الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 297الرجوع إلى "الثقافة"

النهضة السينمائية فى مصر

Share

السينما هي معرض الحياة القريبة والبعيدة فى جدها وهزلها ، وهي المعلم العالمي الاول الناقل لثقافات الامم من بعضها إلي بعض

إني لا استطيع أن أقدر ساعة أجلسها أمام الشاشة البيضاء فأشاهد الشعوب من مختلف الالوان والاجناس ، وأري رأي العين بلادهم ، وأستعرض عاداتهم ، وأسمع شدوهم وغناءهم ، دون ان أحرك في سبيل ذلك قدما او أركب بحرا

وليس من شك في أن السينما هي العامل الأول في ربط الشعوب بعضها ببعض ؛ وقد لا يمر زمن طويل حتي . نري الامم جميعا وقد اصطبغت بصبغة واحدة ، وتبادلات الأخلاق والعادات ، وأخذت كل واحدة منها بما عند الأخرى ، وان يكون الرسل والسفراء في هذا الشأن سوي شرائط الفلم ، وحسبى للدلالة على هذا ما حدث في اليابان .

كان اليابانيون أمة محافظة على قديمها ، متمسكة بتقاليدها وعاداتها وازيائها ، وكانت تري في تشبثها بطابعها الخاص شعيرة من شعائرها الدينية المقدسة التي لا تقبل فيها جدلا أو مناقشة .

هكذا كانت ، وهكذا بقيت ، حتي جاءها ساحر مسها بعصاه فانتقلت من حال إلى حال ، وتحولت من وضع إلي وضع ، حتى صار امرها عجبا ! ولم يكن ذلك الساحر سوى السينما .

انتشرت دور السينما في ربوع اليابان فأمها الشعوب ، وراي الاهلون كيف يحيا الأوربيون والامريكيون ، وكيف يتعاملون في الحياة وكيف يعيشون ، وماذا يلبسون ، وما هي طرائقهم في الجد والعمل ، أو اللهو والعبث ، وكيف تنشأ الأطفال ويربي الشباب ! رأوا في كل هذا شيئا يختلف عما عندهم ، واعجبهم بعض ما فيه فأخذوا به وسلكوا سنته ، وقلدوهم فيما يفعلون .

في عام ١٩٣٨ وضع المؤلف الفرنسي الذائع الصيت " مسيو فرايا " رواية سينمائية عن حياة " جان دارك " ، ضمنها اعمالها المجيدة ومواقفها الخالدة ، وشجاعتها الفائقة ، ووطنيتها المنقطعة النظير ، ثم ختم القصة بمصرعها الدامي المحزن . . ولكن كيف قدمت إليه المساعدة ؟ وكيف تمكن من إخراج قصته ؟

إنه مؤلف ، ولكن لابد للقصة من مخرج او مخرجين ، فماذا حدث ؟ ومن أولئك الذين خفوا سراعا إلى معاونته ؟

حدث أن انتخب للإشراف على الإخراج لجنة مؤلفة من عظماء فرنسا ورجالاتها الافذاذ ، ووضعت تلك اللجنة تحت رئاسة كردينال باريس " الأسقف ديبوا " ؛ وليس مفكرو فرنسا ورجال الدين هم وحدهم الذين ساهموا في إخراج الرواية ، بل الجيش الفرنسي نفسه ، فقد اشتركت وحدات منه بأمر حكومة باريس في تمثيل الموقعة التي خاضت جان دارك غمارها واصطلت بأوارها .

ثم لابد من أمر آخر لتخرج الرواية طبق ما ورد في بطون التاريخ . . وهل يمكن ان يتم هذا إلا إذا ظهر الملك شارل السابع ، وإلا إذا أقيمت حفلة تتويجه ؟ !

ولم يكن التتويج يتم إلا في الكنيسة ؟ إذن فليذهب الممثلون والممثلات إلي كنيسة رانس " وليقم كل فرد بدوره .

وبديهي ان الجيش ورجال الدين ما قدموا هذه المساعدات ، وما خرجوا على بعض التقاليد استجابة لنداء السينما ، إلا لعلمهم بما لها من مكانة جديرة بالإكبار .

وليس قصة إخراج " جان دارك " هي الوحيدة في التاريخ السينمائي ؛ فها هو ذا " المستر سنول " المخرج الإنجلزي الشهير ، قد أخرج فلما عن بعض الحوادث الحربية التي انتصر فيها البريطانيون في الارض الفرنسية في غضون الحرب العظمي ، فوضع رواية " مدافع لويس "

ثم تقدم إلي الحكومة الإنجليزية يسألها المساعدة . . فأعارته مدافع لويس ، وهي نفس مدافع لويس التي انتصر الحلفاء بها ؛ كما سمحت له حكومة باريس بأن يمثل فريق من الجيش الفرنسي في نفس الأرض الفرنسية التي أحرز البريطانيون النصر فيها . واحسبني في غنية عن القول بأن امثال تلك المساعدات لا تقدم من الحكومات إلا على ضوء ما للسينما من رسالة مهمة يجب ان تؤديها ؛ وها انتم أولاء ترون الدول العظمي ترحب باشتراك أساطيلها وسلاحها الجوي وجيشها البري في كثير من المشاهد السينمائية التي تستدعي هذا الاشتراك ، وفوق هذا فانها لا تلزم الشركات بدفع النفقات .

ها هو ذا الحج ، وهو فريضة على المسلمين من استطاع إليه سبيلا ، كم من الناس كانت تهفو نفوسهم إلى رؤية بيت الله الحرام والطواف بالكعبة الشريفة ، ولكن كانت تقصر بهم السبل وتنقطع الأسباب ، فيقضون العمر وفي نفوسهم لوعة وحسرة ؟ غير ان ريحا طيبة جاءتهم ببعض ما كانوا يتمنون . فإذا بالسينما تقدم لهم مناظر الحجيج وهم يلبون في عرفات ، ويسعون بين الصفا والمروة ، ويسجدون لله ثم حول الكعبة في بيته الحرام .

ولو أن فنا آخر غير فن السينما حاول اقتحام تلك الا ماكن المقدسة ، أو حتي التطلع إليها من بعيد لحيل بينه وبين نفسه التي بين جنبيه

لقد وصف الكتاب وأبدعوا في وصف هذه المشاعر ، ولكن ما راء كمن سمعا ، وما كان للرؤية ان تتحقق  إلا بفضل السينما

وهكذا لم تعد صناعة السينما مقصورة على الأستوديوهات أو القصور والغابات ، بل نفذت إلي الأماكن المقدسة ، والمحاريب الطاهرة ، حيث الصلاة والتسبيح ، وحيث الإنشاد والترتيل .

لم يسمع العالم عن مخترع درج نحو الكمال بمثل السرعة التى سابقت بها السينما الزمان . فمنذ عشرين سنة كانت السينما في دور الطفولة ، وكانت الروايات التي تمثل إما مضحكات أو مغامرات أو غراميات ، وكانت صامتة . وفي غضون سنة ١٩٢٦ عرض في مدينة نيويورك فلم ) دون جوان ( وهو أول فلم ناطق ، حيث كان الصوت ينبعث إذ ذاك من اسطوانات موسيقية .

وفي يوليو سنة ١٩٢٨ ، ورد في إحدي المجلات الأمريكية خبر لم يصدقه الكثيرون ، وهو ان في الولايات المتحدة نحو الف دار للسينما تعد آلات عجيبة لتسجيل الصوت ، وان الذين يترددون عليها سيسمعون اصوات الممثلين كما يرون حركاتهم ؛ ولم تلبث هذه الآحلام أن صارت حقائق يراها ملايين الناس في انحاء الأرض كافة . تلك هي السينما الناطقة التي تتمتع اليوم بمشاهدتها ، والتي جعلت أول جهودها العظيمة إخراج الحوادث التاريخية والقصص والروايات التي وضعها كبار المؤلفين ، فما تركت رواية ممتعة لتولستوي ، أو شارلز دكنز ، أو شكسبير إلا وأخرجت على الشاشة البيضاء .

والآن أنتقل إلي السينما في مصر

للسينما في مصر نهضة نستطيع ان نتحدث عنها بفخر . نعم إن نهضتنا لم تبدأ مع النهضة العالمية ولم تبلغ بعد شأنها ، ولكنها على صغر سنها لم تتأخر كثيرا عن نهضة العالم ، بل لاحقتها بخطى سريعة ؛ وأعتقد أننا عما قريب سنستطيع الوقوف معها على قدم المساواة .

بدأت صناعة السينما عندنا ، أو التمثيل السينمائي بعبارة أدق ، بمحاولات اخفق بعضها ونجح بعضها الآخر ، وظهر منها شئ واختفت اشياء . ففي سنة ١٩١٧ تألفت في مدينة

الإسكندرية شركة لصناعة الأفلام وفقت إلي إخراج فلمين ؛ احدهما اسمه الأزهار الميتة ، والأخر شرف البدوي ؟ وقد عرض الفلمان في أوائل سنة ١٩١٨ بسينما شنتكلير بالإسكندرية

هذا هو ميلاد صناعة السينما في مصر ، وما هي في الحقيقة إلا الطفل الجديد الذي رايناه بعد قليل ينمو ويشب عن الطوق ، ثم يجتاز دور المراهقة ويستوي رجلا قويا كاملا ، وكل هذا بفضل المصريين وذكائهم وأموالهم .

وإذ أشرق عام ١٩١٨ رأينا أحد الأجانب وقد استعان ببعض ممثلي دار السلام بحي سيدنا الحسين على إخراج أفلام سينمائية ، وكان من جملة أولئك الممثلين : حافظ عباس ، وشلبي فوده ، وعلى رأسهم الاستاذ فوزي الجزايرلي حيث أخرجوا فصلا مضحكا اطلقوا عليه اسم مدام لوريتا ، وقد عرض في سينما الكلوب المصري .

وفي سنة ١٩٢١ اشترك فوزي منيب والمرحوم جبران نعوم في تمثيل فصل سينمائي مضحك باسم " الخاتم المسحور  ، وقد عرض في مدينة الإسكندرية . وما وافي عام ١٩٢٣ حتى اشترك الأستاذان على الكسار وأمين صدقي في إظهار فلم من فصلين اسمه ) الخالة الأمريكانية ( .

كانت كل هذه محاولات للتمثيل والسينما في مصر . أي ظهور ممثلين مصريين في افلام سينمائية . أما صناعة السينما على الوجه الصحيح والفلم المصري الطويل الذي يقوم على قصة مصرية مسلسلة الحوادث . فهو على ما أعرف فلم " ليلي " للسيدة عزيزة امير . وكان عرضه في سينما متروبول عام ١٩٣٧ ، ثم اعقبه فلم قلب الصحراء الذي أخرجته شركة لاما .

وفي سنة ١٩٣٨ ظهر فلم غادة الصحراء للسيدة اسيا ،

وقد عرض في سينما متروبول أيضا . وفي نفس هذا العام راينا على الشاشة البيضاء رواية زينب لمخرجها الاستاذ محمد كريم وبعد عام واحد أي في سنة ١٩٣٩ ظهر فلم " بنت النيل " للسيدة عزيزة امير ، وكان عرضه في سينما الكوزمجراف الأمريكاني .

كانت هذه الأفلام صامتة . ومنذ ذلك الحين لم تعد كذلك ، كما انها لم تعد محاولات ، بل اصبحت قصصا كاملة ذات شخصيات ناطقة . وكان أول فلم ناطق هو فلم ) أولاد الذوات ( للأستاذ يوسف وهبي ، ثم فلم انشودة الفؤاد ، ويعد هذا الفلم أول فلم غنائي ناطق . تتابعت بعد ذلك الأفلام المصرية تطول أو تقصر حتى وصلات إلي ما هي عليه الآن

من هذا الإحصاء المقتضب ندرك أن صناعة السينما في مصر كانت اشبه الأشياء بالرجل العصامى الذي كون نفسه بنفسه . وها نحن أولاء نري الفلم المصري على خطوات متقاربة من الفلم الأوربي أو الامريكي . والفضل في ذلك راجع إلى أهل هذه المهنة من المصريين ، فهم أول من حمل المشعل ، ودخل حلبة السباق ؛ وكانت مهمتهم شاقة ، فقد دخلوا السباق متأخرين ، واقتضاهم الواجب أن يكونوا مع السابقين ، وإنهم بإذن الله لواصل

إن مصر كلها ترقب جهود هؤلاء الجنود ، وترجو أن يسيروا على بركة الله ، فيعملوا ويتنافسوا ليسجل التاريخ اسماءهم بحروف من نور ، وسيقول فيما يقول يوم تؤلي أعمالهم ثمارها : " هؤلاء ، هم طليعة ميدان السينما الذين وضعوا الاساس ، وعاونوا على تقويم النهضة المصرية ، ودعموا بناءها ، ورفعوا ذكرها في الخالدين ،

اشترك في نشرتنا البريدية