لعل هذه الكلمات ستكون ملء فراغ فقط ولعل الانصراف الى المداولة حول هذا الموضوع رأسا يكون اجدى لنا في معرفة النقد الذي يوجه الى الادب والقومية العربية ولما دعيت بعد قدومي الى هنا للكلام حول هذا الموضوع رأيت أن ذلك ليس في امكاني وان الاولى بالحديث عنه هم كبار أساتذة الادب وأيمة النقد الذين يضم المؤتمر كثيرا منهم فأعظم الموضوعات في هذه الدورة الثالثة للمؤتمر يحق ان يتحدث عنه اعظم شخصيات المؤتمرين على كل حال فاني لم ارفض وإن كان الاعتذار بأن الموضوع غامض شائك اعتذارا مقبولا ووجيها . فان كان لي ان ألقي عليه نظرة فانها نظرة مستوحاة من هذا الجمع وإني اذا كان لي كلمة مستوحاة من مغزى هذا الجمع الذي ينفي جميع الفوارق من ابناء العروبة على اختلاف بلدانهم وتباعد انحائهم كما ينبغي ان تنفى جميع الفوارق الاعتبارية بين آداب اقطارهم العديدة في الماضي والحاضر . ذلك ان الادب العربي وحدة لا تتجزأ في جميع بلاده بالمغرب والمشرق وفي الاندلس وصقلية المفقودتين , فلا نعود نذكر الأدب الاندلسي ولا الادب العراقي ولا ادب غيرهما من الاقطار العربية سواء التي طوتها احداث التاريخ او التي بعثتها النهضة الحديثة فانما هو ادب واحد تشارك في انتاجه بلاد متصل بعضها ببعض كانت في وقت ما محكومة بحاكم واحد ولم تزل بعد استقلال بعضها عن بعض تحكم بقانون واحد ثم هي متشابهة ؛ التكوين والخلق والمزاج واللغة التي تعبر بها عن افكارها وخواطرها وحاجاتها واحدة فكيف لا يكون لهم أدب واحد ؟ وليس هذا فقط فالمعاني والافكار بل القوالب الاساليب هي نفسها التي يتداولها الجميع لان الرصيد الادبي واللغوي معا تراث مشاع بين ابناء هذه الاقطار كلهم ما طرف منه او تلد وما قدم او حدث كله معهود لديهم متصالح بينهم اليه يرجعون ومنه ينفقون فالتجاوب الفكري بين الادباء في
عصرنا هو ما كان عليه الحال عصر الجاهلية في الجزيرة العربية يتوافد الشعراء والخطباء من مختلف قبائل العرب الى عكاظ وغير عكاظ من الاسواق والمواسم الادبية يتساجلون ويتبارون بالكلم البليغ الفصيح تسير به الركبان والحفظة الرواة كما يقع اليوم تماما بالقصيدة من نظم شاعر مطبوع والمقالة من انشاء كاتب بليغ تنقلها الصحف السيارة . فاذا بهما على كل لسان وبين يدي كل مثقف من ابناء العروبة في اقطارها المختلفة وكما كان ايضا فيما بين عصر الجاهلية والعصر الحديث ينشد المتنبي أبيات ابن عبد ربه التي يقول فيها :
يا لؤلؤ يسبي العقول أنيقا ورشا بتقطيع القلوب رفيقا
فيقول شاعر العربية الاكبر : إيه يابن عبد ربه لقد تأتيك العراق حبوا ويؤلف أبو الفرج الاصفهاني كتابه ( الاغاني ) فيحمل من حينه الى خليفة قرطبة ويجيزه عليه بألف دينار . فماذا يعني هذا الا ان الامة أمة واحدة وأدبها الذي هو مستمد من واقع حياتها وتاريخها المشترك ومثلها العليا ادب واحد ليس بينه من خلاف كالماء الذي يخرج من نبع واحد لا يختلف الا في ذوق المرضى المنحرفين .
وهكذا رأينا أئمة الادب العربي فيما مضى يدرسون هذا الادب ويخضعونه للبحث على انه وحدة شاملة لا تفرقة بينها فالجاحظ وابن قتيبة من المشرق وابن عبد ربه وابن رشيق من المغرب كلهم على هذا الرأي والثعالبي فى يتيمته والعماد في البرق والبارودي في مختاراته كلهم على هذا . ومن ميز أدباء الاقطار فانما فعل ذلك بتمييز أدبهم من الناحية الشخصية لا من الناحية الفنية . فلما اخذنا نحن بدعة الوطنية الضيقة ومعها تاريخ الادب حسب الاقطار والعصور من اوربا جعلنا نلتمس العلل والاسباب بتمييز أدب كل قطر عربي عن اخيه ونفرده وان تنادى هو بكل ما فيه انه من بقية الآداب الاخرى فى الصميم وربما كانت تلك الاسباب والعلل اوهى من خيط العنكبوت وربما لم يتجه موجب الافراد للمفرد نفسه ولكن هكذا كتب تاريخ الادب الفرنسي أو الايطالي او الاسباني فليكن تاريخ الأدب العربي كذلك بالرغم من أنفه .
وفي امكان الادب الحصيف الذي يستقل بالرأي ان يرجع الى اقوال بعض المبدعين والكتاب في ميراث أدب بعض الاقطار العربية التي فيما يزعمون ، تختلف عن أدب غيرها فيجدها من التهافت والبطلان بحيث لا تثبت لحظة أمام النظر والتحقيق وانه لا يجد بين أديب وأديب من قطر واحد أكثر مما يجده بين أدب قطر وقطر آخر من تمايز ولا نقول من خلاف
وهناك قضية شكلية لها علاقة بالموضوع وهي ايضا هذا التقسيم الى العصور التي ينبغى ان يعاد فيه النظر كالتقسيم على الاقطار لانه كذلك تقليد محض لمنهاج البحث في الادب الاوربي ولعله تقليد له في العرض دون الجوهر والا فليس بلازم ان يكون لعصر الجاهلية أدب ولعصر صدر الاسلام أدب ولعصر الامويين أدب وهكذا حتى تنتهي العصور وتكون النتيجة تعصب قوم لأدب وآخرين لغيره . مما لا يوحي به الا النزعات الطائفية وهي الى الشعوبية اقرب منها الى العربية .
فالسياسة لا تؤثر هذا التأثير البليغ في تكييف المذاهب الادبية وهي بالفعل لم تؤثر في أدب هذه العصور بما يجعله يتمايز حتى يستقل عصر عن عصر . ولقد كان أئمتنا ادق نظرا واقوم ميزانا حين جعلوا هذه العصور الثلاثة عصرا واحدا واعتبروا نتاجها الادبي نتاجا عربيا اصيلا لا هجنة فيه ولا اغراب وذلك حين قرروا الاستشهاد به على قواعد العربية وعلوم اللغة
والأمر وان كان يتعلق بالاحكام اللفظية والقوانين النحوية فانه يشمل المعاني والافكار ايضا لان العربي الذي بقي على سليقته ولم يؤثر الاختلاط في نفسه لا شك ان تصوره للأشياء والامور وطريقة أدائه لذلك التصور لم يختلف كثيرا في الاسلام عما كان عليه قبله اذا استثنينا ما يخص العقيدة الجديدة ولذلك فنحن لا نجد فارقا كبيرا بين شعر الفرزدق من العصر الاموي وحسان بن ثابت في عصر صدر الاسلام وزهير بن أبى سلمى في عصر الجاهلية مثلا . افلا يكون ذلك مما يرجح جعل هذه العصور الثلاثة في تاريخ الادب العربي عصرا واحدا يتميز بأنه العصر الذي بقيت فيه اللغة نقية لم تشب بما يكدر صفاءها من ناحية اللفظ ولابما يغير محاسنها من جهة المعنى ؟
وبعده يأتي العصر العباسي الاول فالثاني فعصر المماليك على ما اصطلح عليه مؤرخو الادب ونرى أن هذه العصور الثلاثة تكون ايضا عصرا واحدا هو عصر ازدهار الادب العربي بما ادخل عليه من معان وافكار وأمثلة وصور وطرائق واساليب لم يعرفها من قبل نظرا الى اتساع دائرة المعارف العربية واستبحار العمران وانتشار الحضارة . ولقد سمى النقاد الاولون أدب هذا العصر بالادب المولد وسموا ادباءه بالأدباء المولدين وهي تسمية لها حظ من النظر فان توحيد المعاني التي لم تكن معروفة عند العرب هو مما تميز به هذا العصر عن العصور التي قبله والتسمية وان كان يراد بها التنقيص عند أئمة اللغة الذين لا يحتجون بمولد غير عربي سليقة فهي عند نقدة الادباء مما يشعر بالمدح للمعنى الذي أشرنا اليه وعلى كل حال فالعصر الثاني في تاريخ الأدب العربي هو الذي يبدأ بقيام الدولة العباسية وينتهي بعصر النهضة الحديثة وليس ثم موجب قوي لتقسيم هذا العصر الى ثلاثة اقسام لان ما طرأ على اللغة فيه او على الادب من تجدد وإنتاج لم يختص به القسم الاول دون الثاني واما الثالث فقط كان عهد وقوف وهو ذيل لا يعدو ان يكون من تتمة العصر نفسه .
يبقى بعد هذين عصر النهضة الحديثة وهو لا شك عصر نشطت فيه اللغة العربية من عقالها بعد ذلك الجمود الذي لازمها بعد قرنين او ثلاثة من الزمان وتحررت الأفكار وانتشرف المعارف والفنون واطلع ابناء العرب على آداب الامم الأخرى مما لم يتح لهم من قبل حتى في العصر العباسي فتعرفوا الى دنيا جديدة من سحر الشعراء وخيال الكتاب فلم يبق الامر محصورا في توليد معنى ولعب بلفظ ولكنه صار تحليقا في سماء الشعور وهيمانا في اودية الخيال فتلقح الادب العربى بلقاح الآداب الحية واستوعب من الاحاسيس والخلجات النفسية والقلبية ومن الخواطر والالتماعات الفكرية والذهنية ما لم يسبق ان حام حوله اديب عربي ولا عبر عنه معبر بلغة العرب .
ومن العجيب ان هذه اللغة الخالدة التي تتسع اليوم لكل الافكار الحديثة من فلسفية واجتماعية وعلمية وفنية وتؤديها بكل وضوح هي بنفسها لغة عصر السليقة ولغة عصر التوليد السابقين فالاديب العربي في هذا العصر يتغلغل في وصفه اسرار
النفس البشرية ويحلل مشاعرها العميقة حتى ليجسمها تجسيما يوشك ان يلمس باليد ويغوص الى اعماق القلوب يستخلص مكنوناتها الدفين ويجلوها عواطف انسانية تكاد تنمص بالحياة وهو في ذلك كله لا يستعمل الا الكلمات المعهوده والمفردات المعروفة لكل ناطق بالضاد منذ ان فتق الله بها لسان يعرب . فما اشبه طاقة هذه اللغة بطاقة الذرة التي كانت مذخورة فيها حتى قيض الله لها من يكشف سرها هذا العصر . وقد اتسع المجال في الادب العربي الحديث بفضل اتصاله بالآداب العالمية بالاكثر مما ذكر فتكونت فيه مدارس ونشأت مذاهب وينتظر منه ان يؤدي رسالة سامية للامة العربية وللانسانية جمعاء . ولهذا فهو ما زال لم يستوف اغراضه في هذا العصر بل ان عصره هذا لم يزل في مباديه .
ورسالة الادب العربي رسالة سامية يجب الا تقتصر على الاغراض اللفظية ولا على المتعة الذهنية ولا على المعانى الذاتية التي لا يشعر بها الا الاديب المتكلم نفسه ، انها رسالة . ومفهوم هذا اللفظ مما ينبغى الا يعزب على البال فهو مهمة تقتضي الهدم والبناء والعمل الجماعي المؤدي الى الغاية التي ادت اليها رسالة النبيين من قبل غاية تسمع الاذان الصم وتري الاعين العمى وتلامس القلوب الغلف على دعوة الحق التي تنقذ البشرية من ضلالها الحديث كما انقذتها بالامس من ضلالها القديم وانها مقدسة وليس المراد بهذا الوصف معناه الخيالي الذى يبتذله به الحالمون وانما المراد به الاكبار من شأن هذه الرسالة ذات المسؤولية العظمى التي لا يتحملها الا ابطال الكفاح من اجل القيم الانسانية ، فهم المجاهدون الذين يجري مداد اقلامهم بدم الشهداء .
ان واقع العالم العربي بما يصطخب فيه من التيارات الاجتماعية المتدافعة وما يعتوره من الاتجاهات السياسية المتاتية من مسايرته لتلك التيارات هو نفسه اول ما يجعلنا نعتقد ان رسالة العرب لم تؤد كما يجب الى الجمهور العربي حتى تجعله لا يستجيب لدعوة غير متفاعلة مع قوميته العربية مهما كان مصدرها . وهذا يحتم علينا ان نأخذ الامر بجد ومن الجد ان نراجع النصوص الادبية في لغة الضاد لنتخير منها اعادة الاسس التي يمكن ان تدخل في بناء صرح الادب العربي وعلينا ان نعنى باللب
دون القشرة وان يكون اهتمامنا بالمعاني والمقاصد لا بالالفاظ والقوالب فان مما درجنا عليه ان ندرس الادب للمتعة لا للاصلاح به وان نعجب بالصغ الكلامية ولا نجعل لما تتضمنه من دلالات معنوية . وقد كان لنا ان نسقط من الادب العربي كل نص لا يؤدي مهمة في تثقيف فكر او تغذية عاطفة او بعث روح فى شبابنا الطموح . ومن ذلك ادب المجون والاستجداء والحيل اللفظية المسماة بالمحسنات البديعية ، ثم نعوضها بالنصوص القوية التي اهملنا كثيرا منها حتى بقي ادبنا ضاويا يشكو فقر الدم . . . وكما كان تقسيمنا الادبي بحسب الاقاليم والعصور جناية على وحدته كذلك كان اعتبارنا للادب صناعة لفظية وزخرفة كلامية جناية على رسالته فاعظم النصوص الادبية في اللغة العربية وهو القرآن لا يعد في مادة الادب عند كثيرين . . . والطريقة التي ندرس بها هذا النص هي كما تعرفون جميعا تبين الآثار التي تركها في الادب من حيث التعبير والاسلوب فحسب . واما دراسته هو على الاقل كما ندرس ديوان الحماسة او رسائل البديع مثلا فهذا ما لا يهتم به احد . حتى الاجزاء التي كانت تعد ليحفظها الطلبة في المدارس ما زالت تنتقص كل عام الى ان صارت بعض ايات . ولم هذا الحفظ ؟ لقد كان يغنينا عنه المرور بالكتاب العزيز واستشعار روح دعوته التي جعلت من العرب امة تملأ سمع الزمان وبصره . فاين هو هذا الكتاب في ادب العرب الذي يعرض ولو سورة واحدة من القرآن ، ولتكن سورة يوسف مثلا على انها قصة فى نماذج ادبية ؟
ومثل هذا يقال فى الحديث الشريف هذا الكنز الثمين الذى لا يكسبنا بلاغة وثروة كلامية فحسب وانما يكسبنا ثقافة فكرية وخلقية ويزيدنا ايمانا بالقومية العربية التي ادت للانسانية رسالة اصلاحية عزلها النظير . . وتأتي بعد ذلك كتب عديدة في الفقه والكلام والتصوف نبعدها عن حظيرة الادب وهي تحتوي على فصول من اقوى ما كتب في الدفاع عن عقيدة او تقرير حكم او تحليل خاطر نفسي ، الفصل الواحد منها ليفيد في انارة العقل وتلقين الحجة اضعاف ما تفيده كثير من الرسائل المتكلفة والقصائد المزيفة . وتاتى كتب التاريخ والرحلات وفيها من العبر والدروس ما لا يصح للفرد العربي ان يجهله ، لان جهله هو الذي يعينه على هذه الحالة من الرضا والاستسلام .
والخلاصة ان ادبنا لم تكن له رسالة يعنى بها في الدرجة الاولى الا رسالة اقامة الامثلة وشحذ الاذهان فلذلك لم يعن بهذه الآثار القيمة ولم يدرسها دراسة المتعرف لدخائلها . فنحن اذا اردنا ان نجعل من ادبنا ادبا حيا ذا رسالة واحدة قومية فلا بد لنا من اعادة النظر في مواده واصوله وترتيبها على حسب المعانى والمقاصد مجسمين منها ما له دلالة قوية ودعوة اصلاحية وموضحين للأجيال الناشئة اهداف الرسالة الانسانية التي يقوم الادب العربي على حفظها ورعايتها وهداية البشر إلى ما فيها من خير وصلاح .
وثم شيء اخر له اهميته العظمى في اداء رسالة الادب العربى وهو السهولة والوضوح ، فان هذا الادب كاد ان يكون الوحيد من بين آداب العالم الذي بقي بمنأى عن الاوساط العامة والطبقات الشعبية حتى ان بعض الادباء يمتدح بهذا ويسمى ادبه ادب خاصة لا ادب عامة . وليس في نظري سبة تلحق الادب مثل هذه . فيجب العمل على تقريب الشقه ما بين الادب والجمهور ليفهم دعوته ويرتفع عن مستواه الفكري الى المستوى اللائق به كجمهور عربي واع . ولا يقال ان الادب فن والفن يتطلب الجودة فان الجودة فان الجودة لا تنافى السهولة والوضوح ، ولنا فى القرآن والحديث مثل حى على صحة هذا النظر فان ما بقى في الجماهير الاسلامية من تدين وخلق لا مصدر له الا هذان النصان الادبيان الرفيعان .
فهذه كلمة ارجو ان أكون وفقت فيها الى بعض الرأي وهي وان تكن انما تناولت الموضوع من جوانبه فلا جرم أنى لم أكن لاتعمق هذا الموضوع وقد دعيت في الكلام فيه بدون استعداد وعلى عدم الالمام بالاتجاهات الادبية والتيارات الفكرية التي يخضع لها الادب الحديث الاحق بالنقد اذ هو المدعو لحمل راية القومية العربية وقيادة الجمهور العربى تحت ظلها الوريف وكذلك يكون أدبنا قويا . ولست أعنى نفسي بالذات لم يكن لينقذ الادب القومى العربى وأساتذته الكبار وفحولة رجاله هم من الشرق ومن الذين يوجد هذا الادب فى ضيافتهم . وكما قلت صدر هذه الكلمة ان المداولة حول الموضوع وحي باستخراج قرار يحدد الفكرة حوله . فالى المداولة فى النقد والادب العربي والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
