الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 648الرجوع إلى "الثقافة"

النقاب ودلالته ...

Share

النقاب هو الخمار ككتاب ، وهو القناع ، وهو الحجاب ، وهو البراقع ، وهو النصيف الذي أشار إليه النابغة الذبياني في قصيدته فقال :

سقط النصيف ولم ترد إسقاطه

                          فتناولته واتفننا باليد

يمخضب رخص كأن بنانه

                          عتم على اغصانه لم يعقد

قال الكاتب :

ليس في هذه الدنيا منظر هو أحلي وأفتن من منظر عروس جميلة في نقاب عرسها .

وليس النقاب في حفلات الزواج وقفا على البلاد الأوربية ، بل إنك لواجده في الصين ، وبورما ، و كوريا ، ومنشوريا وإيران ، وفي ممالك أخري .

وقد تختلف العادات ذات الصلة بالنقاب في تلك البلاد عنها في بلاد أوربا .

فالعرائس في (كابودوشيا ) مثلا مجبرات على ارتداء النقاب أربعين ليلة بعد الزواج .

وفي الصين لا يري العريس عروسه حتى يزيح نقابها الحريري الأحمر الذي ترتديه يوم تجئ إلي بيته .

والنقاب الذي ترتديه العروس في انجترا هو في زعم الزاعمين مأخوذ من المظلة التى يرفعها اليهود في حفلات أعراسهم ، ولو أن الفرض الأقرب للعقل هو أنه مأخوذ من البخنق الذي كانوا يرتدونه في الأزمنة القديمة .

ونقاب العروس له دلالة هي أعمق اثرا وأبعد غورا مما يبدو في ظاهر الأمر ، فإن موسم الزواج لدي الأقوام البدائيين هو ذلك الوقت الذي تكثر وتنتشر فيه الأرواح الشريرة . وهو الوقت الذي يجب أن يعني فيه العناية كلها بإجاد أسباب الشقاء وتقريب دواعي الهناء في الحياة الزوجية وما يستتبع الزواج الهنئ من كثرة في الأولاد .

ففي مراكش يعني القوم كل العناية بأمر العروس . فتحمل إلى بيت زوجها - وهي منتقبة من الرأس إلى

القدم - في هودج قامت حوله ضجة ، وصحبته طلقات البنادق . وهم يقصدون بتلك الضجة أن يخيفوا الأرواح الشريرة ، وأن يحولوا بين العروس وبين نظرات صويحباها ، فقد تكون تلك النظرات مصدر شر وأذي في تلك الفترة الحرجة ، فترة العرس . وقد اعتادت العرائس الكاثوليكيات في إشقودره أن ينتقبن نقابا كاملا حتى يصلن إلى المحراب في الكنيسة . فإذا بلغن ذلك المحراب أمن شر العين الحاسدة فأزحن عن وجوجهن النقاب .

وفي ماليتيزيا تحمل العروس إلي بيت بعلها في لفافات من الحصر . ويروح عليها بمراوح من سعف النخل توجه إلي وجهها . حتى لا تقع عينها على واحد من النظارة الغافلين فتسحره .

وكانت عرائس الجبل الأسود ينتقبن أشد نقاب ، إذا جاء الرجال لنقلهن من بيوت آبائهن إلى بيوت أزواجهن . حتى لقد قيل مرة إن عروسا حلت مكان أخرى مصادفة وانفاقا . ذلك لأن العريسين لم يكونا - بالطبع - قد رأيا عروسيها من قبل أبدا .

وقيل في تعليل هذا الخطأ إن العروسين كان عليهما وقد جاءنا من مكان بعيد - أن تقضيا الليل في سفح الجبل وباتت كلتاهما في مخيم واحد . وفي الصباح ذهب كل عريس بعروس صاحبه . ثم زفت البنتان فور وصولهما إلى بيت الزوجية . ولما كان القوم لم يروهما من قبل فقد ظل الخطأ قائما بضعة أيام .

والعلم البدائي يؤمن بالنظرة أو بالطائف من الجن ، ويري أن النظرة تنتقل بالعدوي . ومن أوهام المصدقين بهذه النظرة قولهم : إن الروح قد تهرب أو قد تسحر بطريق الفم أو بطريق الخياشيم . ولذلك فإن سلطان دارفور بالسودان قد اعتاد أن يلف وجهه في نقاب رقيق . وبخاصة تينك الجارحتين الظاهرتين ، وهما الأنف والفم .

ولذلك أيضا فإن سلطان واداي وسلطان بورنو يتكلمان من وراء حجاب .

ومن أجل ذلك أيضا فإن رجال العرب ونساءهم الملاح الوجوه يغطون وجوههم اتقاء شر النظرة الحاسدة .

ويقول الرجل من أهل الجبل الأسود إذا أراد أن يعبر عن نجاته من هلاك محقق : إن روحي كانت في أنفى الوقت كله . بينا تعمل النساء المسلمات - إذا فوجئن بنظرة من رجل غريب - على حشو أفواههن بشيء ما . حتى لا تسحر أرواحهن .

ويطلق اسم الطوارق - كصيغة من صيغ الاسترذال على بعض الأقوام الرحل الذين يسكنون الصحراء الكبرى ، وهؤلاء الطوارق وإن كانوا مسلمين اسما ، إلا أن نساءهم لا ينتقبن . وهن يستمتعن بقسط وافر من حرية التصرف .

والنقاب لدي أولئك الأقوام يرتديه الرجال ، وقوامه شريط رقيق من النسيج يلفونه حول رءوسهم بطريقة تخيل المرائى أن هذا النقاب "برنس" يغطى العينين والأنف والفم ، تاركا ثغرة صغيرة للعينين . وهم إذا لبسوا النقاب ظلوا عاكفين على ارتدائه طوال حياتهم ، وهم يبدأون بارتدائه في العشرين من عمرهم ، ولا يزيحونه إذا أكلوا أو ناموا ، أو .... ماتوا ...

وإذا أراد رجل من الطوارق خلع نقابه نظر حوله ليستيقن أن أحدا ليس حاضرا .

وفي الحق أن النقاب يقصد به عند هؤلاء الطوارق إلي الوقاية من أفاعيل القوي الخارقة للطبيعة التي قد تصيب أولئك المحاربين المعروفين بشدة البأس في الحرب ، والذين يسمون بالملتمين .

ويمكن أن يندرج تحت قائمة النقاب تلك المظلة التي يرفعها اليهود في أعراسهم .

هذا وقد فرضت كتب الأديان على النساء أن ينتقبن . وذلك منذ العهود القديمة ، وذلك كان النساء المسيحيات ينتقبن إذا ذهبين إلى الكنائس ، وقد بقى من آثار هذا النقاب عادة لبس النساء للقبعات في الكنائس ، في حين أن الرجال يخلمونها .

والراهبات المحترفات يرتدين النقاب . وفي أسبانيا تلبس

النساء تلك الطرحة من المخرم الأسود كآية من آيات احترام بيوت الله . ومن ثم نشأت عادة العرائس الأسبانيات أن يلبسن ليلة العرس لباسا من الحرير الأسود .

وكذلك يرجع أصل النقاب الأسود الذي ترتديه النسوة الأرامل إلى أصل ديني ، ذلك أنه كان يشترط في الصور الوسطى أن تلجأ الأرملة إلي الدير علامة الحزن لا قصد الترهب .

ويشترط الدين الإسلامي علي النساء أن يعشن في عزلة عن الرجال وأن يتنقبن . وقد ذكر هذا بوضوح في القرآن الكريم : -

( يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين ) . (وقل المؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن . ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولى الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ) .

والنساء في التركسنان لا يذهبن إلي الأسواق إلا متخذات نقابا مصنوعا من شعر الخيل الأسود . وهذا الصنف من النقاب يصنع بكثرة في مدينة بخاري . وهن يرتدين فوق هذا النقاب قباء مزر الاكمام .

وكذلك نساء اليهود في بخاري يرتدين هذا الزي مخافة أن يظن أنههن مسلمات خارجات على القانون فينالهن العقاب .

ونساء المدن في مصر كن يرتدين النقاب وكن يقطعن خمرهن في الجنازات ، وهي عادة ذكرها الإنجيل ، وكانت متبعة عند الأقوام القدماء .

والفلاحات المصريات لا يحسن بالسعادة الكاملة إلا إذا انتقبن .

والنساء في إيران لا يخرجن إلا وقد لفهن قباء أسود اسمه "الشادار" وإلا إذا غطين وجوههن بنقاب من الحرير الأبيض .

وأولئك النساء يؤمن بشر العين الحاسدة ، ولذلك فهن يلبسن التعاويذ والرقي لتحميهن شر الحاسد والحسد .

وكانت تركيا فيما مضي الملاذ الروحي للدين الإسلامي ؛ ذلك لأن الخليفة كان بينه وبين النبي (ص) رحم ماسة ونسب قريب .

والمعروف أن القرآن يحيز للرجل أن يتزوج أربعا من النساء هذا بخلاف ما ملكت يمينه من السراري ، ولكن قلما تجد رجلا من الترك يمسك في عصمته أكثر من زوجة واحدة ، يستوي في ذلك الغني والفقير ، ذلك لأن كل بيت من بيوت الترك ينقسم قسمين : الحرملك والسلاملك ، والأول قد أعد للحريم ، والثاني للرجال .

وشروط دخول الحرملك هي شروط قاسية حتى على الزوج نفسه ؛ فهو لا يستطيع اقتحام "الحرملك" إذا رأي على عتبة الباب حذاء من أحذية النساء .

وإذا غادرت الهانم التركية بيتها ارتدت قباء أو قراجية ، وهو ثوب يغطي الجسم كله إلى الكعبين ، ثم وضعت " اليشمك" فوق وجهها .

ومن الخطأ البالغ ، ومن المغالطة في الحقائق ، أن يظن ظان أن المرأة المسلمة تعيش عيش الذل والمسكنة بين جدران البيت أو بين زوايا " الحرملك " إذ الواقع أن الدين الإسلامي يحمي المرأة إلى أقصي حدود الحماية ، ويصون حقوقها كاملة عند الطلاق .

وفي أفغانستان خطا الرجال التقدميون بالنساء خطوات واسعة في سيل التحرر من أسر النقاب ، ويظن أن هذه الحركة التقدمية كانت السبب الأول في خلع الملك أمان الله ، ولكن العاهل الحالي لتلك البلاد يؤيد اليوم حركة تحرير النساء ، على حين أن القوم في بلاده يفضلون البقاء على ما وجدوا عليه آباءهم .

والحال يختلف نوعا ما في تركيا ، إذ بسقوط الخلافة تجوهلت الأسباب الداعية لعزلة النساء وقام مصطفى كمال فحرر النساء وجعل امرأته تظهر في المجامع ساقرة . ولكن

السفور في تركيا الأسيوية كان يمشي مشيا وثيدا ، والمظنون أنه بسبب بطء سير الحضارة ، وعسر اجتناء فوائدها ، لن يختفى ما خلقته الأجيال المتقادمة بين عشية وضحاها .

أما في الهند الحديثة فإن معركة الحرية وبلوغ الأهداف الوطنية في الهند البريطانية قد أنالا المرأة الهندية - على اختلاف أديانها - قسطا من السفور ، فجعلاها تهجر النقاب وتتخلى عن حياة الحريم . ولكن الغالبية العظمي من نساء الهند لا يزلن يحيين حياة العزلة . ومن النساء المسلمات من إذا صورت بالفوتغرافيا أصبح زوجها في حل من طلاقها . لأن الصورة قد يراها رجل غريب . .

وبعد ، فإن تاريخ النقاب مازال يحوطه الغموض . ولكن لاشك في أن هناك صلة متينة ، وارتباطا وثيقا بين النقاب وبين أسرار الزواج ، وغوامض الطقوس ، والعين الحاسدة ، وعزلة النساء . .

( عن الإنجليزية )

اشترك في نشرتنا البريدية