الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 630الرجوع إلى "الثقافة"

الهند والدول العظمى

Share

تلعب الهند في هذه الأيام دورا له خطره في السياسة الدولية . فقد كانت من أسبق الدول إلى الاعتراف بالصين الشيوعية ، ولم تكتف بذلك ، بل راحت تدعو غيرها من الدول أن تحذو حذوها . وكانت هي الدولة التي تبرحت بوساطتها في النزاع القائم بين أمريكا والصين بشأن مشاكل الشرق الأقصى ، ثم كانت إحدي الدول التي وضعت مشروع تسوية الشكلة الكورية ، ولا زالت تلح في ضرورة تسويتها بالطرق السلمية .

وتتطلع أنظار العالم في هذه الفترة الحرجة من تاريخ البشرية إلى جمهورية الهند الناشئة ، وإلى الجهود الجبارة التي تبذلها في سبيل قضية السلام . وإذا قرر للعالم أن ينجو من الكارثة التي تنهده ، فلا يتردى في الهوة السخيفة التي يقف على شفا جرف هار منها . فسيظل يذكر للهند ما بذلت من مسمى في سبيل إنقاده وما أخلصت من جهد للاحتفاظ بحضارته ومدنيته .

ومع كل هذا فليست الهند واحدة من الدول التي اصطلح على تسميتها "سياسيا" بالدول العظمي والتي تتمتع - على الأقل من ناحية الشكل ، وإن لم يكن من الناحية الواقعية - بما لا تتمتع به دول العالم السبعون . فلكل من

هذه الدول العظمي - وعددها خمس - العضوية الدائمة في مجلس الأمن . ولكل منها حق " الفيتو" لا على قرارات المجلس الخاصة بأنواع النزاع السياسي بين الدول الأعضاء فحسب ، بل فيما يختص أيضا بقرارات قبول الدول في هيئة الأمم المتحدة أو طردها منها . ثم إن لها فوق هذا وذاك السيطرة على أعمال هيئة الأمم فيما يتعلق بأبحاث الطاقة الذرية وغيرها من وسائل التسلح ، ولها وحدها حق إدخال التعديلات على ميثاق هيئة الأمم نفسه

هذه الدول الخمس هي بريطانيا وفرنسا والروسيا وأمريكا والصين . وبمجهودها وضع ميثاق هيئة الأمم المتحدة في نهاية الحرب العالمية الثانية في سنة ١٩٤٥ ، وكانت ثلاث من هذه الدول المنتصرة قد لعبت دورا خطيرا في تلك الحرب الضروس ، ومن ثم فقد أعطوا لأنفسهم كل هذه الحقوق التي أشرنا إليها، والتي قوبلت في مؤتمر سان فرنسسكو بمعارضة قوية من جانب الدول الصغيرة . وعلى رأسها استراليا بزعامة الدكتور إبقات EVATT وكان وزير خارجيتها حينذاك ، ولكن هذه المعارضة لم تأت بنتيجة ؛ فقد كان مفهوما أن هذه الدول - أو علي الاقل الروسيا وأمريكا وبريطانيا - لن تشترك في أي منظمة عالمية ما لم يكن لها امتيازات خاصة فيها .

وفي أول اجتماع للجمعية العمومية لهيئة الأمم أدلي الدكتور " زدليتا آنجل " Dr. zuleta Angel مندوب كولمبيا بتصريح جاء فيه : "نحن معشر الأمم الصغيرة قد تنازلنا عن بعض سيادتنا القومية في سبيل قيام هذه الهيئة" . ولكن كان هناك أسباب تدعو إلى الأمل في أن الاغلبية العددية مهما كانت ضعيفة من الناحية السياسية الواقعية إلا أنها قد تستطيع في وقت ما أن تقتقص شيئا من الحقوق والامتيازات الممنوحة للدول العظمى . وقد حاول ذلك فعلا تسع وثلاثون دولة من الدول الأعضاء ، وخاصة فيما يتعلق بحق "الفيتو" . ولكن لما كان إلغاء هذا الحق بأغلبية الأصوات يتحكم فيه حق "الفيتو"  نفسه ، فقد كان مقضيا على المحاولة بالفشل ، واقتصر أمل أولئك الذين سعوا الى إلغائه على الحد من استخدامه حتى لا يكون عقبة في سبيل ما تهدف إليه الهيئة من غابات ، وقد نجحوا في حالة أو حالتين ، ولكن الفيتو مازال سيفا مسلطا على رقبة الهيئة .

وهنا نتساءل : ما هي الاعتبارات التي توافرت في هذه الدول الخمس ، ولم تتوافر في غيرها حتى تكون لها مثل هذه السيطرة على هيئة الأمم ومجلس أمنها ؟ ربما كان الأمر واضحا فيما يختص بأمريكا والروسيا وبريطانيا ، فهي التي حملت معظم أعباء الحرب ، وهي دول لها من اتساع رفعتها ووفرة مواردها ومكانتها السياسية ما قد يؤهلها لاحتلال هذه المكانة الممتازة . ولكن اعتبار فرنسا والصين بين هذه الدول أمر لا يتفق مع الحقيقة والواقع ؛ فليس لإحداهما ما يمكن أن يرتفع بها إلى مصاف الدول الثلاث الأخرى .

ربما كان العامل الأساسي في الارتفاع بفرنسا إلى هذا المستوي هو الأمل في أن تسترد قوتها مرة اخرى كما حدث في سنة ١٨٧٠ ، وان تستعيد مركزها بسرعة على مسرح السياسة العالمية . ولكن فات هؤلاء ، المؤمنين أن فرنسا سنة ١٩٤٥ غير فرنسا سنة ١٨٧٠ . وفاتهم أن الوعي الدولي لم يعد كما كان في الربع الأخير من القرن التاسع عشر . . حقا أن فرنسا هي أوسع هذه الدول جميعا مساحة مستعمرات ، ولكن الاستعمار لم يعد يصلح أساسا لحكم الشعوب ، ولابد لهذه الممتلكات من أن تحصل على استقلالها ، خصوصا وأن الروابط بينها وبين فرنسا روابط ضعيفة برغم كل المحاولات التي بذلت في سبيل تقويتها وتدعيمها .

أما الصين فلم يكن لماضيها السياسي ولا لحاضرها دخل في وضعها بين الدول العظمى ، بل كان السبب الأول هو قوتها العددية ، إذ يسكنها نحو خمس سكان العالم . وهي بهذه الملايين العديدة تستطيع أن تكون قوة يعمل لها حساب . . ثم أمر آخر له أهميته . وهو عدم الرغبة في جعل الدول العظمي مقصورة على العناصر البيضاء وحدها ؛ فقد أدرك الذين وضعوا ميثاق هيئة الأمم الأخطار التي يمكن أن تترتب على قصر الامتيازات على الدول البيضاء فقط في هذا النظام الجديد .

وإذا فالصين كفرنسا لم تصبح دولة عظمي لأنها تلعب دورا خطيرا في السياسة العالمية وفي توجيه هذه السياسة ؟ وإذا كان الأمر أمر مساحة واسعة وملايين عديدة ، فليست الهند بأقل من الصين في هذه الناحية ، فهي حتى بعد انقسامها إلى الجمهورية الهندية والباكستان لا تزال شاسعة المساحة زاخرة بالسكان . وهي أيضا ليست من الدول البيضاء ، ومن ثم فهي لا تختلف عن الصين في قدرتها على تمثيل العناصر غير البيضاء في هيئة عالمية كهيئة الأمم . لا نستطيع أن ننكر ما بذله مندوبو الصين في هيئة الأمم منذ سنة ١٩٤٥ في سبيل الدفاع عن قضايا الشعوب غير البيضاء وخاصة تلك التي لم تحصل على استقلالها التام بعد - وما عهدنا بموقفهم من قضية وادي النيل بعيد - ويمكن ان نتوقع أن الصين مهما كان وضعها السياسي في المستقبل لن تغير هذه السياسة . وسواء حكم الصين ماونسي تونج أم استعاد نشيانج كاي تشك مركزه ، فستظل روح السياسة الصيفية كما هي لا تتغير .

ولكن من ينكر أن الهند لا تستطيع أن تؤدي نفس المهمة . وأن تدافع عن جيرانها من الدول الصغيرة ، خصوصا وان كل هذه الدول تثق فيها وترضي زعامتها ؟ ولعل خير دليل على هذه الثقة مؤتمر دلهى الذي عقد لمعالجة مشكلة أندونيسيا ؟ فقد تجلت فيه الثقة الكاملة التى تكنها الدول المجتمعة للمؤتمر في جمهورية الهند ، ثم إن الهند لا تفتأ تدافع عن الشعوب الهضومة كلما وجدت إلى الدفاع سبيلا ، وهذا هو ما ينتظر من دولة لاقت الأمرين من الاستعمار ، وجاهدت جهاد المستميت حتى ظفرت بالاستقلال ، ولا يقدر حقيقة الاستعمار إلا من قاسى ويلاته وشرب من علقمه وصابه .

ولربما اعترض معترض على هذا بأن الهند ليس لها من القوي الطبيعة والخبرة السياسية والمسئولية الدولية ما يمكن أن يؤهلها لمميزات الدولة العظمى ؛ ولكن هذه الاعتراضات جميعا يمكن أن يرد عنها برد واحد ، وهو أن الهند في كل هذه النواحي تمتاز عن الصين الحالية وعن صين المستقبل لزمن غير قصير .

إذا كان الأمر على هذا الوضوح فهل ننتظر من الهند أن تطالب في القريب بأن يكون لها مقعد دائم في مجلس الأمن ؟

نشك كثيرا في أن تسير الأمور على هذه البساطة . ولكن لو استمرت تصريحات البانديت نهرو وغيره من زعماء الهند في الشهور الأخيرة أساسا للسياسة الهندية ، فإن الهند ستصبح زعيمة للمعسكر العالمي الذي يناظر الدول العظمى الخمس . وستضيق الدول الصغيرة حتما في يوم ما باستخدام

هيئة الأمم كوسيلة للدعاية للدول العظمي وكميدان لتنافس هذه الدول . وحينئذ ستلعب الهند دورها في الدعوة إلى تعديل ميثاق الهيئة .

إن للهند فعلا مركزا ممتازا بين الدول الأعضاء في هيئة الامم ولكنه "امتياز" غير رسمي ؛ وإن للهند دورا خطيرا تلعبه الآن في السياسة الدولية ، وليس من شك في أن نجاحها كان يتضاعف لو اعترف بعظمتها الواقية ، خصوصا وانها تمثل عنصر توازن بين الكتلتين الشرقية والغربية ، وتمثل الأولى الروسيا والصين الجديدة ، وتمثل الأخرى أمريكا وبريطانيا . ولعل الهند هي الدولة الكبرى الوحيدة التي تتمتع باحترام الجميع

اشترك في نشرتنا البريدية