سيدي الأستاذ الزيات لقد قرأت كما قرأ غيري ما جرى بين الأستاذ (ساطع الحصري بك) و (الدكتور طه حسين بك) من نقاش حول (الوحدة العربية) فرغبت في نشر حديث كان قد جرى بيني وبين أستاذ فرنسي يدور حول هذا الموضوع.
بدأ الأستاذ الفرنسي حديثه معي بالكلام على ما يسميه الناس بالحقائق فقال: ليس هناك حقيقة مطلقة. قلت: نعم. لأنه ليس هناك نظر مجرد، فبقدر ما يكون امتداد النظر يكون اتساع الأفق.
فشجعه ذلك على الاسترسال فقال: أراكم تلهجون كثيراً (بالوحدة العربية) في هذه الأيام . فهل ترى إمكانها؟ إن مقياس كل شيء في هذا العصر هو الفائدة منه، فما فائدة هذه الوحدة لكم؟ أتعتقد أنك عربي؟ أنت مصري قبل أن تكون عربياً، قبل أن تكون مسلماً. أليس كذلك؟
قلت: ألست تسأل لتعرف الحقيقة؟ قال: بلى!
قلت: حسن إذن. قد يكون الجواب على السؤال سؤالاً آخر، فما هي الدولة؟ وما الفائدة من وجودها؟ قال: إن تعريفها غير متفق عليه، ولم يصل أحد بعد إلى تعريف حاسم لها. أما فائدتها فما أظن أحداً ينكر الفائدة من وجودها؟
قلت: أمعنى ذلك أن الدولة لا توجد لأن تعريفها لم يُحدد؟ قال: من ذا الذي يقول بهذا؟ إنها موجودة رغم ذاك! قلت: أنت تدري أن الدولة مكونة من عناصر هي: وحدة
الدين، واللغة، والجنس، والتقاليد، والتاريخ، والأماني، والغايات. . . وكل هذه العناصر ينتظمها (روح معنوي) يسرى بين سكان الدولة - هو شعورهم - بأنهم يكونون دولة لها وجود، ولها حياة، ولها غاية تسعى إليها. . . الكل المجموعي لا الجميعي لكل هذه العناصر، تنتظمه هذه الروح، هو ما يسمى بالدولة. فماذا ينقص الشعوب العربية من ذلك؟ لا شيء البتة. بل أنا أنظر حولي، فلا أرى شعباً في العالم يضم منه هذه العناصر ما يضمه الشعب العربي. إن ألمانيا الحديثة تقوم على أكذوبة (الجنس) فلنفرض أن (الوحدة العربية) تقوم على أكذوبة من هذا النوع. . . هذا إذا أعوزنا التعلل، وعجزنا عن التعليل!
إن الصعوبة الكبرى في قيام الوحدة العربية، تنشأ من أن العرب شعوب متعددة تخضع خضوعاً تاماً - أو ناقصاً - لدول شتى. كما أن هناك اختلافاً على مدلول هذه الكلمة وتفاصيل هذا المدلول (الوحدة العربية) يفسره كل تبعاً لما يراه أنه الأفق لمصلحته، أو رأيه، أو هواه.
فلو كان العرب كلهم أحراراً، أو لو كانوا كلهم يخضعون لسيادة دولة واحدة لحفزهم الغرض من وجودهم إلى الاتحاد، أو لدفعتهم الغاية المتحدة في التخلص من نير الأجنبي إلى تكوين الوحدة المرتجاة، كما أنهم لو تفاهموا لاتحدوا في وجهة النظر ، وسبيل الوصول.
لو لم تكن (الوحدة العربية) حقيقةً واقعة، لكانت أمراً واجباً. إن الوحدة العربية ليست هدماً للمزايا الجنسية للشعوب
القديمة: كالمصريين، والآشوريين، والبابليين. ولكنها جمع لكل هذه المزايا لتكوين شعب وأحد، وحدته خير من تفرقه على كل حال. أما مزايا الجنس فلا تموت والتوحيد لها بمثابة التطعيم، والتطعيم خير سبيل: للتجديد والتخليد والبقاء. إن الكبرياء العنصرية جهل بمزايا الوحدة، وإذا كانت الوحدة العربية كذباً، فكم من كذب هو أنفس من الصواب عند ذوي الزكانة والبصيرة، والكذب في السياسة، صدق في النظر! الوحدة العربية، حقيقة واقعة، لأنها عقيدة راسخة! الله موجود لأنه واجب الوجود، والوحدة العربية موجودة لأنها واجبة الوجود!
هذا رأيي في الوحدة العربية. أما رأيي في الدكتور طه حسين فهو أن ديدنه أن يأخذ الرأي من طريق السماع والاتباع. فهو لم ينظر في نفسه باعتباره رجلاً موطنه الشرق، ولغته العربية ، ودينه الإسلام، ومأمله العروبة. بل نظر فيما سمع من كلام الأوربيين واتبع ما قالوه بلا تمحيص، وكان خيراً له لو رجع إلى بيئته ، وسار مع طبيعته، ونظر في نفسه واستوحى ما يمليه النظر المجرد والمنطق السليم؛ كما أن نظر الدكتور نظر جزئي لا يتسع للشمول والتعميم، وما ذلك بعيب فيه، ولكنه طبيعة مطبوعة، وإنما العيب أن يخرج الإنسان عن طبيعته، فيكون كمن يجرد نفسه من نفسه، ومن هنا كان خطؤه في فهم الأشياء. هذا إلى أنه من الأدباء وليس من العلماء.

