لعل أهم ظاهرة تفسر الفنون وتميزها أن وحداتها لا تتكرر ، فليس هناك نموذجان فنيان من صورة واحدة ولا من طراز واحد . كل نموذج فني له شخصيته التي يفترق بها من امثاله ، وطرافته التى ينفصل بها من نظرائه وأشباهه ، فلا يوجد نموذج يتحد مع غيره ، بل لا توجد وحدة داخل نموذج تتحد مع غيرها من وحدات في نماذج أخري .
إذا نظم شاعر قصيدة في رثاء ، ثم اراد ان يرئي مرة اخري ، وجدنا أفكارا جديدة ، وإذا اعاد فكرة حورها تحويرا يكاد ينسينا أصلها . وغير الرثاء من موضوعات الشعر كالرئاء ، ليس هناك قصيدتان تتحدان في الأفكار ، ولا في الخيالات ، ولا في الأصوات ، ولا في أي جانب من الجواب الفنية الخاصة .
والشأن في الموسيقي والرسم والنحت كالشأن في الشعر ، كلما اتممت النظر وجدت فروقا وخلافات لا في النماذج فقط ، بل في وحدات النماذج ، وكما ان الجمال في الطبيعة لا يتكرر بنفس الشكل والصورة ، بل دائما نري وجوها جديدة وألوانا جديدة ، كذلك في الفن : لانتكرر وحدة من وحداته ولا جزئية من جزئياته ؛ فالفردية أصله واساسه ، كل وحدة فرد مستقل بنفسه ، له وضعه ولونه ، ووجهه وملامحه الخاصة ، وكما نتغاير في أصواتنا وصورنا وتقاطيع وجوهنا ، كذلك تتغابر الوحدات الفنية ، فلا توجد وحدتان نتطابقان تطابقا تاما ، أو تتحدان اتحادا تاما.
كل ما يمكن أن يكون في الفن بين وحدة وأخري ، إنما هو شئ من التشابه والتجانس . أما الاتحاد والتكرار فغير ممكنين ، إلا إذا صح أن ننقل صورة أو فكرة في نفس حلتها من الآلوان والأوضاع والآلفاظ والأصوات .
وأكبر الظن أن ذلك ما جعل دراسة الفن معقدة غاية التعقيد ، فأفراده غير متحدة ، والحكم على فرد أو وحدة حكم مقيد بهذا الفرد أو تلك الوحدة ، ومن الخطأ أن نعممه دون اطراده في الأفراد والوحدات الاخري ؛ ولعل ذلك أهم سبب يفسر تخبط النقاد في أحكامهم . وما يشملها من اضطراب واختلاط
ليست أفراد الفن ووحداته من نوع واحد ولا من فصيلة واحدة ، إلا إذا توسعنا في مدلول النوع ومدلول الفصيلة , وقصدنا إلى ما يوجد بين هذه الأفراد والوحدات من مشابهات ومشاكلات قريبة او بعيدة . وهل يمكن ان نجد لوحتين من صورة واحدة ، او قطعتين موسيقيتين من " نوتة " واحدة ؟ إن فكرة الاتحاد لا تتصل بالإنسان ولا بأعماله ، فأهم ما يميزنا التحول والتنوع . كل منا يشترك مع صاحبه في إنسانيته ، ولكنا نختلف بعد ذلك اختلافات كثيرة في الشكل والطبع ، حتى لكأنما تقوم بيننا أسوار فاصلة ؛ وكذلك وحدات الفن ، كل وحدة فن ، ولكن كل وحدة تفترق عن زميلتها افتراق الخلجان على الشاطئ المتقطع - في شكلها وصورتها ، وإن استمدت من موارد واحدة ومياه واحدة
ونحن إذا أخذنا نتبين في ضوء هذه الفكرة آراءنا وأحكامنا ، وما وضعناه للفن من قواعد ومقاييس ، بدا لنا ذلك كله عاجزا عن أن يفسر فنا خاصا تفسيرا تاما ، أو يصور فنانا خاصا تصويرا تاما ، وكيف نصور الفنان أو نحكم عليه ؟ إنه يغلب علينا أن نبحثه في نموذج خاص ، ولكن أي نموذج ؟ إن النماذج مختلفة ، ووحدات النماذج مختلفة ، وإذا حققنا نموذجا وكشفنا ما فيه من جمال ، كان هذا الجمال مقيدا بنموذجنا الذي حققناه ، وكان من الخطأ أن ننقل ما قلناه ، أو ينقله ناقد من بعدنا ، ويطبقه على نموذج آخر ، بل لابد - كلما عرضنا لنموذج - أن نحذف بعض آرائنا التي كوناها ، أو نضيف آراء اخرى ،
أو نعدل فيما ذهبنا إليه من تصوير وتلوين تعديلا يطول ويقصر ، ويكبر ويصغر .
أحكامنا في الفن أحكام معينة بنماذج خاصة ، ومن الصعب أن نطبق حكما مستمدا من نموذج على نموذج آخر ، لأن النماذج لا تتفق ، ولأن النموذج الخاص إنما يفسر الفنان ومهارته في احوال وظروف معينة يتقيد بها ، وقد نحكم على فنان بالاحسان لنموذج صنعه ، بينما نماذجه الأخرى رديئة ، وقد نحكم على اخر بالتقصير لنموذج رديء ، بينما نماذجه الآخرى جيدة . ونفس نظرياتنا العامة في الفن يعتورها هذا النقص ، فما هي الرداءة والجودة ؟ وإلي أي شئ نرجع في قياسهما ؟ هل نعود إلي النماذج ؟ إن النماذج لا تتحد . هل نعود إلي الوحدات الفنية الصغيرة ؟ إنها أيضا لا تتحد ، فلون أبيض في صورة ، لا يكون هو نفسه في صورة اخري . إذ يتقوس أو يتعرج ، أو يطول أو يقصر ، أو يضيق أو يتسع ، أو يذهب يمنة أو يسرة ، بل إن هذا اللون الواحد نفسه تختلف أقسامه ومناطقه بإختلاف ما يقع على دروبه ومساريه من نسب الظلال والأضواء .
ليس هناك جانب فنى يكرر ، سواء في الرسم وغير الرسم ، فالخاطرة عند الشاعر ، إذا عادت ، عادت خلقا آخر ، متميزا بصورة اخري تختلف قليلا أو كثيرا من العودة القديمة . ليس هناك خاطرتان متحدتان في قصيدة ، بل إن الخاطرة دائما إذا رجعت ، شوهت تشويها ، يفصلها من اصلها ، ويضيف إليها شخصية الشاعر الجديد وما يميزه من مزاج وشعور ، وخيال وتفكير ؛ فاذا هي كوحدات الطبيعة في لوحات الرسامين ، إذ يشوهونها - ليعبروا عن أفكارهم - هذا التشوبه الذي يكسبها زينة وإناقة جديدة . وانظر في أي لون أو في أي بدع ، فستراه يختلف دائما بين شاعر وشاعر ؛ ولا يغرنك ما يقال من أن الشاعرين من مدرسة واحدة ، فالمدرسة لا تعني الاتحاد والاتفاق المطلق ، إذا لكان
الشعر شيئا مملا يؤذي الأذهان والأسماع ؛ إنما تعنى المدرسة التشابه في الآذواق ، والتقارب في استخدام الوسائل ؛ أما بعد ذلك فلكل شاعر طريقته الخاصة في التلوين والتصوير .
ويستطيع الباحث ان يعود إلي أي لون فني استخدمه شعراء مختلفون ، ويترك اسمه العام ، ويدقق النظر في استخدام كل منهم له ، فإنه يرى حتما أن كل شاعر يستخدمه بطريقة خاصة ، تفترق قليلا او كثيرا من طريقة صاحبه ، حتى ليثبت في ظنه انه ليس هناك ما يسمي عملا مشتركا بين الشعراء ؛ فتلك الألوان التي تسمى تشبيها واستعارة وجناسا وطباقا ، وغير ذلك من أسماء منثورة في كتب البيان والبديع ، إذا حققناها وجدنا من الممكن أن نستخرج من اللون الواحد أشكالا وصورا عديدة ، فليس تشبيه ابن المعتز مثلا كتشبيه الصنوبري ، وليس طباق أبي تمام كطباق البحتري ؛ وليس جناس ابن الرومى كجناس المعري . يمكن أن يتفق الشاعران في اسم اللون العام ؛ أما بعد ذلك فانهما يفترقان افتراقا شديدا في طريقة استخدامه ، حتى ليخيل إلي الإنسان كأن اللون يتحول عند كل شاعر إلي لون جديد يختلف باختلاف الشعراء ؛ فهو فاقع عند شاعر ، وهو باهت عند آخر . وهو يتراوح بين هذين الصبغين إلي ما لا يحصي من أصباغ عند غيرهما من الشعراء .
ونفس اللون عند الشاعر الواحد ، كلما جمعت طائفة من تعبيراته واستعمالاته ، خرجت إليك منها اصباغ الطيف ، أصباغ للون واحد ، لا يتقيد بعدد ولا بشكل ولا بصورة ، بل في كل مرة يحمل الصبغ حالا جديدة من خيال وشعور وتفكير ، ويتدرج لونه ، بحسب ما تحمل أجنحته من بريق ولمعان ، يحدثان انعكاسا خاصا فيه ، فاذا هو غير صورته المألوفة ، وكأنما اللون في الفن كاللون في الطبيعة يكون على أوضاع واصباغ لا تحمى ؛ فنحن نري اللون الأخضر مثلا في الطبيعة يأتي على صور تختلف
باختلاف مناظره وأماكنه ؛ كهذا التدرج الذي نشاهده في الوان الغسق أو الشفق ؛ وكذلك اللون في الفن يلزمه هذا التدرج ويلزمه هذا التعدد ، ويكاد يصبغ في كل موضع وكل منظر بصبغ خاص يتميز به وانظر في موسيقي الشعر ، فانك إذا نحيت العروض جانبا ، واخذت تنظر بعد ذلك في صوت الأبيات من وزن واحد ، وقرنت بعضها إلي بعض ، وجدت فروقا بينها لا يمكن أن تحدد ، أو بعبارة أدق لم يتعارف بعد على أسماء تشخصها ، فكل بيت له صوته الخاص الذي لا يتكرر مع صوت بيت آخر ، والذي يفضي بنا دائما إلي هذا الحلم الموسيقى الغريب
ليس في الشعر بيتان من صوت متكافئ واحد ، ولا فكرتان من صورة معينة واحدة ، ولا لونان متحدان ، مهما يكن شكلهما او لفظهما او وصفهما ، بل إن اللون الواحد يختلف باختلاف مناطق استخدامه ، وما يؤديه من صوت او شعور او خيال أو تفكير ؛ وهو في كل حال يعبر بصبغ جديد يخالف الأصباغ الأخرى ، ويقرب إليها قليلا أو كثيرا . وهنا تبدو صعوبة تفسير المذاهب الفنية ووصف صناعة الشعراء وما يستخدمونه الوان ؛ فكل لون له اصباغه التي يغرق البصر فيها ؛ ولا بد من تتبع هذه الأصباع في المناظر والمواطن المختلفة ، حتى تعرف درجات حسنها وقبحها ، ومنازلها في أشكالها واوضاعها ، وما اتخذته لانفسها في كل موضع من وجوه مستعارة تعبر عن روعة الشعر وفتنته
وأيضا نحن إذا بحثنا لونا فنيا عند شاعر وأردنا أن نحلله إلي أوضاعه وأصباغه ، كان من الواجب أن نبحثه ونحلله في نور أعم وأوضح ، فلا نكتفي بتفسيره من ديوان الشاعر ، بل نرجع إلي صوره في مدارس الفن المختلفة ، لنعرف كيف تأثر الشاعر الذي ندرسه بمن سبقه ، وكيف أثر فيمن لحقه ، وما مقدار صنيعه في تحويل اللون وتغيير أصباغه ، وهل قلد في الصورة العامة او جدد ، وما مقدار حظه من التقليد والتجديد . لا بد إذا من
الرجوع إلي مدرسة الشاعر لنري كيف استخدمت اللون ، وكيف نوعت في اصباغه ، وايضا لابد من الرجوع إلى المدارس الفنية الأخرى لننظر صنيعها في استخدام اللون ، وهل فارقت في أصباغة مدرسة الشاعر أو قاربت ، فكثيرا ما تشترك في لون مدارس من اذواق مختلفة ! وهو ما نسمية بالتداخل بين المدارس الفنية إذ ما تزال تتداخل وتتشابك على هيآت وصور شتى ، وبخاصة في استخدام الوسائل ، وما ينجم عنها من الوان واصباغ وصور واوضاع ؟ فالوسيلة الواحدة عمل مشترك بين الشعراء ، ولكنهم يختلفون فيما يستخرجون منها من الوان ثرية واصباغ منوعة ؛ وما يزال شاعر يكد ذهنه ، ويتعب فكره ، حتى يحيل جانبا من هذه الألوان والأصباغ إلي ما يشبه الوان الطيف وأصباغه ، فلكل لون بهجته . ولكل صبغ مسرته .
لا يقف النقاد عند اشتراك الشعراء في الوسيلة العامة بل هم يحظون هذه الوسيلة وطرق استخدامها ؛ فهذه وسيلة قد غمست في "ليفة " العقل ، وتلك اخري قد غمست في " ليفة " الشعور ، وهذه ثالثة قد غمست في " ليفة " الخيال الواهم ؛ وهي في كل مرة تأخذ بحظوظ تختلف من صورة إلي صورة ، ومن لون إلي لون ، ومن صبغ إلي صبغ ونحن لانبالغ إذا زعمنا بأن نقدنا فقير في تفسير هذه الجوانب ؛ فقلما استبان النقاد الوسيلة الفنية في ألوانها وأوضاعها وأصباغها ، وحسبهم أن يجدوا شاعرا يستعمل لونا أو وسيلة في بعض نماذجه ، فيعمموا في الحكم ويطردوه في نماذجه الآخرى ؛ وكثيرا مايفوتهم ان يتبينوا اللون عند صاحبه ومنشئه ، لأن لون الورقة في الشجرة لما يتماثل ولما تنحسر عنه تلوناته الآخرى التى تشترك معه في بدء ظهوره . وحقا أن من أصعب الأشياء وأكثرها تعقيدا أن يفسر ناقد مذهبا فنيا ، بل أن يفسر لونا فنيا ؛ ومع ذلك فان من أجمل ما يشعر به الناقد وأفضل ما يمر به من أوقات أن يحيي في لون فني يستعرض صوره وأطيافه، ويستخرج منه أوضاعه وأصباغه

