الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 586 الرجوع إلى "الثقافة"

النهضة الأدبية فى العراق :, الندوة العمرية فى الموصل

Share

فى العراق اليوم نهضة أدبية مباركة ، وقد ولدت هذه النهضة ، أو بدأت هذه الحركة ، مع زوال الحرب العالمية الأخيرة ، فقد كانت الحرب الكونية المنصرمة أهم عامل من عوامل بعث هذه الحركة فى العراق ، وذلك بما جرت على البشرية من كوارث ، وما رسمت للحضارة والمدنية من خطط واتجاهات . .

فما إن وضعت هذه الحرب أوزارها ، إلا وظهرت فى العراق نهضة أدبية ذات ثلاثة ألوان ، أو حركة ذات ثلاثة اتجاهات ، أو بيئة ذات ثلاث مدارس ، ولكل من هذه المدارس آراء يعمل القائمون عليها لتبسيطها ، وخطط ينبرى أساتذتها لرسمها وعرضها . .

المدرسة الأولى :

تؤمن هذه المدرسة بالعلم التجريبى ، هذا العلم الذى هو طابع العالم الغربى ، وبما ينبثق من الكهرباء والذرة والهيدروجين ، وما يكتشفه هذا العلم من معارف وآفاق ، وتعمل جاهدة لنقل العراق من آسيا إلى أوربة بدون قيد أو شرط ، وتحث الناس على استمراء كل جديد باعتباره نتاج عقول نيرة ، والإيمان بالعقل باعتباره إلها لا شريك له ، و باعتباره القوة القادرة على اكتشاف قوانين الطبيعة ،

والسيطرة على البيئة وتنظيمها تنظيما رائعا بحيث تكفل الهناءة والسعادة ، وترفع البشرية إلى مستوى الإنسان الأعلى باجتياز نفس المرحلة التى اجتازها الإنسان عندما وضع زميله " الغوريلا " وراءه كما يقول الأستاذ سلامه موسى . .

وشعار هذه المدرسة الكفر بكل قديم ، وإنكار الماضى بعصوره الذهبية ، وتحدى كل فكرة لها صلة ما بالعاطفة والقلب ، وأنه إذا كان فى الفلسفة المثالية - الإغريقية منها والإسلامية - ما يستحق الذكر ، أو يوجب الالتفات إليه ،

فعلى اعتبار أنها مرحلة من مراحل التقدم الذى أوجدته الطبيعة ، واكتشفها العقل ، ولا ينبغى لمواكب الحضارة والمدنية - وهى التى وجدت لتسير دائما إلى الأمام - أن تلتفت إلى الوراء ، أو تستمرئ . فى عهد الطفولة ما يحجب ، أو ينتقص من معجزات الشباب . .

المدرسة الثانية :

هذه المدرسة تعاكس المدرسة الأولى تماما ، فهى تؤمن بظلم الحكام ، وفساد الحكم ، على أنه قضاء الله وقدره ، وأن ليس على ظهر هذا الكوكب " الأرض " بل وحتى فى بقية الكواكب والأفلاك سوى حكم الجبر ، وليس هناك شئ يدعى الاختيار ، وكثيرا ما يتردد على ألسنتهم قول الشاعر الوجودى القديم :

الحكم حكم الجبر والاضطرار

                  ما ثم حكم يقتضيه الاختيار

لو فكر الناظر فيه رأى

             بأنه المختار عن اضطرار

لا تعتب العالم فى كل ما

              يكون فيه من غنى وافتقار

حرت وحار الأمر فى حيرتى

             فليلزم العالم دار القرار

ألا ترى القاضى فى حكمه

              بمقتضى الشرع ، فأين الخيار؟

ولا يكادون يجدون فى الجديد سوى الفساد ، عزوف عن الله ، وتحد لأحكامه وتعاليم رسله ، وبدع توجب المقت والسخط ، وتجلب الويل والشقاء ، ولا يجدون شيئا يجب الاعتداد به سوى الماضى ، ولا أمرا يجب الاعتراز به سوى عصور ذلك الماضى الذهبية ، وكثيرا ما يتردد على لسان هذه المدرسة :

وكل أرض قد وطئنا صعيدها

                غدون رياضا زاهيات زهورها

وأنبتن إحسانا وعدلا وحكمة

               وعلما وفضلا زاخرات بحورها

إلى آخر ما فى مثل هذه الكلمات من تفن وتفاخر ،

وما تحتويه من سحر وروعة ، وزهو وخيلاء

المدرسة الثالثة :

هذه المدرسة تعرف فى العراق الآن بـ " الندوة العمرية فى الموصل " ويتزعمها الأستاذ إبراهيم بك الواعظ ، رئيس الوحدة العدلية فى الموصل ، وهى تخالف المدرسة الأولى فى كثير من الآراء والخطط ، وتخالف المدرسة الثانية فى الميل والاتجاه والتفكير ؛ فهي تجد فى العلم التجريبى علما له روعته وجلاله ، غير أنه علم ينقصه الدين ، والعلم الذى ينقصه الدين ، ويتحكم فيه أناس لهم عقول ، وينقصهم القلب والعاطفة ، ينتج الكهرباء فالذرة والهيدروجين ، ويعمم نوعا من الحضارة والمدنية عرفتها الإنسانية فى هيروشيما وناكزاكى فى الحرب الكونية الأخيرة . .

ويرون فى المدنية الغربية ، تلك التى تزخر بها أوربا وأمريكا الآن ، حضارة لها ما لها من السمو والرفعة ، غير أنها حضارة ومدنية تنقصها الأخلاق والمروءة ، وهما صفتان عرفت بهما الإنسانية منذ فجر التاريخ ، والمدنية التى ينقصها الأخلاق والمروءة ، ويبشر بها أناس تنقصهم المثالية ، توحى

المطامع الاستعمارية ، وتعمل على اشاعة فكرة الاستعباد . وتجعل الأرض الداول ساحات سباق للمباراة الاقتصادية . وتهيئ الإمكانيات اللازمة للمسابقة فى مضمار التسلح . وتمهد لإعلان نيران الحروب والثورات ، كتلك التى نجدها ونفسها فى أطلال أوربا التى تتعق فيها الغربان ، وممرات البلقان ، وسهول آسيا وأفريقا . .

وذاك الذى تنقله لنا الأنباء اللاسلكية ، من أخبار مؤتمرات الغرف المقفلة فى الشرق والغرب ، وما يتمثل أمامنا من خطط وحركات مريبة ، أقل ما يقال فيها : أنها أعمال تهدف إلى زوال الحضارة والمدنية ، ومحو البشرية من سطح الأرض . .

ونرى فى المدرسة الثانية جمودا واتكالا وذلة ، وأعمالا تدعو إلى التخلف عن ركب الحضارة والمدنية الذى لا يعرف التلكؤ ولا الوقوف ، وتهدف إلى إماتة الناس موتا بطيئا ، وأن ينعموا بحياة ذليلة ، لا يملكون فيها إلا التفاخر بالماضى ، وأملأ مشوها فى الحياة الأخرى ، كما يقول الدكتور أحمد أمين بك .

وتعتقد المدرسة الثالثة ، بأن الجمود فى المدرسة الثانية ، ومصدر هذه الكوارث نفر من أدعياء التقوى وأدعياء العلم ؛ فهؤلاء النفر من أشياء العلماء ، كانوا لا يملكون سوى النفاق ، واتخذوه أداة للتقرب من حكام التاريخ المستبدين ، وأرادوا أن يستغلوا فساد الحكم السائد ، فلم يروا من زهيد الناس فى طيبات الحياة ، وصرفهم عن الدنيا وما فيها من خبرات ، وأن يمنوا الناس بحياة أخرى ،

وجنات فيها نعيم مقيم ، وأفهموهم بأن هذه الدار وما فيها من خبرات ، هى لمن زهد فى هذه الدنيا ، وترفع عن خيراتها ، وعزف عن كل ما فيها من مغريات ، وأن هذه الدنيا هى الجسر الموصل إلى الآخرى ، حيث دار القرار ، والخير العميم ، وأن مما روج دعوى هؤلاء النفر ، كون هذه الدعوى هى فى صالح الحاكم

المستبد ، تعينه على ابتلاع الملك ، وتمكنه من الإبقاء على الفساد . .

وأن من يضرب على هذه الوتيرة من علماء الدين المعاصرين ، فإنه لا يملك العيون التى تحدق إلى النور ، ولا يقوى على رفع رأسه والنظر إلى المستقبل ، ولا يقدر على الاستمتاع بطيبات هذه الدار التى أنعم الله بها علي عباده ، وأن بشرا هذا حالهم ، وهذه خططهم ، وفى عصر مثل عصرنا هذا ، لا بد وأنهم مستعدون لملاقاة اليوم الذى يجدون فيه أنفسهم وقد واجهوا : منافع تواجه أحلاما ، وقوى مسلحة تلاقى أوهاما . .

يرى أساتذة المدرسة الثالثة والندوة العمرية فى الموصل " وعلى رأسها زعيمها إبراهيم بك الواعظ ، اقتباس الحضارة الغربية ، ولكن كما اقتبسها المسلمون الأولون من الفرس والروم ، وارتشاف العلوم الجديدة ، ولكن مثلما ارتشفها الأوائل من الإغريق والهند والصين ، أى علينا أن نرتشف ونقتبس ارتشاف واقتباس المعتز بدينه ، المعتد بعقليته . الفخور بقدرته وحاكميته ، وأن نؤمن بأننا ورثنا عن نبينا صلى الله عليه وسلم ، قوى روحية لا يعلمها العالم الغربى . أو فقدها الغرب على الأقل . .

وقد دفع إلى المطابع زعيم هذه المدرسة" الواعظ " عدة كتب ، لاتمت رواجا كبيرا فى العراق ، مما يدل على أن هذه المدرسة ، أو هذا الأستاذ ، شخص الداء ، ووصف الدواء ، وأول هذه الكتب "خريجو مدرسة محمد" بجزئين وقد نفذ المطبوع خلال شهر من صدوره ، وقد اختار المؤلف لهذين الكتابين مادة من التاريخ ، وعرضها عرضا رائعا فيه الاعتزاز بالماضى المجيد ، والنظرة النافذة إلى المستقبل .

قوامها الأمل والثقة والاعتداد . . فقد اختار لمطبوعه رجالا من العرب والمسلمين ، حملوا مشعل الحضارة والمدنية ، واناروا سبل الهداية والسعادة فى مشارق الأرض ومغاربها ، وعمموا العلم والفضل والعدل بين الناس ، وطهروا البشرية من أدران المادية والشرك ، وغرسوا فى قلوبها بذور الرجولة

والمروءة والإحسان ، ونبه القراء إلى تلك الصرخات التى يتردد صداها بمر التاريخ ، لافتا أنظارهم إلى موضع منار المجد الإسلامى المحمدى . .

فقد تطرق إلى سيرة أبطال مثل : على بن أبى طالب ، وأبى ذر الغفارى ، وعمر بن الخطاب ، والزبير بن العوام ، وسعد بن عبادة ، ومعاوية بن أبى سفيان ، وغيرهم ، واستخرج من سيرتهم وسجاياهم ما يجعل المرء يعتز بعصوره الذهبية . اعتزازا يبعث فيه القوة التى تمكنه من النظر إلى المستقبل بثقة ، وتحبب له مواكبة ركب الحضارة والمدنية ، والسير معه إلى الأمام . .

وتعتقد هذه المدرسة بأن الأزمة العراقية الحالية ، هى جزء من أزمة عالمية قد اكتنفت العالم ، وتغلغلت فيه ، وأن هذه الأزمة هى فى صميمها أزمة أخلاقية ، وهكذا . فالعالم أصيب بإخلاقه ، وأطبقت عليه الآفة الخلقية ، وجعلته لا يدرى على أي أرض يقف ، وفى أى اتجاه يسير . .

وليس هناك طريق للأصلاح سوى تقويم الأخلاق ، ولا سبيل إلى تقويم الأخلاق إلا بارتشاف آفاويق الدين ، وهم كما قال شاعر العراق المرحوم الرصافى :

أرى مستقبل الأيام أولى

             بمطمح من يحاول أن يسودا

فما بلغ المقاصد غير ساع

                يردد فى غد نظرا سديدا

فوجه وجه عزمك نحو آت

          ولا تلفت إلى الماضين جيدا

وهل إن كان حاضرنا شقيا

            نود يكون ماضينا سعيدا

فشر العالمين ذوو خمول

             إذا فاخرتهم ذكروا الجدودا

وخير الناس ذو حسب قديم

                أقام لنفسه حسبا جديدا

(موصل - عراق )

اشترك في نشرتنا البريدية