كانت الوحدة العربية حقيقة تاريخية، احتفظت بقوتها ووجودها عصوراً طويلة : فمذ جمع الإسلام بين أبناء الجزيرة تحت لواء واحد ، قامت الدولة العربية الموحدة ، ولم يمض سوى قليل حتى اندمجت فيها وحدات عنصرية وسياسية جديدة ارتضت الاسلام دينا ، وغلبت عليها العروبة يمضي الزمن : فكانت الدولة الأموية تشتمل فضلا عن الجزيرة العربية على أمبراطورية واسعة تمتد شرقا من السند إلى المحيط الأطلانطى والأندلس غربا، وتحته شمالا حتى أعماق آسيا الصغرى ؛ وقامت الدولة العباسية بعد الدولة الأموية ، فتلقت ترأثها الضخم خلا إفريقية والأنداس ، واستمرت بالرغم من تأثرها بنفوذ بعض الأمم الخاضعة لها ، زهاء قرنين تحتفظ بروح الدولة العربية ووحدتها السياسية ؛ فلما تفككت هذه الوحدة في أوائل القرن الرابع ، وقامت فى مصر بعد ذلك بقليل خلافة جديدة هي الخلافة الفاطمية ، تضاءلت أهمية الدولة العباسية كدولة عربية ، وانضوت أهم الوحدات العربية القديمة، وهى مصر والشام والحرمان واليمن تحت لواء الدولة الفاطمية، ونستطيع أن نقول إن مصر لبثت من ذلك الحين يحدودها السياسية التى كانت تمتد شمالا حتى كليكية في آسيا الصغرى ، وجنوباً إلى ما وراء الحجاز، وغرباً إلى إفريقية (تونس) ، تمثل الدولة العربية الكبرى واحتلت القاهرة مكانة بغداد القديمة في زعامة الاسلام والعروبة، خصوصاً بعد أن قضى التتار على الخلافة العباسية ومحوا رسومها .
لبثت الوحدة العربية في جميع صورها السياسية والفكرية والاجتماعية مائلة بين بغداد والقاهرة طوال العصور الوسطى ؛ ولم تخف أهمية هذه الوحدة على دول السلاطين المصرية، فرأت أن تستكمل مظاهرها التقليدية بإعادة الخلافة العباسية فى مصر بعد سقوطها في بغداد ، واستطاعت مصر أن ترد عن تراث الاسلام والعروبة سيل التتار المتدفق من المشرق ، ولكنها لم تستطع أن تصمد أمام سيل الترك العثمانيين المتدفق من الشمال ؛ وفقدت مصر زعامة الاسلام والعروبة ، وفقدت حرياتها واستقلالها ، في مرج دابق في شمال الشام ؛ وكانت الكارثة المروعة التي سحقت حريات الأمم العربية كلها ، زهاء أربعة قرون .
على أن فكرة الوحدة العربية ، أو الجامعة العربية كما تسمى فى لغة السياسة المعاصرة ، لبثت كامنة في الصدور تترقب فرص الظهور والعمل ؛ ومنذ أواخر القرن الماضى تراها تبدو في الأفق وتثير جزع خصومها من الترك والمستعمرين ؛ وفي أثناء الحرب الكبرى لاحت للعرب بارقة أمل في تحقيق حلمهم القديم وأمنيتهم الكبرى ، فانضموا إلى جانب الخلفاء لقاء عهود ومواثيق مقطوعة ، ولكن نشوة النصر أطاحت بكل عهد وميثاق ، فمزقت الأم العربية من جديد باسم الانتداب وألفت نفسها مضطرة إلى متابعة النضال والكفاح.
ونستطيع أن نقول اليوم إن الأمم العربية قد أحرزت
في هذا النضال قسطا من النجاح، وقطعت مرحلة هامة في سبيل تحقيق أمانيها واسترداد حرياتها ، وهي ترى في ذلك ما يشجعها على استئناف البحث في أمر الوحدة العربية ؟ ولهذه الوحدة اليوم مظاهر كثيرة ، فالأمم العربية تكاد تفكر اليوم بعقل واحد وتشعر بشعور واحد ، وهي فضلا عن كونها تجتمع حول تراث موحد في الدين واللغة والتاريخ المشترك ، ترتبط معاً بروابط فكرية واجتماعية واقتصادية وثيقة ؛ ولسنا بحاجة لأن نطيل في أمر هذه الروابط، فهى ظاهرة ملموسة تنمو بإطراد يبعث إلى القبطة ؛ على أن هذه الروابط المعنوية الوثيقة ليست كل ما يبغيه أنصار المثل الأعلى في شأن الوحدة العربية ، فهم يرون أن هذه الروابط الوثيقة بين الأمم الشقيقة ليست إلا خطوة فقط في سبيل الوحدة الحقيقية ، وهى الوحدة السياسية .
لقد كانت الوحدة العربية السياسية ، كما رأينا ، حقيقة تاريخية ، ولكنها كانت كذلك يوم كانت دولة الإسلام والعروبة تحتفظ بكل منعتها وصولتها ؛ وكان الشرق العربي حراً في ظلها وتحت لوائها . ولكنا اليوم نشهد مظهراً آخر ، فالأمم العربية تعيش تحت أوضاع ونظم سياسية جديدة ، بعضها مستقل أو متمتع بنوع من الاستقلال الداخلى ، وبعضها الآخر لا يزال تحت الانتداب أو الحماية ؛ وهناك دولتان من الدول الأوربية هما بريطانيا العظمى وفرنسا تقتسمان السيطرة والنفوذ في الشرق العربي ، ولكل منهما سياسة خاصة، واتجاه خاص لا يتفقان دائماً ؛ ولكل من الأمم الشقيقة ذاتها مشاكل خاصة ، يتوقف حلها على سياسة هذه الدولة أو تلك ؛ ومن الصعب أن نتصور في مثل هذه الحالة قيام دولة عربية كبرى تضم أم الشرق العربي في صعيد واحد ؛ ويجب قبل أن نتصور
إمكان تحقيق هذه الأمنية أن تتحرر هذه الأمم العربية من كل وصاية أجنبية ، وعندئذ فقط تستطيع أن تعمل على تحقيق وحدتها السياسية حرة طليقة من كل قيد.
والتاريخ الحديث يدلنا على أنه من الممكن أن تؤلف دولة واحدة من شعوب وأجناس مختلفة تتكلم بلغات مختلفة ، كما هو الشأن اليوم في دول مثل روسيا السوفيتية ، وسويسرا، وكندا ؛ فهذه الوحدات السياسية الحديثة تتكون من عناصر وأجناس مختلفة ، وتعيش معاً تحت نظام سياسي وإدارى موحد ، وتؤلف دولا اتحادية من أحدث طراز ؛ ومثل هذا النظام الاتحادى أقرب وأيسر إلى التحقيق بالنسبة لأم وشعوب تجمعها روابط عنصرية قوية ، وتدين بدين واحد ، وتتكلم نفسة واحدة كالأمم العربية ؛ وإذا فالوحدة العربية يمكن أن تكون حقيقة سياسية قائمة ، كما هي اليوم حقيقة معنوية ، لولا أنه تحول اليوم دون قيامها تلك العوامل الخاصة التي هي نتيجة التطورات تاريخية وسياسية لم تردها الأم العربية ولم يكن لها شأن فها .
على أننا نستطيع مع ذلك أن تتصور اليوم تحقيق وحدة فى معنى من المعاني ، بل لقد شهدناها بالفعل تتحقق في صورة من الصور حول المسألة الفلسطينية ، اجتمعت الأم الشقيقة كلها في جبهة واحدة لبحث هذه المسألة مع بريطانيا العظمي، باعتبارها مسألة عربية إسلامية تهم الأمم العربية كلها ؛ وقد كان في ذلك دليل ، أن بريطانيا العظمى تقدر أهمية الوحدة العربية في العمل على توطيد السكينة والسلام في الشرق العربي ؛ وفى اعتقادنا أن إنشاء هذه الجبهة السياسية الموحدة لمناسبة المسألة الفلسطينية إنما هو خطوة جديدة في سبيل الوحدة العربية، قد تقوى وتشتد إذا أفسح لها الطريق ، ولم تلق معارضة من سياسة أجنبية خصيمة تخشى بأسها .
وعلى أي حال، فإنه إذا كان من المتعذر أن تحقق فكرة الدولة العربية الموحدة في العصر الحاضر، للأسباب التى أشرنا إليها ، فإنه يمكن إنشاء نوع من الجبهة السياسية الموحدة ، تنضوي تحت لوائها جميع الأمم العربية، وتكون أداة التوحيد كلمتها وغايتها في جميع الشئون المشتركة، وللأمم العربية أسوة في ذلك بالجامعة الأمريكية ، فالولايات المتحدة وأمم أمريكا الوسطى والجنوبية تنضوى جميعاً تحت
لواء الجامعة الأمريكية التي تتزعمها وتقودها الولايات المتحدة ، وتعقد مؤتمراتها الدولية لتوحيد الآراء والخطط العامة في شئون السياسة الخارجية ، وغيرها من الشئون المشتركة ، وهي قوة سياسية لايستهان بها في مقاومة أية محاولة من الدول الأوربية لبسط نفوذها على أية دولة من الدول الأمريكية الصغري .
فلماذا لا تكون ثمة جامعة عربية من هذا الطراز ؟ ولماذا لا يكون اجتماع كلمة الأمم العربية حول المسألة الفلسطينية نواة لهذه الجامعة السياسية التي يجب أن يوضع لها دستور خاص ، والتي تسبغ بقيامها قوة جديدة على الوحدة المعنوية التي
ترتبط الأمم العربية بروابطها الوثيقة ؟
إن التاريخ يسير ، وما يتعذر تحقيقه اليوم من أمانى الأمم العربية قد يتحقق غداً ؛ وقد يعيد التاريخ نفسه فتصبح الوحدة العربية، كما كانت في الماضي ، حقيقة قائمة ، وتعود الأمة العربية فتتبوأ مكانتها الحقة في العالم القديم.

