الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2 الرجوع إلى "الفكر"

النقد الادبي في امريكا اليوم ، -١ " بلاكمور " R.P BLackmur ،

Share

في امريكا اليوم عدد من المشتغلين بالنقد الادبي يمكن ان يطلق عليهم اسم " النقاد المستقلين " لانهم لا يكثرون من ذكر المذاهب الادبية ولا يمعنون في تحليل مفاهيم الادب ولا يسرفون فى محاولة التعمق والابتكار . وانما هم جماعة من الكتاب والشعراء الامريكيين لهم آراء ونظريات فى النقد الادبي هي من البساطة والوضوح بحدث يسهل تطبيقها على آداب اللغات المختلفة . في هذه السلسلة من المقالات سأعرض بعض تلك النظريات محاولا تطبيقها على الأدب العربى . وابتدىء بنظريات  R. P.Blaekmur  لان فيها ما يصلح ان يكون نقطة ابتداء لهذا الموضوع .

يهتم " بلا كمور " اهتماما خاصا باللغة لذاتها ، وبالقاموس كأداة ضرورية للعمل الادبى وبالمفردات وتعريفها القاموسى الدقيق ، مع حبها وتذوقها والاعتناء بحسن اختيارها وحسن استعمالها ويرى ان التجربة مهما كانت قيمة وصادقة وعميقة لا يمكن ان تصير شعرا او تبلغ درجة النثر الفنى اذا كانت صلتها بالقاموس ضعيفة وحبها للمفردات فاترا هذا البيت :

تبلج عن بعض الرضى وانطوى              على بقية عتب شارفت ان تصر ما

هو وصف موفق لحالة نفسية دقيقة ظهرت منها على الوجه آثار لو تمكن مصور من التقاطها بآلة التصوير لعد مصورا بارعا او رسمها فنان لكانت من اللوحات الخالدات . وانما وفق الشاعر هذا التوفيق لتمكنه من اللغة وقدرته على حسن استعمالها . ولو انه وضع " تبسم " مثلا مكان " تبلج " و " اخفى " مكان " انطوى على " و " قاربت " مكان " شارفت " لكان المعنى : كان بين الرضى والغضب ، وهذا - كما ترى - لا شىء .

بل انه يمكن الذهاب الى ابعد من ذلك : حتى النحو والصرف تكون لهما قيمة

فنية عند من يحسن استعمالهما . حذف أداة التعريف من كلمة " حياة " في قوله : " ولتجدنهم أحرص الناس على حياة " أكسب الآية تلك القيمة الفنية التى اكتشفها اصحاب اعجاز القران واستعمال المصدر " إسلام " في كتاب السد للمسعدي بتلك القرينة الخاصة ادخل على تلك الصيغة معنى جديدا ما كان يمكن التعبير عنه لو ان الكاتب اكتفى باستعمال المصدر " استسلام " كما هو المنتظر عادة فى مثل ذلك المقام .

فى امريكا البوم مشاكل تتعلق بالغريزة الجنسية والامزجة المنحرفة والطبائع الشاذة وهي مشاكل تشغل بال الكثيرين من علماء النفس وعلماء الاجتماع والاطباء ورجال الدين . والادباء الامريكون يشاركون في ذلك بطريقتين : تلميح متفكك مقتضب منهم يسمونه الرمزية وتصريح سطحى سوقى مبتذل يسمونه الواقعية .

" بلا كمور " يرى ان الاستسلام للعواطف المضطرية والمزاج المنحرف والاكتفاء وبمجرد التعبير عن الحالة النفسية كما هى - كل هذه قد تنتج مواد يستفيد منها اطباء الامراض النفسية ولكنها لا تنتج اديا صحيحا قيما . وانه ينتظر من الاديب ان يضبط العواطف وينظمها وان يتجنب الغموض ما استطاع لان الغموض لا يدل على عمق التجربة او تعقدها وانما يدل على عدم نضجها او على ضعف اداة التعبير عنها او على مجرد كسل عقلي . وان التجربة مهما عمقت ودقت وتعقدت يمكن تقديمها في صورة مضبوطة منظمة منطقية مقنعة واضحة اذا عنى الاديب نفسه وبذل كل جهده وذاك هو عمل الاديب .

قال شاعر عربي يصف نظرة :

نظرت اليها يوم مرت كأنها             على ظهر عادي (١) - فتاة من الجن

ولي نظر لو كان يحبل ناطر              بنظرته أنثى لقد حبلت مني

لا جدال فى دقة هذه التجربة وصعوبة التعبير عنها ، فلو حاولها احد الرمزيين لحدثنا عن الشهرة الحمراء واكثر من ذكر الشهقات ومرادفاتها ثم لم يات بشيء ، ولو حاولها بعض الواقعيين لاتي بكلام من النوع الذي لا يقال في مجالس المهذبين . ولكن الشاعر صاحب البيتين عنى نفسه واجتهد وضبط ورتب ولمح في غير التواء وصرح في غير ابتذال فبرزت التجربة قوية واضحة دقيقة .

وقال آخر يصف حالة نفسية حكم عليها بانها ضرب من الجنون :

وقالوا قد جننت فقلت كلا                         وربي ما جننت وما انتشيت (١)

ولكني ظلمت فكدت أبكي                        من الظلم المبرح أو بكيت

هذا ايضا ضبط نفسه ونظر الى حالته النفسية من الخارج فشرح وعلل ودافع عن نفسه واعتذر وتردد فى الاعتراف بالبكاء خجلا وكبرا ثم اعترف . . فجاء وصف التجربة واضحا مؤثرا قويا .

ويعتقد " بلاكمور " ان الاديب لا بد له من عقيدة ثابتة وقيم دينية اخلاقية يؤمن بها وتقاليد تربط الخاضر بالماضى وتجعل للتجربة اطارا من التراث الانسانى العام يزيدها قوة وجمالا وعمقا ووضوحا وتجعل لها اصلا في الماضى يحملها ويغذيها ويخصبها ويغنيها . فالبيتان :

سألت الارض لم صارت  مصلى       ولم صارت لنا طهرا وطيبا

فقالت - غير ناطقة - لاني          حويت لكل انسان حبيبا

لا يستطيع ان يقولما الا شاعر مسلم مؤمن يعرف معنى الصلاة والسجود والطهارة والتيمم ويؤمن بقوله : " منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة اخرى " ويحفظ قول المعرى :

خفف الوطء  ما اظن اديم            الارض الا من هذه الاجساد

وقول ابن الرومي :

تبرجت  بعد دلال وخفر               تبرج الانثى تصدت للذكر

   

                         

وبدون هذا الاطار من القيم الدينية الاخلاقية الادبية يكون معنى البيتين : ان سطح الارض مكون من اجساد الاموات ، وليس ذاك بشعر .

اما مؤهلات الناقد فان " بلا كمور " يرى ان الذي لا يحب الادب لا يستطيع ان ينتقد الادب ، وان علاقة الناقد بالاثر الادبى يجب ان تكون كعلاقة المحب بالمحبوب يقترب منه باحثا مستكشفا ، لا محللا مشرحا ، والا كانت العلاقة من نوع علاقة الطبيب بالمريض اثناء عملية جراحية ، على شرط ان لا يكون الحب من نوع الحب الذي يعمي ويصم . . يجب ان يرى الناقد فى البيتين المتقدمين مثلاان الضرورة التي الجأت الشاعر الى ان يقول " لم ولم " هى عيب ونقص ، وان قوله " غير ناطقة "

في البيت الثاني هو حشو واضح ، وان فكرة " حويت لكل انسان حبيبا " لو عالجها شاعر من طراز العباس ابن الاحنف او الشريف الرضى لجاءت سالمة من كل تلك العيوب أرى ان هذا النوع من النقد الادبى المستقل هو اكثر فائدة بالنسبة الى الادب العربي الحديث من ذلك النقد " الرسمي " المبني على المذاهب والمفاهيم ، المضطرب بين الفلسفة وعلم النفس وتاريخ الآداب الغربية ، ويؤيدنى فى ذلك آخر ما قرأت بالعربية في هذا الموضوع :

" طال الكلام فى الادب ومفاهيمه على حد تعبير المحدثين فى هذه الايام وكثر البحث في المذاهب الادبية كالواقعية والكلبية والرمزية والطبيعية في مقالات اخينا محمد مندور وصاحبنا الزيات وكاتبنا القديم توفيق الحكيم . وقد جر هؤلاء وراءهم الكتاب الشباب في الصحف اليومية من طراز الفيتورى ورشدي صالح وفرج وبقية الاخوان ولست افهم من كل هذا شيئا . وانما كل ما افهمه ان هناك لغة اخذناها عن العرب وان الذين يكتبون بها يختلفون ضعفا وقوة وغاثة وحسن تصرف او تفاهة وجمال بيان . وذلك كله قديم لان اللغة ذاتها قديمة . وكل شىء في الأدب من اول نشأته الى آخر الحياة هو " التعبير " والاداء والتكوين والبناء والبيان والتبيين . ان الكلام في المذاهب سخيف من الاصل ، عقيم لا يؤدي الى نتيجة غير هذا الذي يزعمه الزاعمون وهو ان هناك جديدا فى الادب وان فى جيلنا الحديث ادباء " مجددين " وغر هذا الكلام الكثير الذي يرسله محمد مندور عن المذاهب والمذهبيين . . وقد زعم قوم منهم انهم يحللون الشخصيات تحليلا حديثا ويردون الظواهر الى الحقائق ويكشفون المجهول ويعنون بالادب المتصل بالحياة الملامس للمصرية كأن فى الدنيا ادبا لا صلة له بالحياة ولا علاقة له بالبيئة . وقد تنبه العهد الحديد الى هذا النقص الظاهر فى نضهة الادب فدعا الى العناية بحركة نقل منظمة من مختلف اللغات لاننا لا نزال ناقصين فيه على كثرة المنقول وعدة النقلة والمترجمين                          (عباس حافظ من " الرسالة الجديدة ")

(عدد سبتمبر ٩٥٦)

اشترك في نشرتنا البريدية