الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 308الرجوع إلى "الرسالة"

الواشي والوشاية

Share

أيهما أعظم أثراً ونصيباً في إذاعة الوشايات؟ ميل النفس  إلى أن تشي بغيرها، أم ميلها إلى أن تقبل الوشاية في حق غيرها؟  هذه مسألة لا نحسب أنه من المستطاع توضيحها على قاعدة واحدة  تصدق في كل النفوس على السواء على اختلاف صفاتها من مكر  وسذاجة ومن فطنة وغباء ومن خير وشر. على أن الميلين يتصلان  في النفس ويتشعبان من شعبة واحدة وهي الأثرة، وما تثير من رغبة  في منفعة أو خوف من مضرة، وإن كانت الرغبة في المنفعة ألصق  بالواشي، وكان الخوف من المضرة ألصق بقابل الوشاية. على أن  هناك أمراً لا شك فيه وهو أنَّ تَنَوُّعَ أساليب الواشي في الوشاية  وتهيئتها تهيئة خاصة كي تكون مقبولة في النفوس المختلفة مما يجعل  رد الوشاية ورفضها من أشق الأمور. ولا بد من التأثر بها إما قليلاً  وإما كثيراً حتى في حالة رفضها وحتى في حالة كره الواشي وقلة الثقة به،  وحتى في حالة معرفة كذبه. وإذا استطاع المرء أن يقاوم أثر الوشاية  ألف مرة فهو قد لا يستطيع مقاومته مرة بعد الألف. ومن أجل  ذلك ترى الرجل العادل الذي كَفَّ نفسه عن الشر يندفع إلى الشر  بسبب وشاية واش بعد طول العصمة ويأخذ بالوشاية بعد رفض  أمثالها مراراً فيتعجب الرائي المفكر من فجاءات الحياة والنفوس  في أمثال هذه الأحوال الغريبة المباغتة. وإذا كان هذا شأن العادل  المتحرج من عمل الشر ومن قبول القول من غير بَيِّنة أو دليل،  فما ظنك بأكثر الناس وهم يقبلون القول قبل الإطلاع على البينة،  وقبل فحص الدليل والتأكد من صحته، ومنهم من يلتقط القول  التقاطاً من فم قائله وكأنما ينتزع الوشاية انتزاعاً من بين ثناياه،  وكأنما يخشون ألا يخرج القول كله من فمه فيسعفوه بالمسهلات  والمقيئات. وأكثر من هذا وذاك أنهم يأخذون بالظنة من غير حاجة  إلى وشاية ونميمة؛ فقد يُحيِّي إنسان إنساناً آخر ولا يرد الثاني  التحية لخطأ البصر أو بطئه في تبين الأشخاص، أو لانشغال ذهنه  أو عينه، أو لسرعة انتقال الأول وفوات الفرصة لرد التحية، فيحسب  الإنسان الأول أن الثاني تعمد الإساءة إليه مع عرفانه بسابق  إعزازه له ومودته وإكرامه. وقد زاد أبو تمام في هذا المعنى  ووضحه فقال:

يَظَلُّ عليك أصفحُهمْ حقوداً ... لِرُؤيا إنْ رآها في المنام

وللواشي فطنة بما يؤثر في كل نفس فتراه في بعض الأحايين  يتخذ أسلوب التلميح لا التصريح، ويكتفي بالإشارة عن العبارة،  لا لرفقه واقتصاده في الشر، بل ليكون قوله أبلغ في الشر، إذ أنه  يفطن إلى أن السامع من الذين يفهمون في التلميح أكثر مما كان  يبسطه الواشي بالتصريح، ويرون في الإشارة أكثر مما كانت  تستفيض به العبارة. ثم إن الواشي يرى في هذا الأسلوب من التلميح  احتراساً فيستطيع إذا أُحرِجَ أن ينكر بعض ما فهم السامع  أو كله ما دام قوله يحتمل التأويل والتفسير. وفي حالة أخرى يرى  الواشي أن الإشارة لا تشغل ذهن السامع ولا تحرك نفسه فيعمد  إلى الإطالة والإفاضة والتفصيل والتهويل حتى يكاد السامع يصيبه  جنون الخوف أو الغضب من أجل عداء مزعوم أو انتقاص  أو تدبير شر أطلعه عليه الواشي فيندفع إلى الشر، وقد يندفع  إلى الجرم العظيم، ثم قد يندم أشد الندم ولات ساعة مندم. وتارة  يقرن الواشي إلى وشايته وعدا خفياً بمكافأة يجزى بها السامع  إذا قبل وشايته؛ ولا نعني مكافأة مالية، وإنما نعني أنه يعده وعداً  من وعود المودة والمعاونة والتقديم والإكرام والانتصار له على أعدائه؛  وتارة يُدْخِلْ في ثنايا وشايته وعيداً خفياً يوعد به السامع إذا  رفض وشايته، وتهديداً بالعداء إذا عده كاذباً في وشايته وإنذاراً  بأنه بعد ذلك الرفض ينصر أعداء السامع عليه أو أنه يُخفي عنه  كل ما يدبر له من الشر والكيد فيخشى السامع أن ينقلب الواشي  عدواً يناصر أعداءه إذا لم يصدقه أو يخشى أن يصيبه شر من كيد  مُدَبَّر يمتنع الواشي من نقل خبره إليه إذا كذبه ولو مرة واحدة  فيسرع السامع إلى تصديق الواشي وإكرامه.

ومن أساليب الواشي أنه قد يلاطف السامع ويتحبب اليه،  ويكرمه ويمده بنفع، ويطيل في الثناء عليه، ويظهر الحدب  عليه، والحزن والخوف من وقوع الشر به حتى يثق به سامعه.  ولا شيء تكتسب به ثقة السامع أبلغ من الثناء عليه وذم  أعدائه. وإتقان المدح فن قد يُعَدُّ من الفنون الجميلة التي تتطلب  صناعة حلوة، وبعد إتقان الواشي مدح السامع ترى ذلك السامع  حريصاً على تصديقه كأنه يقول في نفسه هو صادق كل الصدق  فيما مدحني به، فلا بد أن يكون أيضاً صادقاً كل الصدق فيما نقله  إليَّ من الوشايات؛ ولا يعدها وشايات بل كرامات وهذا هو منطق  النفوس البشرية. وإذا أطال الواشي في مدح السامع فقل على

الغائب الذي يشي به السلام. فإن كُرْهَ سامع الوشاية لذلك الغائب  ورغبته في أذاه وحقده عليه أمور تتمكن من نفسه كلما أجاد وأطال  الواشي في مدحه وانتقاص ذلك الغائب. وكيف لا يعد السامع  الممدوح الوشايات كرامات وهو يرى مظاهر إخلاص الواشي له  وخوفه على جاهه أو سمعته أو حياته أو مكانته ويرى رغبته في صرف  الأذى عنه وفي رد كيد أعدائه؟ وقد يصعب في بعض الحالات على  الناقل المخلص حقاً الذي إنما يريد بالنقل دفع الشر عن صديقه أن  يثبت صدق قوله فيختلط الحابل بالنابل ويضطر السامع أن يقبل من هذا وذاك. على أن الوشاية قد تترك أثراً وخيماً حتى في حالة  معرفة السامع كذبها، فإن النفوس البشرية في بعض حالاتها تشك  بالرغم من معرفتها ببطلان الشك، وتسيء الظن بالرغم من معرفتها  كذب الظن. وهل هذه الحالة أغرب من حالة أشعب الثقفي  النفسية، وهو الذي كان يصرف الأطفال عنه فيدعي أن احتفالاً  بزواج في حارة مجاورة تُنثَرُ فيه النقود على الناس فرحاً وابتهاجاً  فَيسرعُ الأطفال إلى تلك الحارة كي يلتقطوا بعض النقود، وتنخدع  نفس أشعب بالقصة التي اخترعها فيعدو خلف الأطفال كي يلتقط  أيضاً بعض تلك النقود التي لا وجود لها. على أنه حتى في حالة  رفض السامع للوشاية ورفض كل شك في كذبها تراه مهموماً  بسبب ما نُقل إليه من الذم أو الرغبة في الأذى لأنه يعد ما نقل إليه  قد أنقص من نفسه لدى نفسه وأنقص من اطمئنانه إلى الحياة عامة  والى النفوس البشرية فيحسن امتعاضاً وتضايقاً من الغائب الذي  نقل الواشي عنه ما لم يقل أو ما لم يفعل لأنه كان سبب ذلك النقل  الباطل والوشاية الكاذبة التي آلمته حتى وإن كان سبباً غافلاً عما سببه  في نفس الناقل الكاذب ولكن سامع الوشاية المتألم منها بالرغم من  تكذيبه لها في سريرة نفسه قد ينقم على ذلك الغائب المكذوب عليه  سواء أكان الواشي الكاذب معذوراً أم غير معذور في بغضه له  الذي دعاه إلى أن يكذب عليه في وشايته. وهذا أيضاً من منطق  النفوس البشرية. ومما يزيد في حنق سامع الوشاية أنها قد تكون  مما لا يستطيع ذلك السامع فحصه أو مخاطبة المنقول عنه؛ ولا سيما  إذا كان سامع الوشاية عظيماً أو رئيساً فيخشى على رياسته وعظمته  أن تبتذل عند التفصيل في كشف الوشاية وفحصها وتحقيقها،  ولا سيما إذا كان الغائب المنقول عنه مرءوساً ليس في منزلته؛ فيرى  من الانتقاص لنفسه أن يطلعه على ما نقل الواشي إليه لأنه يضطر  أن يُحَدِّثهُ بالقول المر الذي قيل عن شخصه، أي شخص

العظيم، وهذا فيه إحراج لعظمته فيفضل أن ينتقم من غير بحث ومن  غير ظهور بينات أو أدلة على صدق الواشي، وتتلمس نفسه لنفسه  الأعذار عندما تحوِّل الشبهات إلى بَيِّنات تخلصاً من إحراج  عظمته بالتفوه بما قيل في حقه. وإذا كان هذا شأن من توجب  عليه منزلته السير بالعدل فما ظنك بالكثير من الناس الذين يرى  كل لنفسه عظمة مثل تلك العظمة، وإن لم تكن له تلك المنزلة التي  تفرض عليه ما تفرض منزلة الأول. والذين يقرءون كل يوم  ويسمعون عما يسمى بالطريقة الأمريكية في الاحتيال، فلا تمنعهم  قراءتهم عنها من الوقوع في شرك المحتالين، ووسائل تلك الطريقة  الأمريكية في الاحتيال أسهل من وسائل الوشاة. فالنفس البشرية  تنقاد بالخيال والإحساس وبالرهبة والرغبة أكثر من انقيادها  بالعقل والمنطق الصحيح والعدل.

ومما يزيد الوشاية تمكناً من النفوس أن النفوس طبعت  على الخوف، فكل نفس تقبل الوشاية لا لأنها اقتنعت بصدقها  بل لدرء الشر واتقاء الضر المحتمل، وهي قد تسرع بالإساءة  إلى الغائب المنقول عنه إذا وجدت أن إساءتها إليه أسهل  من ملاطفته وملاينته، وإنما تريد تعجيزه عن الشر بالإساءة إليه  قبل أن يسيء إليها. وهي تُزَكيِّ إساءتها إليه قبل التأكد من  صدق الوشاية بأن تعد تلك الإساءة من ضرورات الحياة ومكارهها  التي لا مناص منها، والتي تدعو إلى المبادرة بالشر حيطة وحذراً؛  إذ أن البدء بالهجوم والمفاجأة به نصف الظفر والانتصار كما يقولون.  وهذا أيضاً من منطق النفوس البشرية وأعني المنطق الخفي لا الذي  يدرس في الكتب.

أضف إلى كل هذه الأسباب ما يدعو إلى قبول الوشاية من  الرغبة في الأذى، وهي قد تكون رغبة مُلِحَّة وشهوة قاهرة  في كثير من النفوس ولا سبب لها إلا التمتع بارتكاب القسوة  وعمل الشر وإيلام غيرها وهذه الرغبة في الأذى والمتعة في القسوة  لا تعجز عن خلق الأعذار والأسباب والشواهد والأدلة والبينات  كي تُزَكيِّ نفسها في التمتع بالقسوة وفي ارتكاب الشر، وصاحب  هذه المتعة النفسية في إيلام غيره يُرَحِّبُ بالواشي النمّام  كما يرحب العاشق بحبيبه الذي طالت غيبته لأن ذلك الواشي  يساعده على خلق الأعذار التي يُزَكيِّ بها رغبته في عمل الشر.

اشترك في نشرتنا البريدية