الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 411الرجوع إلى "الثقافة"

الهمس فى الأدب و الفن

Share

يقصدون  بإلأدب الهامس كل حديث عاطفى له قدر من جمال التصوير ، يخاطب النفس فى أناة ولين ، وبطبع فيها صورا وانية  شاحبة لا تخلو من حياة وقوة . وهو أشبه إذا بوحى الحديث تستقبله الأذن فى وفى وخفوت ، كما تستقبل النفس هذا النوع من الأدب هامسا وانيا ، يحمل فى خلاله معانى من اللوعة والانكسار.

ويبدو أن الهمس كما يكون فى الأدب ، كذلك يكون فى الفن . ولو بحثنا قليلا لرأينا ان الطبيعة نفسها تهمس تارة وتجهر اخرى ، فهى تقدم لنا صورا شاحية هامسة متكسرة ، وأخرى قوية جهيرة ؛ فالأدب والفن والطبيعة تنتقل ثلاثتها بين معنى حالم منكسر حزين ، واخر قوى يمتاز بالجهارة واليقظة والنشاط.

ومن الواجب أولا أن نعرف حقيقة الأدب والفن ؛ فإن الناس - حتى المثقفين منهم - يكادون يجمعون بينهما ، ولا يفرقون فى صورة صريحة بينهما في الدراسة الأدبية . وفى الحديث عن الأدب والفن يجب ان نستوحى المعانى من أعماق النفس وهواتف الفطرة ، لأنهما - حتى ولو خضما للصنعة والرياضة أحيانا - خير ما نعتمد عليه في هذا الباب ، لعصمتهما من أخطاء الفكر.

يلتقى الأدب والفن فى التصوير الجمالى ، حتى ولو كانت العاطفة المصورة غير جميلة ؛ فالهجاء باعثه عاطفة لا توصف بالجمال إذا كان عمادها الحقد أو الأنتقام ؛ ولكنه مع ذلك قد يكون جميلا يرضى القارئ من الناحية الفنية ، فمدار الجمال على التصوير لا على العاطفة الباعثة.

هذا العنصر الجمالى في التصوير هو الذي يؤلف بين الأدب والفن ، فإذا أتخذ طريق الجارحة فقط فهو الفن وحده : فالمقال والموسيقار والرسام فنانون وليسوا بأدباء ، لان الناحية الجمالية فيما يقدمون لنا يعتمدون في تصويرها.

على الجارحة التى توجهها الملكات الفنية فى نفوسهم.

وإذا أتخذ التصوير طريق اللغة واقترن بالخيال والتهويل فى الصورة واعتمد على العاطفة ، فهو الشعر - ولو منثورا ، وهو ادب وفن معا . وإن نجرد جوهره الأصلى للحقيقة وألم بالحلية والوشى لماما ، فهى الكتابة وهى أدب فقط حتى ولو كانت فنية.

ومع هذا فمن اليسور أن نسعى للمثال والموسيقار والرسام أدبيا ، إذا اعتبرنا أن هذه الأنامل التى يعتمدون عليها فى إظهار فنونهم هى جوارح مثقفة ( مؤدية ) ، عذبتها ملكاتهم الفنية ، وأخذتها بالرياضة والتهذيب حتى استجابت لما توحى ، العاطفة.

وقد تستطيع أن تريح نفسك من هذا التقسيم المتعب - الذى لا يتفق وسماحة الآداب والفنون - لتعرف أن الفن ليس شعورا فقط ، ولكنه شعور وتصوير ممتاز يقترن حتما بالعنصر الجمالى ، ويستحق لهذا أن نحتفى له ، وأن تقدم إليه قدرا من الإعجاب .

الفن بلاغة موجزة ، يقترن فيها الإعجاز بالإيجاز ، وتنعقد العبقرية بالتلويح لا التصريح ، وحسب الفن ان بوميء ويشير ، وعلى الروح ان نسبح فى هذا الضوء اليسير لتدرك الهدف.

ليس الإسهاب أو التصريح من أدوات الفنون ، وإنما الإيجاز والإشارة . وهذا الإيماء - وإن شئت قسمه الإيضاح الناقص - هو الحد الفاصل بين الفن والعلم ، ليترك هذا النقص مجالا للنفس فى إنمامه . ومن هنا تختلف وجهات النظر فى مناقشة الفنون . ولكنها تلتقى حتما عند غاياتها وأهدافها ، وليس كذلك العلوم ، فقضاياها كاملة غير ناقصة ، وواضحة لا غموض فيها ، وإجماعية تقريبا لا يختلف فيها تناول العقول.

قلت إن الفن والطبيعة يقدمان إلينا صورا هامسة وانية ، وأخرى جهيرة نشيطة : قصورة الغروب والألحان

الساهرة الحزينة ، ومواقف الضراعة فى التمثيل ، هى ألوان من الفن المهموس . وصور الحفلات الراقصة ، والمعارك الحربية ، وتماثيل الزعماء فى المواقف الحماسية ، والألحان الوطنية والعسكرية ، هى أنواع من الفن الجهير . والشروق فى صفائه وجماله ، والغروب فى شحوبه ، والخريف فى حزنه وانكساره ، والليل فى سكونه وجلاله ، هى ألوان من الطبيعة الهامسة.

والأعاصير والبرق وجريان السيول إلى الأنهار ، واصطخاب الأمواج ، وغوارب الجبال ومناكبها - جميع هذه حديث الطبيعة الطبيعة الجهير ، حتى الربيع - هذا الذى بصفونه بالدعة والدمائة - ليس من الطبيعة الهامسة ، لأن مرح الطيور ، وإيراق الشجر ، وتفتح الاكمام - هى صور الطبيعة الجهيرة النشطة.

ويظهر ان الهمس والجهارة عملان أساسيان من أعمال الطبيعة ، فهى هادئة أو فاترة ، فاترة أو نشيطة. وعلى هذا الأسلوب يجرى الفن فى أثرها ، لأن الفن فى الحقيقة طبيعة مصنوعة - أو طبيعة غير ذات حياة كاملة - ولكنه يضفى على هذه الحياة من عبقريته وإهامه حياة أخرى تعوضها ما فاتها من الحس والحركة.

فإذا كانت الطبيعة قد اختصت بالنبض أو النمو ، أو غيرهما من مظاهر الحياة العميقة ؛ فإن الفن يتدارك هذا النقص عنده عن طريق التجريد الجسدى ، أو البالغة والتهويل فى الألوان والظلال ، ليشغل الناظر هما فقده من حياة حقيقة.

وإذا شاهدت تماثيل الإغريق أدركت أن الفن قد سبق الطبيعة - ولا أقول بفضلها - فقد حشد الفنانون لهذه التماثيل فنونا من التجويد تضمن يمثله الطبيعة ، ونشدوا لها الكمال فى الحسد والإيحاء ، كل هذا ليعوضوا ما فاتها من الحياة النابضة.

وليس من الصواب كما يقول بعض الباحثين أن

مثالى الإغريق بهذا التجويد والإغراق فيه كأنهم يقولون للطبيعة : " أنظرى كان يجب أن تكونى هكذا " ليس هذا صوابا فإن الفن مهما أسرف فى الغرور ، يعرف قدر نفسه إلى جانب الطبيعة ، وهو أربأ ذاته أن يسخر منها على هذا النحو - وهو يعرف أنها الطبيعة الحية ، وهو الطبيعة الخرساء - ولكنه أدرك أنه حين يطلب لنفسه الحياة بمعناها الكامل إنما يحاول عبثا ، فحاول أن يسد هذا النقص أو يكمله بالتجويد فى الجسد ، واستدعاء أقصى خواطر الإيحاء.

ولا يعيب الطبيعة أن يسبقها الفن فى التجويد الجسدى ، لأنه فى الحقيقة ليس تجويدا على إطلاقه ، ولكنه مجويد مكذوب ؛ فإن زعم الفن انه صادق فيه وله ظل من الواقع فليرنا مثاله الذى احتذاء فى الطبيعة ، وسار على نهجه ، لأن الطبيعة أستاذه الأول . وما أظنه بعثر على هذا المثال.

هو تجويد غير ذى حقيقة ، والطبيعة مهما أسرفت في الفتنة ، واصطنعت لنفسها فنونا من الجمال والزخرف - لا ننسى هى أبدا أنها حقيقة ، وأن هذه الحقيقة يجب ألا تبالغ فى استخدام الزينة ، ويجب ان تضيف إلى نفسها قدرا معقولا من التجميل والتجويد ، وألا تغرق فيهما فتصير خيالا.

قدم رسام إنجايزى صورة الغروب إلى صديق له ليقول رأيه فيها ، فقال الصديق : ولكنها ليست صورة الغروب ، ألا ترى أنك أسرفت فى الألوان والوشى ؟ فأجاب الرسام : ولكن ألا تحب أن يتاح لك غروب كذلك ؟ وهذا يثبت أن العين تطلب أكثر من الطبيعة ، ولكنه نهم يجب ألا تدعها تسترسل فيه ، فإن الحرمان من هذا القدر هو سر شففها بما ترى ، وتملقها بهذا القدر هو رصيد الشوق الذى تعتمد عليه مظاهر الجمال فى النفوس.

قلت إن الأدب المهموس يمتاز بالوتى والخفوت ، ويسرى منه إلى النفس أضواء هامسة حزينة. وقد عرف

بهذا اللون أداء المهجر فى أمريكا من أبناء القطر الشقيق . ومما نجب الإشارة إليه - منذ الآن - أن هذا اللون من الأدب يبدو متماسكا قويا ، حتى ولو لم يفارقه الحنان والهمس ، ويبدو عربيا له جرص ، ولكنه خافت يسرى إلى الأذن والنفس مشيا وثيدا.

- إذا أردنا أن نعرف أسباب الهمس فى هذا النوع من الأدب ، وكيف شاع فيه هذا الونى والحنان - وجب ان تدرس نفس الأديب قبل الهجرة وبعدها ، وان تؤلف وبين الشتيت من حياتيه فى الشرق والغرب . فقد نظفر بأسباب لها أثرها فى تكوين أدبه ، ورسمة بهذا الطابع.

والأديب رجل مرهف الشعور ، مقطور على رباضة الجمال ، وتصوره بلغته. فهل فى بيئة لبنان - التى تأثر بها الأديب فى صدر حياته - ما يذكر هذه العاطفة ؟ لقد أجاب على هذا جبران خليل جيران : " الربيع جميل فى كل مكان ، ولكنه أكثر من جميل فى سورية ولبنان "

وانتقل الشاعر من وطنه إلى المهجر ، وهو يحمل هذه النفس الشاعرة التى أرهفها جمال البيئة . وإلى هنا يجب أن يكون أدبه رقيقا جميلا ، ويجب أن يكون موضوعا بالبشر ، مشرقا بالأمل . فما الذى جد في حياته حتى شاع في أدبه همس وخفوت ، يكشف من قريب او بعيد عن هذه اللوعة الشاكية!

إنها إذا لوعة الاغتراب ، وحنين من فارق الأهلى والوطن ، قد مس شغاف قلبه ، وأنضج على تاره نفسه الشاعرة ، فأرسل أدبا ملتايا كنفسه موسوما بالرفق والحنان الهامس المنكسر . وما الداعى لأن رفع صوته بالغناء فى هذه الوحدة المنقطعة ، وليس معه من رفيق يسمع له؟ فليرسلها نغمات هادئة وانية هامسة فيها أثر لوعة المغترب.

وما ظنك بأديب فارق وطنه فى فجر العمر أو ضحاه ، هذه الفترة التى تزدحم فيها الأحلام والآمال والذكريات والدموع ؟ لا أظن انه يحمل فى صدره جميع قلبه ، فإن

ذلك غير خليق بالشباب والاغتراب . ومن اليقين أنه ترك بعضه فى وطنه ، وان هذا الطائر الذى يخفف فى جوائحه على شاطئ المحيط هو طائر ذو جناح واحد ، أما الجناح الآخر فضطرب بخفق فى ربوة لبنان أو شاطئ بحر الروم.

وهل تعرف أن هذا الأديب حين فارق وطنه لم يكن من ذوى اليسار والنعمة ، وانه لم يذهب إلى المهجر لاهيا متفرجا ، وإنما سافر ليضرب فى الأرض ، وليطلب أسباب الرزق ! إنه الكد إذا ، والسعى فى كل سبيل ، وعدته في ذلك عقل بلتمس الحيلة ، وجسم مظلوم يأتمر بأمره ، فهو أبدا ساع مضطرب فى الأرض بسهد ويجوع ، ويحتمل لذلك أسبابا تورثه الضبى والشحوب ، وكل ذلك برهف حسه ويثير كوامن الألم فى نفسه ، وهوحين يكتب لا يستمد هذا الوتى والهمس من نفسه فقط ، ولكنه الجسد الجاهد المطلوب بثأر الطموح والأمل بمد هذه النفس بألوان اخري من الوجد والحنين والألم . فإذا خلت نفسه من نصب الحياة حينا فإنما هو الفناء الهامس المنكسر الحزين .

ولعل الأديب فى وطنه وبين أهل لا يستطيع ان يرى بوضوح منزلة أمته السياسية بين الأمر ، ولايهيأ له أن يعرف جيدا حظها من السيادة والاستقلال ؛ ذلك لأن له من الأنس بأهل وخلصائه ما يشغل كثيرا او قليلا عن هذه اللفتة ، وما يجعله يشعر بأن الحرية فى وطنه مكفولة ، وما يفوت الوطن من مظاهر الحرية والاستقلال ما دام بنوه يمرحون ويلهون ، دون ان يدفعوا عن هذا الرح واللهو ، ودون أن يصادفهم فى الحياة ما يعكر صفوها ؟ والناظر إلى الصورة لا يراها جيدا إذا لم تكن هناك مسافة بينهما تكفل لعينه الاستيضاح والغريث وكشف الدقيق من أجزائها ، وهو كلما بعد عن وطنه زادت هذه الأجزاء وضوحا . وأخذ يقارن بين صورة هذا الوطن من حيث الوضع السياسي وبين البلاد التى نزح إليها ، ولعله واجد بينهما فرقا بعيدا بترك فى نفسه ألوانا من الإحساس

العميق ، أقلها الإشفاق والوجد والطموح المضطرب بين الأمل والبأس ، ثم الموجدة الدفينة على هؤلاء الذين يملكون - لغير سبب شرعى - مصاير الشعوب ، فيهبونها الحرية التى ولدتها الطبيعة معها كما يأخذ الطائر الماء حسوا لا يبلغ الرى ، ولا يطفئ غلة الظمأ.

وسيجد هذا المغترب فى هذا الشعور حملا آخر يضيفه إلى أحمال نفسه المرهقة ، وتنشعب هذه النفس بين ذاته ووطنه وفى كل منهما ما يكفى لإنتاج أدب يشيع فيه الحزن والهمس والإنكسار جميعا.

ماذا تنتظر بعد هذا ؟ نفس شاعرة بطبيعتها قد أرهقتها البيئة منذ حياتها الأولى ، وحنين مضطرم الشوق نزاع إلى وطنه ، وفؤاد عمره الحب وأذكى ناره الاغتراب ، وسعى دائم موصول منهك فى سبيل الحياة ، ونفس يعذبها الشك ويضليها القلق حين لا تستطيع أن تجلو غياهب هذه الرحلة أو تكشف مصيرها ، وهل سيكتب لها التوفيق أو الإخفاق ؟ ورجاء يملأ صدره ، ولا يخلو من حزن فى نهوض وطنه وأخذه مكانته كأمة يقدر أبناؤها معنى الوطن.

شاعرية واغتراب وحب وسعى وخوف وطموح. ألوان مختلفة من الشعور الشعب فيها صدر الغريب بين ذاته ووطنه ، وكلها ألوان من الوقود صالحة للاشتعال ، أفلا يكون أدبه بعد هذا ساهما هامسا حزينا ملتاعا؟

ومع أن الأسباب التى أحدثت هذا النوع من الأدب كلها هكذا عاطفة ملناعة ، وشيء اشبه بالحزن وليس به - فانها لم تخرج من نطاق الأدب العربى - لا من حيث الجهارة والرنين ، ولكن من حيث التماسك الذى يحول بينه وبين الضعف ، وغاية ما يقال فى هذا الأدب انه رقيق واجد ملناع ، ولا يمكن بحال أن يكون ضعيفا.

ومع أن منطقة الرقة فى الأدب قريبة جدا من منطقة الضعف، فإن الناقد البصير يرى أن الأدب المهموس لا يمكن أن يكون ضعيفا ، لأن الرقة التى يخشى معها الضعف هى

التى أحدثها الترف وابن الحياة. لا التى أحدثها مثل هذه المواطف العالية التى تحمل فى ذاتها أسباب القوة ، وتطوى فى كيانها روح النهوض.

ومن أين له الترف؟ إن المغترب الذى يعذبه الحنين إلى وطنه لا يكون بحال مترقا - حتى ولو حشدت له أسباب الثراء والنعمة؛ ولهذا السبب رأينا أن الشعر الأندلسى الرقيق قد أصابه الوهن والأنحلال حين أسرف في الرقة ، لا لأن الترف وحده هو الذى أحدث هذا ، ولكن لأنه صادف ظرفا صالحا لنموه والإغراق فيه ، هو فراغ الأديب وتوفره على هذا الترف . وشيء آخر أهم من هذا وهو شعوره بالهدوء النفسى والقرار والدعة لأنه فى وطنه ، وهو شعور لا يثير العاطفة فى مكامنها الإنسانية الرفيعة ولا يهز الوجدان إلا لنواحى الحياة الترفة اللينة الوديعة ، وسيسري هذا اللين والترف حتما إلى أداة التصوير عند الأديب ؛ فإذا أسرف فيهما فهما الضعف والانحلال أخيرا. أما العوامل التى تأثر بها أدب المهجر فهى وإن كانت تنزع بطبيعتها إلى الألم الدفين والحزن العميق الذي يؤثر الصمت والعزلة ويدفع إلى نوع من الزهادة والانطواء على النفس

لقد كانت مثارا لكل معنى إنسانى رفيع ، ولم يتأثر بها الأسلوب إلا فى هدوء الجرس وضآلة الإشراق والبريق . والجرس وإشراق الديباجة - مهما قيل فيهما - لا يتصلان بالنفس ، ولا يعبران عن عاطفة ، ولكنهما نوع من اللهو واللعب ، ولن يضير هذا الأدب انطفاء ديباجته وخفوت جرسه أو انعدامه ما دام يحمل اسمى ألوان العاطفة من الحب ، والحنين إلى الوطن ، والبكاء له إذا نزلت به الأحداث ، وما دام يدعو المعنى الإنسانى ، ويصف نفس الأديب أصدق وصف ، ويصور حياة هذا العربى فى بلد ناء ، وما يصادف من مصاعب تدفعه إلى الجهاد تارة والبكاء أخرى ، وقد يلح عليه هذا الألم النفسى فيحمله إلى مرتبة أسمى من البكاء ، وهى إبتار الوحدة

والخلود إلى النفس اللتاعة بنقل عنها فى أدب هامس حزين.

ولن يعيب الأدب أن يحمل فضلا من وجد الصدور وأحزانها ، وأن يصور طرقا من آلامها ، مادام مبعث الألم معنى إنسانيا يشترك فى الشعور به كل قلب كبير . ليس هذا عيبأ وأمله أول ما يحمل القارئ على احترام هذا الشعور . وإذا أردت أن تدرك موضع النيل فى أديب المهجر فتصور رجلا لم يصرفه الجهاد فى سبيل العيش ، وما يحتمل من ألم وجوع فى الغربة ، من أن يتألم لوطنه المجاهد المغلوب على حريته واستقلاله ، فيرسل من وراء البحار غناء حزينا لا تنقصه قوة التأثير وإن فانه الجرس والرنين . لقد تكون لى رأى آخر فى الشعر بعد أن قرأت

لأدباء المهجر ، فأصبحت أسخر من الديباجة والرنين والإشراق ، ولا أحفل إلا لصورة النفس المطبوعة فى هذا الأدب . ومع هذا فأنا لا أدعو دائما إلى تصوير الآلام ، ولكن من المروءة أن تصغى إلى حزين.

بين يدى أمثلة غزيرة هى نفئات لأمين مشرق ، وميخائيل نعيمه ، وإلياس فرحات ، وأمين الريحانى ، وإيليا أبو ماضى. وأخيرا جبران خليل جبران فيلسوف لبنان وشاعره الناسك . وأراك فى شوق إلى سماعها - وقد طال الحديث - فانتظر . ( للحديث بقية )

اشترك في نشرتنا البريدية