كثيرا ما يشعر المرء بالتردد أمام أحداث الحياة وعند مفترقات الطرق ، بل كثيرا ما تظهر عليه أمارات الخوف والقلق فى أمثال هذه المواقف . وله الحق فى ذلك ، لأنه مهما بلغت شجاعة الإنسان وسط هذه الفواجع الدامية التى تتربص له من حين إلى حين سيكون مضطرا فى النهاية إلى الإحساس بالرعدة ، وإلى أن تسرى فى بدنه القشعريرة ، وإلى أن يثور فى قلبه الشجن . فكلنا يعرف أن الصبر يمضى بنا إلى الأمام ولا يعود إلى الخلف مرة واحدة ، وأن العيش الإنسانى محدود معدود علينا بالساعة واليوم والدقيقة ، وأنه من المستحيل على دورة الأفلاك أن تتوقف برهة فى سبيلها المحتوم ... وأمام كل هذا يقف الإنسان بمفرده على سطح الأرض مثل الغريب النازح من بلد بعيد ، فلا حول له ولا طول ، ولا جاه ولا باع . ومن أجل هذا تراه يذعر أمام النوائب ، وتلمس تردده قبل أن يختار الوجهة التى يقصدها أو الطريق الذى يعنيه . فلا بد له أن يفكر ألف مرة قبل أن يقول " نعم " . أو أن يقول " لا " إذا ما تفتحت أمام عينيه مسالك العيش .
ولا يعنينى هاهنا أن أناقش فكرة الحرية بالنسبة إلى الإنسان ، ولكننى أستطيع أن أزعم - وأنا متيقن مما أقول - أن الإنسان يبدأ من حالة معينة ، وأنه يتخذ خطة لسيره فى الحياة ابتداء من مكان بالذات . فالإنسان قد أحس بنفسه وسط مظاهر الوجود وهى موضوعة وضعا خاصا ، ثم شعر بالباعث إلى الانطلاق وبالرغبة فى المسير ، فكأنما سبق إلى المعترك وهو مربوط بالسلاسل المتدلية وراء ظهره وقيل له تقدم . ومعنى هذا أنه نظر حواليه فوجد العالم غريبا عليه ، ووجد الأرض مصنوعة بغير يده ، ووجد الحالة منافية لما يرجوه ويرتاح إليه . وعندئذ بدأ
العراك وبزغت إرادة التحرر . لأن الضرورات التى ولدت مع الإنسان قد أشعرته منذ الساعة الأولى بمعنى الخروج عليها والثورة ضدها . وأفهمته فى الوقت نفسه جريرة العمل الفردى الشاذ . ولم يكن يأتى فى وقت من الأوقات عملا غريبا حتى يرى نفسه تحت رحمة المقادير التى تلعب به وتضغط عليه وتؤدبه التأديب الكافى .
فالحياة مرعبة مخيفة ، والطريق مظلم موحش , والمستقبل غامض مجهول ، والظروف القائمة لا تريح بالا ولا تطمئن الوحوش الفتاكه فضلا عن الأدميين البسطاء . وتلفت الإنسان عن يمين وتلفت عن شمال ، فإذا هو وحده فى مفازة العيش المهجورة ، يقرر مصيره بمفرده ويعلن إرادته وحده ويدير شئون حياته حسب ما توحى إليه الغريزة والضمير . وكان مضطرا بعد ما شاهد من القوى المتضاربة ومن العناصر المتنافرة أن يتريث ، فيسعى متئدا على ضوء تفكيره ، وفى هدى المشاعر التى تجول بخاطره . فهناك مصادفات قد تسعده ، وهناك مناسبات قد تضيع عليه ، وهناك خير لا ينبغى أن يفرط فيه إذا بات حاضرا لديه . بيد أن الخيار لازم فى أكثر الأوقات ، وقلما يستطيع أن يجمع بين حال وحال أو بين شيئين من الأشياء التى تعرض له وتتعرض عليه . وتلك هى أزمة الوجود الإنسانى الذى يلزمه فى أغلب الأحيان اتخاذ وجه واحد والمضى فى طريق دون غيره .
ونستطيع أن نجعل من هذه الأقوال العادية فلسفة بقليل من التحوير فى الألفاظ والعبارات . فهناك إمكانيات أمام الإنسان عند تحقيق وجوده ، وهو مضطر إلى اختيار واحدة من هذه الإمكانيات حتى يعيش . أما إذا تمسك بكل هذه الإمكانيات وأغراه الطمع بأن يستحوذ عليها جميعا
فسيصعب عليه التوفيق بين مطالب نفسه الشرهة وقلبه الطموح ، وبين الحياة القائمة المائلة فى هذه الظواهر المتجمعة داخل نطاق الكون . فلا تستطيع أنت مثلا السفر إلى أمريكا وانجلترا وفرنسا وسويسرا فى آن معا ، ولا بد لك إذا شئت الارتحال من مصر أن تختار واحدة من هذه الدول . وبذلك تقرر مصيرك وتنتقى لنفسك وجها واحدا من وجوه الحياة . فالحياة لا تحتمل أكثر من وجه واحد ولا سبيل إلى أن تتعدد وجوهها مهما تكاثرت مطامع الإنسان . وعلى الرغم من أن الإمكانيات الحيوية تنبثق أمام عينيه كلما تقدم فى معاشه بوفرة ظاهرة ، فهو لا يملك الاستمتاع بها كلها ويضطر دائما إلى الاكتفاء بواحدة . ومن هذه الناحية يضيع كل ما نعرفه فى الأخلاق من القيم ، فتظهر الأثرة والتضحية وحسن النية والشجاعة الأدبية .
وقبل كل هذه الظاهرات النفسية لدى الإنسان ، أو بعدها ، يتجلي فى الفرد ما جئنا على ذكره من الخوف والتردد والقلق . لأن اختيار سبيل بالذات ، مهما تكن درجة امتيازه وأفضليته ، معناه أنك ستقضى فترة من عمرك المحدود فى حياة خاصة لا تعرف منها غير البشائر ؛ ومعناه أيضا أنك ستفوت على نفسك فرصا أخرى يرجى منها الخير ويحتمل فيها النفع ، وقد تحقق لك ما تسعى إليه من المطالب .
فتظهر من جراء ذلك كله معانى الخوف فى قلبك , وترتسم ملامح القلق والجزع على وجهك . وهذا طبيعى جدا ما دمت بإزاء مصيرك الذى تقرره وحياتك التى تنتقيها واتجاهك الذى تحدده بإرادتك ومشيئتك وهواك . وكلما كان الإنسان على علم بقيمة ما يفعل ومدركا لخطورة ما يأتيه كان أعلى درجة فى الإحساس بالمشكلة . وغالبا ما يشعر فى أمثال هذه المواقف بأنه صاحب الحق الأول والأخير فى رسم حياته ، وأنه يخلق نفسه بنفسه وينسج وجوده على نول أصابعه . وبهذا الصنيع من جانبه يعلن الفرد عن كيانه بأجمعه ويصرح بميوله ويبدى رغباته أمام الناس . بل بهذا الصنيع يؤكد الإنسان وجوده على الأرض التى يشعر بأنه من حقه أن يجرب فيها مظاهرها المختلفة ويقلبها على وجوهها المتباينة .
والخطأ فى تصور الإنسان إنما يأتى من اعتقاده فى شيئين : أولهما أنه يحس بعد مضى زمن قليل بأن هذه الوجهة التى اختارها كانت مرسومة له منذ الأبد فى لوح محفوظ ، وانه يمضى فى الحياة تبعا لخطة جارية على العباد ،
مفروضة عليهم فرضا . وثانيهما هو اعتقاده فى أن الوجود ذو مناح كثيرة ، وأن اختياره لمنحى واحد من هذه المناحى لا يعنى فوات بقية المناحى عليه . أو بعبارة أخرى يجد الإنسان فى قرارة نفسه ميلا إلى الاعتقاد بأن السبل المعاشية الأخرى قائمة موجودة على نحو ما توجد السبل التى ينتقيها وتقوم ، وهذان الاعتقادان هما محض تصور ، ولا أساس لهما من الصحة . لأننا إذا نظرنا إلى الجانب الأول وهو اعتقاد الناس فى حتمية التاريخ المنقضى وجدناه ينبع من جملة أسس خاطئة : أولها شعور الإنسان باستحالة التغير فيما مضى من الأحداث ، وما صار جزءا من التاريخ المروى . وثانيها أن الإنسان لا يريد أن يصدق أنه من القوة بحيث يمكنه أن يوجد بمحض إرادته نوعا خاصا من الظروف وأن يسير التاريخ ويجرى الأمور على النحو الذى يشاء . فهناك نوع من الضعف الداخلى فى قلب الإنسان يجعله عاجزا عن الاطمئنان إلى ما يفعله بيديه ويأنبه برغبته وهواه . ويحس الفرد بأنه يحتاج إلى سند أقوى منه حتى تثبت الأمور بشكل معين . وكأنما يستكثر على نفسه توجيه المسائل العامة بعقله وحده ، ويستهول الانفراد بالسلطة على هذا الكوكب النائى . ومن هنا نراه يلجأ عند التقدير والفعل إلى قوة مجهولة يسبغ عليها من خياله وأوهامه ما يجعلها ذات الشأن الأول فى تصريف الأمور . وثالث هذه الأسس الحاطئة - وهو أساس متين على الأساس الثانى -
أن الإنسان لا يريد أن يشغل نفسه كثيرا بأحداث الماضى ، ولا أن يوقع على نفسه مسئولية الوقائع التى جرت ، ويحب أن يخلى عن قلبه إحساسه بالخطأ ، فيزعم أن الأشياء لم تقع على نحو ما أراد هو ، وإنما تبعا لمشيئة عليا تسيطر على الكون وتوجه دفات الأمور فيه . فهو من أجل أن يخلص نفسه من تبعة الآراء التى يبديها والأفعال التى يأتيها ، نراه
يخترع مبدأ الحتمية التى لا تجعل مجالا للحديث عن الإمكان فى تغير معالم التاريخ . ولا يمكن أن نفهم الحتمية إلا بمعطى واحد ، وهو أن الإنسان يريد أن يعفى نفسه من اللائمة إذا تطورت الأمور على النحو الذى لا يريده . ومن هنا تراه يلصق الشناعة التى تحدث بين جدران هذا الكون إلى القوة العليا ويزعم أن ثمة إرادة تسيره أثناء إتيانه الأفعال المختلفة ، فلا يكون عليه ذنب ولا يركبه وزر .
أما الاعتقاد الآخر وهو القول بوجود المناحى الكثيرة فى الحياة أو الوجوه المتعددة التى تتشكل على نمطها سلسلة الحوادث التاريخية ، فمصدر الخطأ فيه أن الإنسان يتصف بالطمع والشره الذى يجعله دائما فى نقمة على المعيشة التى يرتبط بها . فهو يتصور ذلك أنه إذا اختار وجهة من الوجهات أو سار فى سبيل من السبل كان فى استطاعته بعد ذلك أن يعود إلى الحالة القديمة إذا أخطأه التوفيق ولم يحقق وجوده على نحو ما كان يحب . ولكن هيات أن يصدق مثل هذا التصور ... لأنك تختار وجها واحدا لوجودك فى زمن معين ولا نستطيع فى هذا الزمن نفسه أن يجتمع لك وجهان من الوجوه أو ان تعود إلى وجه آخر من وجوه العيش إلا بعد التنازل عن الوجه الذى أنت عليه .
ولذلك نقول إنه لا يوجد للحياة غير وجه واحد هو الذى تسير عليه ، وكل ما عداه تخيل محض ووهم خالص . والجشع الذى يقبض فى قلب الإنسان هو مصدر هذه الخيالات والأوهام . وقد يكون له أصل آخر ، وهو ان الإنسان لا يرى الناس جميعا على نمط واحد فيحسب أنه قادر على أن يعيش مثلهم وأن يتقلب بين نماذج وجودهم . مع أنه مربوط بالحبال ، مشدود إلى حياته الذاتية الناجمة عن ملابسات أيامه الحالية . فكل إنسان هو ابن لماضيه وأسير أحواله وعاداته فى الزمن المبكر على الزمن الذى يعيش فيه . وإذا كان هناك إنسان متخصص فى الطب أو الهندسة من صغره فمعنى ذلك أنه سيظل إلى أخريات أيامه متأثرا بهذه المرحلة من حياته التى تعلم فيها الطب أو الهندسة . ويظهر لنا من
الدراسات النفسية أنه يصعب الفكاك من محيط الآثار الباقية فى النفس منذ الصغر . كما تكشف لنا علوم الاجتماع والجغرافيا الجنسية عن الطبائع العامة التى تؤثر فى كيان الأمة وتعين مستقبلها بواسطة البحث فى جملة الخصائص القديمة المتأصلة فى نفسية الشعب .
ومعنى هذا أن الفرد لا يمكنه أن يخرج عن الحدود التى أحاطت بوجوده الخاص ولا يستطيع أن يجمع بين وجهين من وجوه الحياة . ولا بد له من الاختيار . وقد نظن أنه من المفيد بالنسبة إلى الإنسان أن يستشير سواء عندما يختار ، ولكننا لو علمنا أن غيرنا من الناس لم يعش سوى وجوده الخاص ، ولم يعرف عن الحياة سوى وجه واحد ، فإننا سوف نشك كثيرا فى قيمة النصيحة . لأن الخبرة لا تدل على أن إنسانا قد عاش أكثر من نمط واحد أو تقلب بين وجوه مختلفة ، ومهما كانت تجاربه فى الحياة . ومهما كثرت أحواله واختلفت شئونه وطال عمره . فليس معنى هذا أنه عاش أكثر من وجه واحد من وجوه المعاش فى فترة معينة من الزمن . فإذا أعطى خلاصة ما رآه فى حالتين مختلفتين فى زمنين مختلفين ، فليس معنى هذا أنه يعرف ما يمكن أن يكون مصير إنسان سواء إذا مر بنفس الحالتين فى زمنين آخرين . فما أجربه وأنا شاب يختلف عما أجربه وأنا فى سن
الشيخوخة ، وما أمر به وعمرى عشرون سنة يخالف ما أمر به وعمرى يربى على الخمسين ، ولو كان الشئ الذى أمر به فى الحالين واحدا . فإذا سألت رجلا مسنا عما إذا كان يصح لى الزواج أم لا ، فمن الضرورى أن أراعى كل ما يلى : أولا ينبغى أن ألاحظ الممكنات التى أدت إلى عدم نجاحه إذا كان متزوجا وحلمه بالوجه الآخر من الحياة إذا كان عزبا . كذلك ألاحظ أنه لم يذق الحالتين معا أو إذا أحس بهما فلا يمكن أن يكون قد عاشهما فى نفس الزمن . فقد يكون متأثرا بحنان زوجته وهو فى سن الشيخوخة ، ولو كان قد تزوجها فى شبابه المتوثب لكان موقفها منه غير هذا الموقف الذى ينتج عن الشفقة واليأس أكثر مما ينتج عن أى شئ آخر .
كذلك ألاحظ الوقت الذى تزوج فيه والوقت الذى أختاره أنا للزواج . فقد تكون ظروفه التى أسعدته أو التى أضرت به غير مشابهة لظروفى . وقد تكون سنى غير مقاربة للسن التى تزوج فيها .. وهكذا تتبين صعوبة الاستفادة من تجارب الآخرين ونصائحهم .
فالإنسان ملزم إذا بأن يعيش وجوده الخاص على نحو ما يريد وعلى الصورة التى توافقه من غير أن يكون له ضابط سوى روحه وظروفه وممكنات عيشه . وبذلك تصير حياة الإنسان بأكملها تجربة من التجارب فلا يستفاد منها , ولا تستفيد هى من الطريق الذى سارت فيه حيوات الآخرين من قبل . أو من هنا يمكن وصف حياة الإنسان بأنها مخاطرة أولى من نوعها . وحياة كل فرد من الأفراد هى تجربة من طراز يخالف الطرز الباقية فى الجوهر والشكل على السواء . ومهما تشابهت الأحداث والوقائع فلا تحسبن أنها متكررة ، ولا تظنن عودتها من جديد . وإنما لاحظ الفروق الدقيقة وتأمل البواعث المتأصلة لتعرف مقدار الفارق بين حادثة وحادثة أو بين واقعة وأخرى .
ولهذا يحق للإنسان أن يشعر بأزمة الوجود وأن يحس بخطورة الحياة ما دامت غير قابلة للتكرار والعود مرة أخرى . وإذا كان الإنسان بصدد تقرير لمصيره ، واختيار سبيل من سبل المعاش فلا بد من أن نراه قلقا مترددا تبعا لما يراه فى الوجود من محدودية المعاش ونتيجة لما يحس به فى أعماق نفسه من استحالة المضى على أكثر من نحو منفرد .
فحياته تجربة يعيشها بنفسه ، ويدفع ثمنها من عمره ، ويقضى على نفسه بنتائجها مهما كان نصيب الخير والشر فيها . وقد أرادت الحياة ألا تدع مجالا لتوضيح هذه الحقيقة فى ذهنه حتى لا تتعطل حياته . فعملت شيئين : ( أولا ) جعلته يحس بأن الحياة تتقدم عرضا لا طولا ، ودفعت الإنسان إلى الاعتقاد بأنها تسير على شكل لولبى بحيث تتأدى الحركات والأفعال فى مظهر من الحضور ، فهى تبدو أمام عينيه كما لو كانت تتسع فى حركتها من الجانبين على هيئة تفتح ونمو . وبذلك ينسى الإنسان معنى الموت ، ولا تخطر على باله ، بين معالم
التكامل ، صورة التفكك والانحلال . بينما لا تجد الشخصية الواعية التى تدرك حقيقة الحركة ، وتعرف منتهى الوجود ، وتستشعر حياتها معلقة من أطرافها بخيط واه ... أقول لا تجد مثل هذه الشخصية فى الحياة غير مظهر السير التقدمى ، ولا تعرف غير معنى الخطو المندفع ، ولا نرى فى الوجود غير انبثاق طولى متصل . فالوجود لا يسمح بالإعادة ولا يتيح فرصة للتكرار . ومن هنا تأتى النزعة التشاؤمية ، وتتولد الروح اليائسة ، وتهب ذات الإنسان من باطن العالم الأرضى لتصرخ فى قبة السماء معلنة عجزها ( كما فى العبادات الدينية ) أو تمردها ( كما فى الفلسفات اليسارية ) ؛ وهى فى الحالين لا تكسب ولا تخسر ، وإنما تمضى الوقت وتجد شاغلا فى ذلك كله عن التفكير فى مأساة المصير الإنسانى .
و ( ثانيا ) أوجدت الطبيعة ما سميناه بالوجه الآخر من الحياة ، واخترعت إحساسا فى قلب الفردية المتألمة بإمكان التغيير ، وأشعرت المنكوب بأن الرجعة ميسورة ، وتبدت للإنسان العادى فى صورة تأجيل مطرد .
على أننى أريد أن أعلن الآن أكذوبة الوجه الآخر من الحياة ؛ وإذا أخذنا به فعلى أساس أنه تعبير عن مخاوفنا وآمالنا ، وانه نوع من الحلم الذى ترتثيه إبان اليقظة . فنظرنا إلى الوجه الآخر من الحياة مزيج من المشاعر والهوايات والأذواق . ولذلك يصح أن يتخذها علماء النفس أساسا لبحثهم فى الأمراض المختلفة ، وخصوصا إذا اهتموا بالتحليل الخالص . فهو شئ لا وجود له أصلا ، وإذا أنت ضيعت على نفسك فرصة فإنما تضيعها إلى الأبد ، وإنك إذ تعتمد فى اختيارك للأمور على سواك وتقوم بتقليد حياة الآخرين من أجل تزيين حياتك ، تفسد قيمة حياتك وتجعلها شيئا خاملا بعيدا عن الابتكار والخلق . فلتكن حياتك إذا قصة من وحى خيالك وعقلك فى الظروف التى تقوم من حواليك والإمكانيات التى تتوفر لديك . اخلقها بنفسك وتحمل مسئوليتها وحدك ، وكن أنت صاحبها من الألف إلى الياء فيها . وعندئذ ستدرك معنى الحياة ..

