الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 318الرجوع إلى "الرسالة"

النعيم الحسي والمعنوي في الجنة

Share

خلقت مشكلة الجناية على الأدب مشكلة أخرى. وهي:  هل نعيم الجنة حسي أم معنوي؟

وهاتان المشكلتان وأمثالهما من المشكلات الحبيبة إلى النفس  لأنها في سبيل الأدب والعلم، لذلك نرجو الله أن يكثر من أمثالهما  بقدر ما يريحنا من المشكلات السياسية العقيمة. ولقد قرأت ما كتبه الدكتور زكي مبارك. وما كتبه  الأستاذ قراعة في هذا الصدد فعنت لي بعض ملاحظات على رأى  الأستاذ قراعة أسطرها فيما يلي:

أولاً: يتشبث الأستاذ بأن لذات الجنة لذات معنوية ، ويذهب إلى وجوب تأويل النصوص التي يدل ظاهرها على أنها  حسية. وهذا فضلاً عن أنه مخالف لإجماع أهل السنة فإن كثيراً  من النصوص لا يمكن تأويلها إلا بتعسف شديد لا يحتمله . وذلك كقوله تعالى

(قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من  الرزق. قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة)  فقد دلت الآية الكريمة على أن أنواع الزينة والطيبات من الرزق  مباحة للمؤمنين والكافرين في الدنيا، خالصة للمؤمنين في الآخرة  لا يشركهم فيها أحد. ولا شك أن أكثر لذات الدنيا ونعيمها

حسي محض. وسيكون في الآخرة بهذا الاعتبار نفسه. . . وقال تعالى:   (ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون. يطاف  عليهم بصحاف من ذهب وأكواب وفيها ما تشتهيه الأنفس  وتلذ الأعين)  فإن في قوله تعالى فيها ما تشتهيه الأنفس مع  ملاحظة اختلاف النفس والروح يشعر بأن النعيم الأخروي حسي  في كثير من النعم. . .

وفي الصحيح عن حذيفة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم  يقول: (لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب  والفضة، ولا تأكلوا في صحافها. فإنها لهم في الدنيا، ولكم  في الآخرة). أفليس المناسب أن يكون النعيم بالحرير والديباج ، والذهب الفضة في الآخرة، نعيماً حسياً لأنه هو القريب في استعمالها؟ ولو تتبعنا نصوص الكتاب والسنة لوجدنا الكثير منها  لا يمكن تأويله وصرفه عن وجهه.

ثانياً: مثل الأستاذ برؤية المنظر الجميل، وسماع الصوت الجميل  من الجميل، وبين أنه بإضافة الحاسة الفنية إليهما يكون فيهما  جهتان من اللذة: روحية، وحسية، وأن البحث عن الأولى  ارتفاع بالروح إلى أوج الكمال، والبحث عن الثانية نزول بها  إلى الحضيض. . .! وهذا التمثيل صحيح لا غبار عليه. ولكنه  لا يظهر إلا في مثل هذين المثالين مما يمكن أن تضاف إليه الحاسة  الفنية ويكون له جهتان.

ولكن ماذا يقول الأستاذ في مثل قوله تعالى:   (وفاكهة  مما يتخيرون ولحم طير مما يشتهون - فيهما فاكهة ونخيل ورمان)   إلى غير ذلك من الآيات التي يظهر فيها أن المقصود التذوق الحسي  ولا تظهر فيها اللذة الروحية إلا إذا رأى الأستاذ أننا نأكل  طيبات العيش لنقوي أرواحنا لا أجسامنا.

على أني لا أنسي أن أشكر للأستاذ مجهوده القيم، وأطمئنه  على عقيدته رغم ما يرميه به الغير من الكفر أعاذنا الله منه.

اشترك في نشرتنا البريدية