الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 549الرجوع إلى "الرسالة"

الهوى العذري

Share

لا يؤمن كثير من أهل الرأي بما دونه مؤرخو العرب من  القصص الغرامي الملتهب (كقيس ليلى) (وقيس لبنى) بل  لقد يذهب بعضهم إلى الضحك منه، والسخرية به، ويعتقدون  أن هذا القصص تصوير روائي، وخيال شعري وأحسب أن الذين يعتنقون هذا الرأي بنوا عقيدتهم على  خبرتهم الصادقة بالطبيعة البشرية

فهذا العشق الذي يهيم له الرجل على وجهه، ويدخل الضيم  على مروءته ليس من طبيعة الرجل، وهو الذي يجري بفطرته  وراء النفع والطمع، ويسعى بغريزته إلى النضال في معارك  الحياة وتكاليف العيش، إنما الحب زخرف من زخارف صباه  وزينة من زينات شبابه، بل هو أغنية من أغانيه يتطرب بها في  مجال نضاله في الحياة، ويتغنى بها في خلال جهاده للعيش من طبيعة الرجل أن يسعى إلى الشهرة والثروة، وأن يتنوأ  مكانها ملحوظاً في رأى الدنيا، وقم التاريخ، ومن أظهر  ميوله حب السيطرة والسيادة وبسط السلطان

هذا الرجل قد يحب، وهذا طبيعي أيضاً، وقد يحدث  الإخفاق في حبه لوعة ومرارة تجرح شعوره وعواطفه،  لكنه مخلوق نشيط تشغل مخه أفكاره متباينة في دائرة الحوادث  المختلفة، وفي مناحي القرص المتعددة التي تسنح بين حين وآخر  في ميدان النضال الحيوي، فإذا كانت الفجيعة أليمة، مفعمة  بالهواجس والخيالات والأحزان، فقد يجد من وسائل الكسب  ومباهج الأفراح والملاهي، وحزم الإرادة القوية ما يتلهى به  فينسى

هذا شأن الرجل إذا أحب، وهو كثير المشاهدة بين  الناس تجري الحوادث فيه على ما رسمته الطبيعة البشرية، أما  هيام الرجل على وجهه، وتدلهه وإغفاله تكاليف الحياة  ومسئوليتها جرياً وراء امرأة، على الوصف الذي دونه مؤرخو  العرب في (قيس ليلى) (وقيس لبنى) فهو بعيد حتى عن  الذوق الإنساني ومن عجب أن يهيم الرجل ويذهب، وتصبر المرأة وتتسلى  فلا تهيم على وجهها، ولا يذهب بها التدله شتى المذاهب، فتأنس  إلى الغزلان في مسارحها، وإلى الوحوش في مساربها إلى غير  ذلك من مؤثرات التأليف المسرحي كيف يكون هذا والمرأة كلها قلب، وحياتها تاريخ كامل  للعاطقة؟ هي، عمرها، أسيرة أفكارها، رقيقة عواطفها، فإذا  تسلط على هذه الأفكار والعواطف حكام من الخيبة والفشل،  فأين تجد التأسي؟ لاشيء؛ إلا أن تكون كالقلعة المقتحمة  قد انهارت أسوارها كم من عيون براقة خبا بريقها، وكم من خدود متوردة

ذبلت حمرتها، وكم من قوام معتدل هصره الأسى فأماله، كل  ذلك والحب فيها خجول صامت لا يجري في الطرقات، ولا يتسكع  في الصحاري. قد تمتص الفجيعة دمها ولكن في صبر وتجلد هل كان قيس يحب ليلى وليلى تكرهه؟ لا. إنما كان  بقلب ليلى من العشق والوله ما بقلب قيس. إذن ففيم يهيم الرجل  ويذهل، وهو أقوى عزما، وتتجلد المرأة هي القلب المتفجع؟ هذا وضع مقلوب للطبائع البشرية لم يجنح إليه المؤلفون  إلا للقصة والرواية

ولم اختص بالجنون عشاق المرأة وحدها؟ ومن الناس  عشاق متدلهون في المال، ومنهم عشاق الشرف والمروءة والرجولة  الكاملة، وقد أصيب كثير من هؤلاء في مالهم ورجولتهم  فما هاموا على وجوههم، ولا فقدوا رجولتهم، ولكنهم عالجوا  الحياة من جديد بما وهبوا من المزايا الطبيعية لينالوا نصيبهم منها ومن أظهر ما يدل على أن هذا القصص موضوع ما يشاهد  في طبيعة البشر من أن الرجل إن استحلف بالله رب كل شيء  وبرسله وكتبه سهل عليه الحلف ولم يأنف منه، فإن استحلف  بطلاق امرأته تربد وجهه واستطاره الغضب وعصى وامتنع حتى  لو كان الحلف سلطاناً مهيباً، هذا وإن لم يكن يحبها وكانت  هي قبيحة المنظر، فكيف يسوغ عقلاً أن يطلق قيس ليلى  وهو يحبها؟ وهي جميلة الخلق والخلق، لمجرد أن أبويه طلبا إليه  هذا الطلاق وكفى؟ لقد خير ملك عظيم بين عرشه وبين زوجة  ارتضاها، فنزل عن العرش ولم يفترق عن زوجته ألا أن العرب لم يكونوا بدعاً من الناس. . .

اشترك في نشرتنا البريدية