ألمعنا في الكلمة السالفة إلي أن النقاد الموهوبين هم الذين ينشئون الذوق الأدبي المتين السليم لدي شعوبهم ، وأن هذا الذوق هو أحد العوامل الأساسية التي يعتمد عليها الزمن في إصدار حكمه بتخليد المنتجات الأدبية ، وليس ذلك فحسب ، بل إن التطورات الاجتماعية والسياسية كثيرا ما تري الأمم بثورات تقلب فيها كيان كل شئ ، وتجتاح منها الأخلاق والتقاليد ، وإذ ذاك لا يبقى لها كحصن منبع يقيها شر هذا الانهيار سوي ذلك الذوق الأدبي السليم الذي كونه لديها النقد القوي البريء ، ولنسق لك على صحة ما نقول هذا المثال الذي صادفناه ضمن أمثلة عديدة التقينا بها أثناء مطالعتنا تاريخ الآداب الأوربية الحديثة . ومجمله أنه عند ما طغي الأدب الفرنسي في النصف الأخير من القرن الثامن عشر على جميع ما عداه من الآداب الأوربية لسموه عليها ، وجرفها تياره بحالة عنيفة كادت تفقدها قوميتها ، وتودي بشخصيتها ، هب في ألمانيا ذلك الناقد الممتاز " ليسينج " Lessing ، وصمم على تحرير الأدب الألمانى من نير الأدب الفرنسي الذي كان قد بسط سلطانه على الإنتاج الأوربي كله منذ القرن السابع عشر ، وعلى أثر هذا الشعور في نفسه بدأت حملته القاسية الحاسمة التي اشتعل أوارها زهاء ثلاثين سنة ، انتهت بأن مزقت سهامها الحادة أستار العبودية الأجنبية ، ولم تقنع بهذا الدور السلبي الهدام ، وإنما أسست في مواضع تلك الأطلال صروحا قومية متينة وأبراجا وطنية شاهقة ، وهكذا كان لهذا الناقد القوي الشكيمة فضل السبق في حمل مواطنيه على نبذ الضعف والخور والانمياع ، وفي إنقاذهم من ذلك الانحلال الاجتماعي الذي كانوا قد هووا في حضيضه عندما اقتنعوا بأن أدبهم لا يمكن أن يكون إلا خاضعا تابعا لغيره ، وانه عاجز عن الاحتفاظ بكيانه واستقلاله بذاتياته المميزة له عما سواه . ولهذا كان من أبرز المبادىء التي دعا إليها " ليسينج" مبدأ
العودة بجميع نواحي الإنتاج الأدبية إلى المنابع القومية الأصيلة ، وكان ذلك عاملا أساسيا في تخليد منتجات "جوت" و" شيلير " .
على انه ينبغى لنا أن نشير هنا إلى أن النقد في القرنين - السابع عشر والثامن عشر - مهما كان سلطانه على الحياة الثقافية ، ومهما كانت قدرته على تحويل دقة الشئون الأدبية - لم يكن له منهج واضح ، ولا يرنامج محدد ، وإنما كان أمرا ثانويا يتخذه كبار الكتاب الممتازين كوسيلة مرتجلة لبسط آرائهم وتصوير أذواقهم وأذواق بيئاتهم بإزاء منتجات أسلافهم ومعاصريهم ، ومن أبرز هؤلاء الكتاب " جوث ، و" مدام دى ستال " و " شانو بربان " .
ومهما يكن من شئ . فإن الذي لا ريب فيه هو أن النقد الفني لم يقف على قدميه ، ولم يعلن وجوده كــكيان قائم بذاته ذي قواعد محددة ، وقوانين معينة ، إلا منذ بدأ " سانت بوف " بأن يضع له تلك الأسس العلمية في النصف الأول من القرن التاسع عشر ، كما أشرنا إلى ذلك في بحت مضي . أما وقد تحدثنا في الفصل السالف عن (سانت بوف) وأشرنا إليه هنا كواضع للحجر الأساسي في بناء النقد الأدبي الحديث على قواعده المنطقية الصحيحة ، فقد وجب علينا أن نقف هنيهة بناقد آخر ليس أقل منه شأنا ، ولا أهون منزلة إن لم يفقه في تنظيم المناهج النقدية وإيصالها إلى ما بلغته من مراتب الكمال ، بل قد قيل إنه هو الذي منح النقد ذلك التحديد العلمي الذي كان مجهولا في ساحته حتى ذلك الحين ، هذا الناقد هو إيبوليت تـين " Hippolyte Taine الذي حسبنا أن نقول عنه إنه طبع عصره بطابعه الخاص ، ولا غرو فإن الأغلبية الساحقة من شباب أوربا المثقف كانت معجبة به ، حريصة على محاكاته ، لأنه كان مؤرخا وناقدا وفيلسوفا ، ولقد كان مؤمنا بالمذهب الواقعي الذي أسسه ...
" أجوست كونت " إيمانا جعله أشد أنصاره حماسة وأعظم تلألؤا وسطوعا ، بل إن صفوة المثقفين في ذلك العهد ظلت تعتبره زعيم هذا المذهب فيما بين سنتى ١٨٦٠ و ١٨٧٠ .
ولا ريب أن الفضل في ذلك الانتصار الوقتي الذي أحرزه المذهب الواقعي في تلك الحقبة يرجع إلى " تين " أكثر مما يرجع إلى " أجوست كونت ". ولقد بلغ به يقينه بمبادئه ، وإيمانه بوجوب تطبيقها في كل ما يعرض له من شئون حدا جعل معاصريه النزهاء المحايدين يجزمون بأنه كان من مترجما أمينا لروح جيله كله.
كان "تين" مستغلا بالتعليم ، ولكن شجاعته وصراحته وجرأته في الحق قد تضافرت على خلق المصاعب والعقبات في طريقه ، فلم يسعه إلا أن يترك منصبه في التعليم غير آسف عليه .
ومن أبرز القواعد التي وضعها ابتكارا في النقد قاعدة الجزم بإمكان تحليل الظواهر الأدبية والفنية بعلل ثابتة ، على نحو ما يفعل العلماء الطبيعيون بإزاء الكائنات الحية ووظائف الأعضاء ، فعنده لا يكفي ربط الكتاب بمؤلفه كما رأي " سانت بوف " وإنما هو يري فوق ذلك أن من الضروري الذي لا محيص عنه كشف الطابع الخاص المميز لكل واحد من المؤلفين عما عداء ، والذي يدعوه " تين" بالخاصية الأساسية ، وهذه الخاصية عند أديبنا الناقد هي المفتاح الأوحد الذي به تفتح مغالق عبقرية المؤلف ، ويمكن أن تعلل هذه الخاصية بالمؤثرات الثلاثة ، وهي : الأرومة والبيئة والزمن . فأما الأرومة فهي الاستعدادات الوراثية التي يتلقاها الفرد عن جنسه العنصري ؛ وأما البيئة ، فهي الدائرة التى تحدق بالفرد منذ نعومة أظفاره وتفرض عليه آثارها فرضا ، وهي نوعان : مادي ، وهو : المناخ والمناظر ، ويدعي بالبيئة الطبيعية . وأدبي ، وهو : النظام السياسي والحالة الأدبية العامة ، ويدعي بالبيئة الاجتماعية . وأما الزمن فهو مجموعة التأثيرات المعنوية التي خلفها الماضى في الحاضر ، ونخص بالذكر منها آثار المنتجات النقيدة في المؤلفات الجديدة على أنه ينبغى أن نعلن هنا أن "تين " كان مذهبيا أكثر من المألوف ، وقد انتهت به هذه المغالاه إلى تقرير أنه متى ظفر الناقد بالوقوف على هذه المؤثرات الثلاثة ، فقد فاز بكشف عبقرية الكاتب ، بينما أنه لا يجوز البتة أن تغفل
أن وراء هذه العوامل الثلاثة - مع واقعيتها - سرا غامضا يدق عن التحليل والتعليل ، وهو العنصر الفذ المستقل في العبقرية . ولقد اعترض على " تين " في هذا الرأي بأن " لافونتين" الذي كتب عنه هو بحوثا فياضة لم يشبهه في بيئته ولا في عصره ، ولا في بنى جلدته أحد فيما برع فيه وتفرد به . ومهما يكن من شئ ، فإن " تين " مجدد مبتكر في الأسس الجوهرية للنقد ، إذ كيف يجرؤ أي ناقد بعده على تجاهل آثار : الأرومة والبيئة والزمن ، إذا أراد أن يكون جادا في نقده ، بانيا لمجده .
ومن النتائج البارزة التي تجمعت عن مذهب " تين " فى النقد ما صرح به ناقد آخر ممتاز معاصر له ، وهو : ( إميل فاجيه ) ، ونحن نجمله فيما يلى :
" ينبغى منذ الآن وضع تمييز واضح بين تاريخ الأدب والنقد الأدبى . . فمؤرخ الأدب يجب أن يكون محايدا بقدر الإمكان ، أى يجب عليه أن يقدم المعلومات بصورة موضوعية للغاية ، ولا يسمح لنفسه أن يبدى شعوره الشخصي نحو هذا المؤلف أو ذاك ، وإنما يتحتم عليه أن يقتصر على بسط أحاسيس معاصرية نحو من يؤرخ لهم من المؤلفين ، كما انه ينبغي أن يحدد الروح العامة لكل عصر يؤرخه معتمدا في تحديده على التاريخ العام ، ويجب عليه الا يسرد إلا أحداثا وصلات بين تلك الأحداث ، وظواهر وروابط بين تلك الظواهر لا أكثر ولا أقل ، وليس عليه أن ينبىء القارئ بما يحكم وكيف يحكم ، ولا بما يشعر وكيف يشعر ؛ ومعنى هذا كله أن عمل الناقد الأدبي يبتدىء من نقطة انتهاء مؤرخ الأدب ، أو قل إن الناقد يعمل في آفاق أخرى تختلف تماما عن أفق المؤرخ ، أى أنه يطلب إليه إبداء رأيه الشخصي في المؤلف أو في الكتاب سواء كان هذا الرأي مؤسسا على مبادئ ثابتة أو ناشئا من انفعالات خاصة ، وقصاري القول أن المطلوب من الناقد ليس لوحة للبلد الذي يمر به ، وإنما هو شعور كذلك الشعور الذي ينقذف إلى نفس السائح عندما يحل بذلك البلد " . ولا حرم أن هذا النهج قد حمل " إميل فاجيه " على أن يستنبط أن الإطلاع على تاريخ الأدب يجب أن يسبق مطالعة هذا الأدب فضلا عن رأي الناقد فيه ، وإذا فإن
هذا النظام هو وحده الذي يكمل لنا أحكاما مؤسسة على التأمل والتدبر . أما أولئك الذين يقفزون إلى مطالعة النقد قبل الإحاطة بالنصوص المنقودة ، وقبل الإطلاع على كلمة التاريخ في مؤلف تلك النصوص ، فليست طريقتهم سوى لون من ألوان الخمول العقلي وسطحية الثقافة ، ومحاكاة الفكرة العامة التي تفرض على الجماهير في غير دقة ولا منهج احترام هذا الكاتب واحتقار ذاك ، ولو كان هذا الفرض مؤسسا على الأخطاء أو على الأهواء ؛ ومن آيات ذلك ما نقرؤه في الصحف حين نصح وحين نمسي عن مذهب الوجودية الذي صار الآن بدعة العصر التى يتشدق بها عدد غير قليل من أنصاف المتعلمين بعد أن أكرهوا أذهانهم إكراها على استظهار بعض كلات اقتطفوها أو اختطفوها من هنا ومن هناك عن هذا المذهب ، واكتفوا بمنتثرات غير منسجمة قذفت بها أقلام الناقدين من بعيد أو من قريب ، ثم جعلوا يتباهون بالحديث عن مذهب الوجودية ، بل باستطاعة شرح نظرياته . وحل معضلاته . ولكن
- ولا مفر لنا هنا من لكن - منذا الذي قرأ من هؤلاء المتفهقين كتابا لـ "سارتر" وكون له منه فكرة شخصية ! أ ...
على أنه لا يفوتنا قبل أن نختم هذه الكلمة أن نصرح بأن انعطاف الحركة الأدبية صوب الناحية التجارية بعض الشئ ، وما نجم عن ذلك من وفرة المنتجات الخفيفة ، ومن تجاوز أثمانها طاقة ذوي الدخل المحدود . كل ذلك يبيح لجماهير القراء الاعتماد على آراء النقاد الحقيقيين فيما ينبغي أن يقتصروا عليه من المؤلفات العصرية . أما الصفوة فيتحتم عليها أن تسلك المنهج الذي ذكرناه انفا . . وأخيرا نخشي أن يكون النقد في مصر بالصورة التى هو عليها الآن لا يرشد الجماهير إلى الغذاء العقلي النقي النافع ، ولا يوجه الصفوة إلى مناهج الفهم ، أو يرسم لهم نماذج التعليل التي لا مندوحة عنها في إصدار الأحكام .
(للحديث بقية)

