الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 280الرجوع إلى "الثقافة"

الهجوم على القلعة النازية

Share

يتقدم الربيع بخطى وتيدة ، وينشر - على مألوف عادته - ألوية الجمال والحياة ، في الربوع التي قدر لها أن تتمتع اليوم بنعمة الأمن والسلم . أما في الديار التي يغشاها سحاب الحرب ، فإن الربيع ليس بشير حياة ، ولا رسول جمال ، بل نذير ويل ورسول عذاب . واليوم - وقد قطع ربيعنا هذا نصف المرحلة التى تسلمه إلي الصيف - تتجه الأنظار والخواطر إلى الحرب الرائعة المرعبة ، والكوارث الهائلة المفظعة ، التى توشك أن تنزل بسكان القارة الأوربية.

لقد قيل عن النازيين - في العهد الأول من هذه الحرب - إنهم قطعوا علي أنفسهم عهدا ألا يقاتلوا في ميدانين في وقت واحد - وألا يرتكبوا تلك الغلطة التي اقترفوها في تلك الحرب العالمية الماضية ، والتي كانت - في نظرهم - سبب إخفاقهم ، وهي محاولة

القتال في الشرق والغرب ضد قوتين عظيمتين . كذلك كان من الأسباب التي يعزون إليها إخفاقهم في المرة الأولى أنهم اضطروا أمريكا لأن تنضم إلي أعدائهم . وطالما ردد كتابهم أن إقحام أمريكا في الحرب كان غلطا كبيرا ، لم يكن هنالك ما يدعو إليه .

ولهذا قيل غير مرة إن ألمانيا قد عقدت العزم على ألا تحارب في ميدانين في وقت واحد ، أو تقحم أمريكا من غير مبرر . ودبر النازيون أمرهم ، وحسبوا حسابهم ، وقدروا تقديرهم ، كي يجتنبوا الأخطاء ، التى وقعوا فيها في الحرب الأولي ، والتي كانت سببا في إخفاقهم ولكن الحرب سارت في غير الطريق التي أرادها النازيون ، وأخطأ حسابهم الذي حسبوه ، وتقديرهم الذي قدروه . خطأ شنيعا ، ومن سخرية المقادير أنهم - هم أنفسهم - الذين سعوا إلي ما كانوا يريدون اجتنابه ؛ واندفعوا نحو

الهوة التى كانوا يريدون الابتعاد عنها . ذلك أن الحساب الأول والتقدير الذي قدروه وقت دخول الحرب كان تقدير من لم يخط بالحرب بعد خطوات ؛ تقدير من يسوق الحرب أمامه ، ويدفعها بين يديه ، فيستطيع أن يوجهها كيف يشاء . ولكن هذه المرحلة سريعة الزوال ، فإن الحرب لا تلبث أن تثار حتى تغدو هي القوة المسيطرة المهيمنة ، وهي التي تدفع قادتها وساقتها في الطريق التي تريده وتختاره . فلئن كانت الحرب أداة في أيديهم بالأمس فإنهم اليوم آلة في يدها الجهنمية ، تدفعهم وتزجيهم ، وتوجههم أينما شاءت ، وتفتح عليهم أبوابا قدروا أنها ستظل مغلقه وطريقة الحرب في هذا أنها تحيل عقول قادتها وأفئدتهم ، وتبدل من أنفسهم ، وتخرجها كل ساعة من طور إلي طور . فهم اليوم غير ما كانوا بالأمس ، وهم غدا غيرهم اليوم . وقد يكون الأفراد - بحسب أسمائهم وشخوصهم - هم هم لم يتغيروا ولم يتبدلوا ، ولكن الحرب قد بدلت من أنفسهم وأفئدتهم ، وقلوبهم وأكبادهم ، فإذا أعمالهم اليوم تناقض أقوالهم وأعمالهم بالأمس .

تلك حقيقة ما أجدرنا - حتى نحن سكان مصر والعالم العربي - أن تذكرها ، وأن نحسب لها حسابها في مختلف الأزمات والمناسبات ، فإن للحرب عقلا غريبا ، يخالف ما ألفناه وعرفناه . وقد كان من جراء هذه الأطوار الجديدة ، أن أصبحت ألمانيا مضطرة إلي الحرب في جبهات عديدة .

خطب زعيم روسيا ، في اليوم الأول من هذا الشهر ، فأشار إلى ما قامت به دولته من تحرير الأراضي الروسية ، وإخراج العدو منها ، وإلى المساعدات العظيمة التي قدمتها الدول الغربية لروسيا ، بإمدادها بالزاد والذخيرة والعتاد ؛ وحبس عدد كبير من الفرق الألمانية في إيطاليا وغربي

أوروبا ؛ وإلي الواجب الكبير الذي لابد من الاضطلاع به ، والعبء الضخم الذي لابد من النهوض به ؛ وهو تحرير الأقطار الأخرى التى احتلها الألمان وأخضعوها لسلطانهم ، ثم أعلن في صراحة وجلاء ، أن هذا العمل الضخم لابد لنجاحه من جهود تبذلها روسيا من جانبها ، والدول الغربية من الجانب الآخر ؛ وأن نجاح هذا العمل مرهون بهذا التضامن ، وبهذا التوحيد في الجهود .

ولعل هذه هي المرة الأولى ، التي نسمع فيها من زعيم مسئول بتقسيم الحرب على ألمانيا إلي مرحلتين : الأولى تحرير روسيا ، والثانية تحرير الأقطار الأخرى الخاضعة لألمانيا . والأمر الأول قد اضطلعت به روسيا وحدها ، وقامت به من غير شك قياما يبعث على رضا الخلفاء . ولئن كان هنالك إلي اليوم جهات في روسيا لم تحرر بعد من الاحتلال الألماني ، فإنها قليلة المساحة ، قليلة الخطر ؛ ويعوض عن هذا أن جهات أخري عديدة خارج روسيا ، قد انتزعت من أيدي الجيوش النازية ، ذلك العمل الطويل الشاق ، قد اضطلعت به الفرق الروسية ، وأتمته في حرب طويلة الأمد ، بدأت بمحاصرة الألمان في ستالينجراد في نوفمبر سنة ١٩٤٢ ، وانتهت في الشهر الماضي بتحرير أودسا وشبه جزيرة القرم ، - عدا سياستوبول - أي أنها استمرت ، من غير انقطاع تقريبا - سبعة عشر شهرا ، لا تتوقف صيفا أو شتاء ، ولا يعوقها ثلج ولا مطر ، ولا رياح وزوابع

ولئن كان من المعقول أن تنهض روسيا وحدها بتحرير الأقطار الروسية ، فإن من الإسراف أن ينتظر منها أن تمضي وحدها بعد ذلك في محاربة الألمان من أجل تحرير الأقطار غير الروسية ، وإتمام هزيمة النازيين . لهذا كان المنتظر أن تكون المرحلة الثانية من حرب ألمانيا عملا مشتركا ، تتعدد فيه الميادين ، ويتناول الهجوم على

" القلعة النازية " من أطرافها المختلفة ، لا من  جانب واحد .

على أن تحرير الأقطار الخاضعة لألمانيا ، ليس بالغرض الرئيسي الذي ترمي إليه الدول المتحدة ، وإنما هو نتيجة لتحقيق الغرض الأصلي الذي ينشدونه ، وهو هزيمة الجيوش الألمانية . وقد كان من الجائز أن تنتهي الحرب في روسيا من غير حاجة إلي إثارتها في أي ميدان آخر ، لو أنه أمكن أن نهزم الجيوش الألمانية هزيمة تامة في الميدان الشرقي ، ولكن القوات النازية لا يمكن أن يقال إنها انهزمت ، وبرغم فقدان وحدات عظيمة الخطر ، مثل الجيش المحاصر في ستالينجراد ، وغيره من الوحدات التي حوصرت في " جيوب " صغيرة أثناء التراجع نحو الغرب والجنوب ، فإن الجيش الألماني لا يزال - كما يذكرنا بذلك أعداء الألمان أنفسهم - قوة حربية عظيمة الخطر ، بالرغم من تقهقره مسافة تزيد على الألف ميل وإذا صح تشبيه الزعيم الروسي لألمانيا النازية بأنها كالوحش الجريح ، الذي لابد من تعقبه إلي جحره ، فلا شك أن الجرح ليس بليغا ، والتغلب على هذا " الوحش " لن يكون من الأمور السهلة التي تقدم عليها الدول في خفة وقلة اكتراث

إن قول زعيم روسيا ، بأن على بريطانيا وأمريكا أن تهاجم ألمانيا من الغرب ، في الوقت الذي تهاجمها روسيا من الشرق ، ليس معناه أن فتح الميدان الغربي أمر لم يتقرر بعد ، وإنما يجب أن بعد ذلك القول بمثابة إعلان بأن ذلك الحادث وشيك الوقوع ولقد قيل لنا من قبل إن إضراب عمال الفحم في بريطانيا فترة من الزمن قد أخر موعد الغزو المنتظر ، ولكن هذا أيضا قول يجب ألا ننظر إليه نظرة جدية . ولعل القول الجد هو ما أدلى به رئيس الحكومة البريطانية في خطاب منذ بضعة أسابيع ، من أن أعمالا حربية عظيمة ، تتناول القوات البرية والبحرية والجوية ،

وشيكة الوقوع وسيكون في خلال تلك الأعمال هجمات إبهامية تربك العدو وتضطرب لها قواته وقد لا يراد بهذه الهجمات الإبهامية أن تستمر وتتسع ، وإنما الغرض منها لفت العدو وصرفه عن المكان أو الجبهات الحقيقية ، التي يراد المضي فيها

ذلك ما فهمناه مما صرح به رئيس الحكومة البريطانية . وكأنا قد فهمنا من كلامه أيضا أن ذلك الميدان - وإن لم يقل هذا صراحة - سيكون في غربي أوربا . كذلك لم يذكر في خطابه شيئا - وما كان له أن يذكر شيئا - عن موعد فتح ذلك الميدان ولكن لعل الألمان أنفسهم قد أعطونا عن هذا أمثلة نقيس عليها . ذلك أن من البديهي أن مثل هذا العمل الهائل يجب أن يبدأ مبكرا ، لكي يكون احتمال النجاح فيه أكبر ، ولكي تنتهز فرصة الأيام الطويلة والهواء الدافىء ، الذي يسود غربي أوربا الآن . وقد هجم الألمان هجومهم المعروف على هولنده وبلجيكا ولكسمبرج في اليوم العاشر من شهر مايو سنة ١٩٤٠ في الساعة الثالثة صباحا . ولا شك أن الألمان قد اختاروا موعد هجومهم لكي يتفق مع جميع الظروف الطبيعية التي تلائم الغزو . ولكن غزو الخلفاء يختلف بأنه يشتمل على عمليات بحرية برية في آن واحد ، وللحالة الجوية فيها شأن أعظم مما كان للغزو الألماني في مايو سنة ١٩٤٠ . ولكن لا شك أن من المعقول أن يكون الموعدان متشابهان إلي حد ما . وقد يفترض بأن الألمان سبق لهم أن هاجموا اسكندناوه في التاسع من أبريل ، وأنه كان في وسع الحلفاء أن يبدأوا الغزو في أبريل ، ولكن الهجوم على اسكندناوه كان عملا فجائيا من دولة قوية على دولة ضعيفة لم تكن تتوقع هجوما ولا غزوا ؛ وكان من أهم أسباب نجاحه وجود أشخاص في اسكندناوه بذلوا للقوات الألمانية مساعدات

عظيمة ، ومهدوا لها سبيل النجاح .

أما في الميدان الغربي اليوم فقد أقام الألمان حصونا واستحكامات عديدة ، تتناول ، فيما يقال ، كل ميل من الشواطئ ، ومن الأراضي الواقعة وراء الشواطئ ، ولاشك أن في هذا النظام تشتيتا للقوات التى كان يجب أن تركز في مكان الغزو ، لو أن الألمان استطاعوا أن يعرفوا المكان الذي سيحدث منه الغزو . وسيتوقف نجاح الخلفاء إلي حد ما علي مبلغ علمهم بتوزيع هذه الاستحكامات ، ودرجة قوتها ومتعتها ؛ فمن الجائز المقبول عقلا ، أنها تختلف من مكان لمكان . وقد أتيحت للبريطانيين والأمريكان فرص لأن يسيروا غور هذه الحصون ، وأن يلموا بالكثير من أسرارها بفضل الغارات الكثيرة التي قاموا بها ، وبعضها ضخم كبير قد سمعنا به مثل غارة دباب في شهر أغسطس سنة ١٩٤٢ ، ولكن أكثرها - ولعله أهمها - غارات صغيرة محدودة التي لا نسمع بها ، ولا يحسها أحد سوي القائمين بها .

ولقد قيل إن لدى الألمان أسلحة سرية خطيرة قد أدخروها خصيصا لكي يدرأوا بها الهجوم علي السواحل الغربية . ويكون من العجيب حقا أن تكون لدي الألمان تلك الأسلحة ، ثم يبخلون بها علي جيوشهم المتراجعة في شرقي أوربا ، التي لم تزل تتقهقر حتى مكنت الجيوش الروسية من أن تهدد بغزو رومانيا وبالاستيلاء علي منابع البترول ذات القيمة العظيمة. لهذا كان الراجح أن الأسلحة السرية لن تكون هي العامل الذي يقرر نتيجة الحرب في الميدان الجديد ، بل العمليات الحربية نفسها . ولاشك أن الألمان يتمتعون بحرية استيلائهم على الشواطئ ، وبطرقهم البرية لإمداد المحاربين ، وبطول استمدادهم واستحكاماتهم الحصينة . ولكن للحلفاء أيضا ميزات ، منها تفوقهم الجوي ، الذي سيمكن من رجحان كفتهم

في الجو وقت نزول الجنود ؛ ومنها طول الاستعداد والمران ، ومنها أنهم وحدهم سيختارون المكان الذي يهجمون منه ؛ وهم وحدهم يعرفون ذلك المكان ويستطيعون أن يركزو فيه قواتهم - وذلك بعد أن يقوموا بهجمات إبهامية في أمكنة أخرى لتشتيت قوات العدو .

وقد يكون هنالك زحف آخر من ميادين أخري ؛ والميدان الإيطالي لم يعده الزعيم الروسي ، في إحدي خطبه ، هو الميدان الجديد الذي دعا إليه ؛ وذلك لأنه لا يشغل من القوات الألمانية سوي شطر يسير . ولكنه مع ذلك ميدان ثانوي عظيم الخطر ، لأن فقد إيطاليا الشمالية يحرم ألمانيا مزايا اقتصادية وحربية كبيرة . ومن الجائز أن تنشأ ميادين ثانوية أخري في جنوبي أوربا ، وسيكون لهذه كلها أثرها في الحرب . ولكن القتال الرئيسى سيظل دائما في الميدان الشرقي والميدان الغربي الجديد لأن الميادين البعيدة لا تتمتع بتلك الإمدادات العاجلة ، والحماية الجوية والبحرية المركزة في الجزر البريطانية ، والتي لا يمكن أن تؤثر أثرها إلا في ميدان مجاور لبريطانيا.

وقد خيم الهدوء طويلا علي الميدان الشرقي ، مع أن موقف القوات الألمانية فيه قد ضعف كثيرا عما كان عليه، وبديهي أن هذا الهدوء يراد به تجديد قوة الهجوم الروسي بعد المجهود الهائل الذي بذله . وربما أريد به أيضا أن يتحدد نشاطه في وقت محدود قد اتفقت عليه الدول المتحدة ، بحيث يكون الغزو في الغرب مصحوبا بالغزو من الشرق .

لقد علمتنا هذه الحرب ألا نسرف في التكهن ؛ ومع ذلك فإن من الصعب أن يتصور المرء كيف تستطيع القلعة النازية أن تثبت طويلا أمام هجمات صادقة تشن عليها من الشرق والغرب والجنوب في آن واحد . !!

اشترك في نشرتنا البريدية