من الشخصيات التي أضافت إلى تراثنا الأدبي والفكري ثروة يعتز بها تاريخنا الأدبي؛ والفكري - أبو حيان التوحيدي - فقد رزقت هذه الشخصية من القدرة في الأداء الفني الجميل. والتحليل النفسي العميق وإبداع، آيات فنية لا تزال ترف نضارة على تتابع العصور. لقد وثب فن الأسلوب على يدي - التوحيدي - وثبة لم يستطعها غيره من كتاب النثر الفني القديم، وبلغ أسلوبه من الصفاء والعمق ما ممكن له من أن يحتل الذروة بين أصحاب الأساليب.
ولكن هذه العبقرية قد قست عليها الأقدار فأستهدف صاحبها في حياته بألوان قاسية من البلاء الذي أصابه في رزقه
وفي مكانته، ولاحق تراثه بعد خلا وجه الحياة منه فأحال بينه وبين الحياة. وظل هذا التراث يعاني مرارة الإهمال؛ وظلم التشويه هذا الأمد الطويل؛ فإذا ما رزق - أبو حيان - من نقذ آثاره؛ ويخلصها من بطش الظلم؛ وبراثن الموت؛ وينفض عنها غبار القبر؛ فقد رد للحياة الجانب الخالد من شخصية الرجل العبقري. وكانت يد للدكتور - أحمد أمين بك - في نهوضه نشر آثاره، والعناية بإصلاح ما أفسده الدهر من كيانها، وشوه من معالمها؛ حتى شق على النظر إدراكها. وما أشقاها من مهمة لا يدرك ما فيها من صعوبة، وما تتطلبه من جهد لا يقوى عل تحمل أعبائه إلا من كان ذا عزيمة لا تنهى؛ وثقافة أدبية؛ ولغوية واسعة وعميقة. وليس هذا مما يتأنى للكثير. وكتاب - الهوامل والشوامل - أثر من آثار - التوحيدي - الناضجة الحية. وهو يدور على كثير من الأفكار التي كانت سدى ولحمة النسيج الفكري والأدبي، في بيئة - التوحيدي - وعصره. قد أخذ - التوحيدي - يعرض هذه المشاكل الأدبية الفكرية ويجيب عليها - مسكوبة - فالكتاب من هذه الناحية
مرآة تعكس أمام أنظارنا التيارات التي كانت تسود هذه البيئة. والكتاب بعد وثيقة تاريخية إذ هو يصور لنا مرحلة من مراحل تفكيرنا الأدبي والعلمي. وهو آية من آيات النثر الفني من حيث الأداء والتصوير وللأستاذ - أحمد أمين بك - حسنة لا تجحد بتهيئة الميدان للأستاذ - السيد صقر - وإفساح الطريق أمامه ليتمكن من أن يستغل مواهبه وثقافته في هذا الميدان الذي شب وترعرع مولعا به؛ معتزا بالسير فيه. فكنت تراه وهو لا يزال في مطالع بواكير حياته الأدبية يعكف في - دار الكتب - الساعات الطوال بين المخطوطات القديمة يقرأ: وينقل؛ ويستوعب؛ وكانت الثمرة الأولى لهذا المجهود - تحقيق - ديوان - علقمة الفحل - والأمل وطيد في انتظار الآثار التي يقدمها هذا الجندي في ميدان يشفق الكثيرون من اقتحامه، وهو ميدان نشر تراشنا نشرا علميا دقيقا.

