(٣) - ج . ك . رانسم J.C.Ransom
يعد " رانسم " زعيم المتطرفين اليمينيين في النقد الادبى الامريكي المعاصر ولد سنة ١٨٨٨ ونشأ فى اسرة متدينة محافظة . تخرج من جامعة varderbilt الامريكة وجامعة اكسفورد بانكلترا واشتغل بتدريس الادب في كليات وجامعات امريكية وفى الوقت نفسه كان يدير مجلة ادبية ويشارك فى تحرير مجلة ادبية اخرى وهما henyon Review و The fugitive ابتدأ انتاجه بالشعر ثم مال الى النقد الادبى وبه يعرف اليوم . يقول النقاد ان اخص مميزات شعر " رانسم " - واكثره في نقد حضارة القرن العشرين الصناعية والتشوق الى الازمنة الماضية - هى براعة الجمع بين الفكاهة والتهكم مع شدة التحكم في العاطفة .
اما نقده فهو عبارة عن محاولات في وضع مقاييس للادب تختلف عن مقاييس العلم . العلم فى نظره يكتشف الاشياء والادب يحييها . قواعد العلم افكار مجردة وقواعد الادب صور حية ، فالادب هو المحيـى وهو الخلاق العظيم .
قال خليل مطران فى وصف زهرة ذابلة :
تلوح عليها للكآبة والاسى مخايل دقت ان ترى فتخيل
ويكسبها معني الحياة ذبولها لدى ناظريها فهي في النفس اجمل
لو اطلع " رانسم " على هذين البيتين لعدهما مثالا حسنا لعملية الخلق والاحياء وشرحا واضحا للفرق بين القيم العلمية والقيم الادبية . العلم يصف الزهرة بجميع اجزائها ويعين مكانها من فصيلتها ويعدد خاصياتها ويستعملها ويستفيد منها ثم يقف عند ذلك . اما الشعر فيرى فيها جمال الحياة حتى بعد ذبولها . بل انه يرى ان ذبولها هو الذي يكسبها معنى الحياة ويزيدها جمالا في النفس .
يظهر ان الشعراء يرون في مثل هذا الكلام اكثر مما يراه سائر الناس . اذكر ان الدكتور زكى ابو شادي ارسل الى البيتين المذكورين يوم كنت في المانيا واعرب عن اعجابه الشديد بهما واعتبرهما من اقوى الادلة على عبقرية خليل مطران ، وصادف ان اجتمعت يومئذ بالشاعر الالمانى Franz Werfel وقرآت عليه البيتين بالالمانية فقال : كثرا ما حاولت اقتناص هذا المعنى فكان دائما يتفلت منى ، وربما اقترب مني حتى كدت امسكه ثم اجدنى عاجزا عن وضعه في قالب شعري .
الد اعداء " رانسم " هو ما يسميه بالشعر الافلاطونى يريد بذلك شعر الآراء والافكار ، ويقابله بما يسميه الشعر الطبيعى او شعر الصور . الفكرة المجردة عنده ظلام ، والصورة نور . الشيء فى شيئيته كائن ذو وجود حقيقي ومادة صالحة للخلق قابلة للاحياء ، اما الآراء والافكار فهى فى نظره عبارة عن ظلال لغوية ليس لها وجود حقيقي فهي غير قابلة للاحياء ولا تصلح ان تكون موضوعا للادب . القطعة الاتية لنزاز قبانى تعد من الشعر الجيد عند " رانسم " :
لماذا ؟
لماذا ؟ .. تخليت عني
اذا كنت تعلم اني ..
احبك اكثر مني
لماذا ؟ ..
لماذا ؟ ..
بعينيك هذا الوجوم
وأمس بحضن الكروم
فرطت ألوف النجوم
بدربـي ..
واخبرتني ان حبي
يدوم
لماذا ؟
لماذا منحت لقلبي الهواء
فلما اضاء
بحب كعرض السماء
ذهبت بركب المساء
وخلفت هذي الصديقة
هنا .. عند سور الحديقة
على مقعد من بكاء
لماذا ؟ . .
لماذا ؟ ..
تغرر قلبي الصبي
لماذا ؟ .. كذبت على ؟
وقلت تعود إلي
مع السوسن الطالع
مع الموسم الراجع
مع الحقل ... والزارع
لماذا ؟ ...
لماذا ؟ ...
تعود السنونو
الى سقفنا
وينمو البنفسج في
حوضنا
وترقص في الضيعة
الميجنا
وتضحك كل الدنا
مع الصيف ..
الا انا
لماذا ؟ ..
تعد هذه القطعة من الشعر الجيد عند " رنسم " لان الشاعر استعمل الصور عوض الأفكار :
" فرطت الوف النجوم بدربي" عوض "اسعدتني" "على مقعد من بكاء" عوض "في حالة كآبة" الخ .
والقطعة الآتية للعباس بن الاحنف لا تعد من الشعر الجيد عند "رانسم" :
لعمري لئن كان المقرب منكم هوى صادقا إني لمستوجب القرب
سأرعي - وما استوجبت مني رعاية واحفظ ما ضيعت من حرمة الحب
متى تبصريني يا ظلوم تبيني شمائل بادي البث منصدع القلب
بريا تمنى الذنب لما هجرته لكيما يقال الهجر من سبب الذنب
وقد كنت اشكو عتبها وعتابها فقد فجعتني بالعتاب وبالعتب
لان الشاعر تحدث عن "الرعاية" و "الحفظ" و "الحرمة" و "والبث" كلها افكار مجردة . ثم انتهى بفروق لغوية دقيقة هى "العتاب" و "العتب" ولم يصنع شيئا .

