم الإجرام بوقت يسود فيه ( العلاج الطبى العقلى ) ويحل محل الطرق القانونية التى تتبع اليوم فى معاملة المجرم . فكما أنه فى الطب قد اندثرت الآراء التى جاء أبقراط وجالينوس وأعقبها طرق عصرية فى العلاج كذلك سيأتى يوم تزول فيه سخافات الماضى فى اصطناع القضاء والقانون لتحل محلها آراء اكثر ضبطا وعدلا فى علم الإجرام . وستحول السجون من أماكن للتعذيب والامتهان إلى معاهد تديرها عقول العلماء - لقد نشأت حجرة العمليات الجراحية فى العصر الحديث على أنقاض حوانيت الحلاقين . كذلك يحاولون اليوم انتزاع الاجراءات الجنائية وعلم العقاب من أيدى الساسة ورجال القانون والمشرعين " ( 1 )

ولقد سبق الاتحاد السوفيتي غيره من الدول فى هذا المضمار بالفعل . فقد ألحقت بالسجون هناك معاهد لعلم الإجرام تقوم مقام " العيادات الطبية " فيتولى خيراؤها دراسة المسجونين من نواحيهم المختلفة . ثم يقترحون الخطط لعلاج كل حالة من الحالات التى يدرسونها .

كما أن تشريعا حديثا ( تاريخه سنة ٩٢١ ) وضع فى ولاية ماساشوسبت بأمريكا وهو يقضى بتعميم " الاختبار العقلى" فى كل حالة يرتكب فيها المتهم جريمة كبرى أو يظهر فيها بمظهر " العائد " الذى يقارف جرائمه المرة تلو المرة . ولا تقوم المحاكم هناك بمحاكمة مثل هذا المتهم إلا فى ضوء التقرير الذى يقدمه الخبراء عن حالته العقلية .

ولقد جرى لنا منذ أيام في ندوة " لجنة التأليف " حديث فى هذا الشأن فقال بعض إخواننا إن السبب فى انتشار الإجرام بيننا اليوم هو خفة العقوبات العصرية

وهوانها على النفس فهى تكاد تغرى المجرم بأن يتخذ الإجرام مهنة له ما دامت تكاليفها غير باهظة بالقدر الذى يزجره عن ارتكابها ، واستشهدوا على صحة رأيهم هذا بما يجرى فى الحجاز إذ كادت تختفى جريمة السرقة بسبب التشدد فى إقامة الحد الشرعى على كل من يثبت فى حقه أنه ارتكب تلك الجريمة . ونحن مع احترامنا لرأى إخواننا الأفاضل ومع اعترافنا بحسن النتيجة العملية التى وصل إليها الحجاز فى مقاومة السرقة نلاحظ أن النجاح فى هذه الحالة كان قاصرا على مقاومة الجريمة دون أن يتعرض لإصلاح حال المجرم . ونذكر بهذه المناسبة أن هناك قولا مأثورا ، عن الإمام على كرم الله وجهه - وقد رواه بعضهم على أنه حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم - وهو قوله " لا قطع فى الدغرة " والدغرة هى ما يعرفه العلم الحديث باسم جنون السرقة وهو ذلك المرض -kleptomania - وهو ذلك المرض  النفسانى الذي يصب الإنسان فيدفعه بقوة لا تقهر إلى اختلاس مال الغير . فلو أن كل يد تقطع لمثل هذا المريض ينبت فى مكانها عشر أيد . ولو أن القائمين على الحدود ظلوا يقطعون هذه الأيدى واحدة بعد واحدة لما استطاعوا أن يعالجوا هذه " الدغمرة " بالقطع . ولهذا كان الشرع الإسلامى فطنا فى تقرير هذه القاعدة . وفى الإقرار بأن هناك نوعا من السرقة على الأقل لا يجدى فى علاجه قطع يد السارق .

من أجل ذلك قامت المعاهد الحديثة التى نضم الخبير الاجتماعى إلى الطبيب الجثمانى ثم تزودهما مجهود الأخصائى النفسى والطبيب العقلى ليتعاون الجميع على دراسة المجرم من كل نواحيه . وليكشفوا كيف طرأ عليه هذا الشذوز فى مسلكه مع المجتمع . فإن الجريمة كما ذكرنا نتاج تفاعل بين الفرد وما يحيط به . وكلما عجز الفرد عن التوفيق بين

رغباته وغرائزه ( ١ ) وبين تكاليف الوسط الذى يعيش فيه فثمت جريمة تختمر ولا بد لها من الظهور متى حان حينها والمدرسة المصرية التى وضع أساسها فرويد النمسوى ، وولم هيلى الأمريكى وغيرهما تجعل همها فى مقاومة الجريمة وفى علاج المجرم أن تعمل على تعديل رغبات الفرد منذ حداثته بحيث توافق البيئة التى يعيش فيها . فإن الطفل وهو يستقبل حياته يشب جاهلا بالعرف الاجتماعى ، وينشأ أنانيا يحاول أن يشبع رغباته كيفما يريد وكلما أراد . وهو يشبع غرائزه الرئيسية كلها من ثدى أمه ومن جسمها ، لا يلقى فيما يريد من ذلك حرجا ولا عنتا ولا مقاومة . ولذلك يكبر وليست له فكرة واضحة عن حقوق الآخرين . وهو لا يعرف أن رغباته تلك يجب أن تعدل وفقا لهذه الحقوق ، وأن عليه أن يوفق بين ما يسمونه " مبدأ اللذة " -Preasure Principle - " ومبدأ الواقع " -Reality Principle كتابه . وليست أهداف التربية التى يعمل العلماء اليوم على تعميمها بين الجماهير إلا تنشئه جيل جديد ينعم بثمرات هذا التعديل والتوافق الذى يضع حدا للصراع بين هذين المبدأين . وبالتالي يضع حدا للجريمة وتنقرض به من المجتمع طائفة المجرمين . به من المجتمع طائفة المجرمين .

أما المجرمون الكبار الذين فآتهم أن ينعموا بمثل هذه الطفولة المتوازنة ، فإن علاجهم يكون فى مثل هذه المعاهد التى سبق أن أشرنا إلى قيامها فى الروسيا وفى بعض الولايات الامريكية ، حيث تعالج العلل الجسمية بالعقافير وبالجراحة والعلل النفسية بالتحليل النفسى

وحيث يشرف الخبير الاجتماعى على بيئة المجرم ، يعمل على إيجاد ذلك التوفيق المنشود بين المجرم وبين بيئته ليعود إليها مواطنا صالحا ، سعيدا ، موفقا للخيرات .

اشترك في نشرتنا البريدية