الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 161الرجوع إلى "الثقافة"

الوحدة الفنية لا تتكرر

Share

لعل أهم ظاهرة تفسر الفنون وتميزها أن وحداتها لا تتكرر ، فليس هناك نموذجان فنيان من صورة واحدة ولا من طراز واحد . كل نموذج فني له شخصيته التي يفترق بها من امثاله ، وطرافته التى ينفصل بها من نظرائه وأشباهه ، فلا يوجد نموذج يتحد مع غيره ، بل لا توجد وحدة داخل نموذج تتحد مع غيرها من وحدات في نماذج أخري .

إذا نظم شاعر قصيدة في رثاء ، ثم اراد ان يرئي مرة اخري ، وجدنا أفكارا جديدة ، وإذا اعاد فكرة حورها تحويرا يكاد ينسينا أصلها . وغير الرثاء من موضوعات الشعر كالرئاء ، ليس هناك قصيدتان تتحدان في الأفكار ، ولا في الخيالات ، ولا في الأصوات ، ولا في أي جانب من الجواب الفنية الخاصة .

والشأن في الموسيقي والرسم والنحت كالشأن في الشعر ، كلما اتممت النظر وجدت فروقا وخلافات لا في النماذج فقط ، بل في وحدات النماذج ، وكما ان الجمال في الطبيعة لا يتكرر بنفس الشكل والصورة ، بل دائما نري وجوها جديدة وألوانا جديدة ، كذلك في الفن : لانتكرر وحدة من وحداته ولا جزئية من جزئياته ؛ فالفردية أصله واساسه ، كل وحدة فرد مستقل بنفسه ، له وضعه ولونه ، ووجهه وملامحه الخاصة ، وكما نتغاير في أصواتنا وصورنا وتقاطيع وجوهنا ، كذلك تتغابر الوحدات الفنية ، فلا توجد وحدتان نتطابقان تطابقا تاما ، أو تتحدان اتحادا تاما.

كل ما يمكن أن يكون في الفن بين وحدة وأخري ، إنما هو شئ من التشابه والتجانس . أما الاتحاد والتكرار فغير ممكنين ، إلا إذا صح أن ننقل صورة أو فكرة في نفس حلتها من الآلوان والأوضاع والآلفاظ والأصوات .

وأكبر الظن أن ذلك ما جعل دراسة الفن معقدة غاية التعقيد ، فأفراده غير متحدة ، والحكم على فرد أو وحدة حكم مقيد بهذا الفرد أو تلك الوحدة ، ومن الخطأ أن نعممه دون اطراده في الأفراد والوحدات الاخري ؛ ولعل ذلك أهم سبب يفسر تخبط النقاد في أحكامهم . وما يشملها من اضطراب واختلاط

ليست أفراد الفن ووحداته من نوع واحد ولا من فصيلة واحدة ، إلا إذا توسعنا في مدلول النوع ومدلول الفصيلة , وقصدنا إلى ما يوجد بين هذه الأفراد والوحدات من مشابهات ومشاكلات قريبة او بعيدة . وهل يمكن ان نجد لوحتين من صورة واحدة ، او قطعتين موسيقيتين من " نوتة " واحدة ؟ إن فكرة الاتحاد لا تتصل بالإنسان ولا بأعماله ، فأهم ما يميزنا التحول والتنوع . كل منا يشترك مع صاحبه في إنسانيته ، ولكنا نختلف بعد ذلك اختلافات كثيرة في الشكل والطبع ، حتى لكأنما تقوم بيننا أسوار فاصلة ؛ وكذلك وحدات الفن ، كل وحدة فن ، ولكن كل وحدة تفترق عن زميلتها افتراق الخلجان على الشاطئ المتقطع - في شكلها وصورتها ، وإن استمدت من موارد واحدة ومياه واحدة

ونحن إذا أخذنا نتبين في ضوء هذه الفكرة آراءنا وأحكامنا ، وما وضعناه للفن من قواعد ومقاييس ، بدا لنا ذلك كله عاجزا عن أن يفسر فنا خاصا تفسيرا تاما ، أو يصور فنانا خاصا تصويرا تاما ، وكيف نصور الفنان أو نحكم عليه ؟ إنه يغلب علينا أن نبحثه في نموذج خاص ، ولكن أي نموذج ؟ إن النماذج مختلفة ، ووحدات النماذج مختلفة ، وإذا حققنا نموذجا وكشفنا ما فيه من جمال ، كان هذا الجمال مقيدا بنموذجنا الذي حققناه ، وكان من الخطأ أن ننقل ما قلناه ، أو ينقله ناقد من بعدنا ، ويطبقه على نموذج آخر ، بل لابد - كلما عرضنا لنموذج - أن نحذف بعض آرائنا التي كوناها ، أو نضيف آراء اخرى ،

أو نعدل فيما ذهبنا إليه من تصوير وتلوين تعديلا يطول ويقصر ، ويكبر ويصغر .

أحكامنا في الفن أحكام معينة بنماذج خاصة ، ومن الصعب أن نطبق حكما مستمدا من نموذج على نموذج  آخر ، لأن النماذج لا تتفق ، ولأن النموذج الخاص إنما يفسر الفنان ومهارته في احوال وظروف معينة يتقيد بها ، وقد نحكم على فنان بالاحسان لنموذج صنعه ، بينما نماذجه الأخرى رديئة ، وقد نحكم على اخر بالتقصير لنموذج رديء ، بينما نماذجه الآخرى جيدة . ونفس نظرياتنا العامة في الفن يعتورها هذا النقص ، فما هي الرداءة والجودة ؟ وإلي أي شئ نرجع في قياسهما ؟ هل نعود إلي النماذج ؟ إن النماذج لا تتحد . هل نعود إلي الوحدات الفنية الصغيرة ؟ إنها أيضا لا تتحد ، فلون أبيض في صورة ، لا يكون هو نفسه في صورة اخري . إذ يتقوس أو يتعرج ، أو يطول أو يقصر ، أو يضيق أو يتسع ، أو يذهب يمنة أو يسرة ، بل إن هذا اللون الواحد نفسه تختلف أقسامه ومناطقه بإختلاف ما يقع على دروبه ومساريه من نسب الظلال والأضواء .

ليس هناك جانب فنى يكرر ، سواء في الرسم وغير الرسم ، فالخاطرة عند الشاعر ، إذا عادت ، عادت خلقا آخر ، متميزا بصورة اخري تختلف قليلا أو كثيرا من العودة القديمة . ليس هناك خاطرتان متحدتان في قصيدة ، بل إن الخاطرة دائما إذا رجعت ، شوهت تشويها ، يفصلها من اصلها ، ويضيف إليها شخصية الشاعر الجديد وما يميزه من مزاج وشعور ، وخيال وتفكير ؛ فاذا هي كوحدات الطبيعة في لوحات الرسامين ، إذ يشوهونها - ليعبروا عن أفكارهم - هذا التشوبه الذي يكسبها زينة وإناقة جديدة . وانظر في أي لون أو في أي بدع ، فستراه يختلف دائما بين شاعر وشاعر ؛ ولا يغرنك ما يقال من أن الشاعرين من مدرسة واحدة ، فالمدرسة لا تعني الاتحاد والاتفاق المطلق ، إذا لكان

الشعر شيئا مملا يؤذي الأذهان والأسماع ؛ إنما تعنى المدرسة التشابه في الآذواق ، والتقارب في استخدام الوسائل ؛ أما بعد ذلك فلكل شاعر طريقته الخاصة في التلوين والتصوير .

ويستطيع الباحث ان يعود إلي أي لون فني استخدمه شعراء مختلفون ، ويترك اسمه العام ، ويدقق النظر في استخدام كل منهم له ، فإنه يرى حتما أن كل شاعر يستخدمه بطريقة خاصة ، تفترق قليلا او كثيرا من طريقة صاحبه ، حتى ليثبت في ظنه انه ليس هناك ما يسمي عملا مشتركا بين الشعراء ؛ فتلك الألوان التي تسمى تشبيها واستعارة وجناسا وطباقا ، وغير ذلك من أسماء منثورة في كتب البيان والبديع ، إذا حققناها وجدنا من الممكن أن نستخرج من اللون الواحد أشكالا وصورا عديدة ، فليس تشبيه ابن المعتز مثلا كتشبيه الصنوبري ، وليس طباق أبي تمام كطباق البحتري ؛ وليس جناس ابن الرومى كجناس المعري . يمكن أن يتفق الشاعران في اسم اللون العام ؛ أما بعد ذلك فانهما يفترقان افتراقا شديدا في طريقة استخدامه ، حتى ليخيل إلي الإنسان كأن اللون يتحول عند كل شاعر إلي لون جديد يختلف باختلاف الشعراء ؛ فهو فاقع عند شاعر ، وهو باهت عند آخر . وهو يتراوح بين هذين الصبغين إلي ما لا يحصي من أصباغ عند غيرهما من الشعراء .

ونفس اللون عند الشاعر الواحد ، كلما جمعت طائفة من تعبيراته واستعمالاته ، خرجت إليك منها اصباغ  الطيف ، أصباغ للون واحد ، لا يتقيد بعدد ولا بشكل ولا بصورة ، بل في كل مرة يحمل الصبغ حالا جديدة من خيال وشعور وتفكير ، ويتدرج لونه ، بحسب ما تحمل أجنحته من بريق ولمعان ، يحدثان انعكاسا خاصا فيه ، فاذا هو غير صورته المألوفة ، وكأنما اللون في الفن كاللون في الطبيعة يكون على أوضاع واصباغ لا تحمى ؛ فنحن نري اللون الأخضر مثلا في الطبيعة يأتي على صور تختلف

باختلاف مناظره وأماكنه ؛ كهذا التدرج الذي نشاهده في الوان الغسق أو الشفق ؛ وكذلك اللون في الفن يلزمه هذا التدرج ويلزمه هذا التعدد ، ويكاد يصبغ في كل موضع وكل منظر بصبغ خاص يتميز به وانظر في موسيقي الشعر ، فانك إذا نحيت العروض جانبا ، واخذت تنظر بعد ذلك في صوت الأبيات من وزن واحد ، وقرنت بعضها إلي بعض ، وجدت فروقا بينها لا يمكن أن تحدد ، أو بعبارة أدق لم يتعارف بعد على أسماء تشخصها ، فكل بيت له صوته الخاص الذي لا يتكرر مع صوت بيت آخر ، والذي يفضي بنا دائما إلي هذا الحلم الموسيقى الغريب

ليس في الشعر بيتان من صوت متكافئ واحد ، ولا فكرتان من صورة معينة واحدة ، ولا لونان متحدان ، مهما يكن شكلهما او لفظهما او وصفهما ، بل إن اللون الواحد يختلف باختلاف مناطق استخدامه ، وما يؤديه من صوت او شعور او خيال أو تفكير ؛ وهو في كل حال يعبر بصبغ جديد يخالف الأصباغ الأخرى ، ويقرب إليها قليلا أو كثيرا . وهنا تبدو صعوبة تفسير المذاهب الفنية ووصف صناعة الشعراء وما يستخدمونه الوان ؛ فكل لون له اصباغه التي يغرق البصر فيها ؛ ولا بد من تتبع هذه الأصباع في المناظر والمواطن المختلفة ، حتى تعرف درجات حسنها وقبحها ، ومنازلها في أشكالها واوضاعها ، وما اتخذته لانفسها في كل موضع من وجوه مستعارة تعبر عن روعة الشعر وفتنته

وأيضا نحن إذا بحثنا لونا فنيا عند شاعر وأردنا أن نحلله إلي أوضاعه وأصباغه ، كان من الواجب أن نبحثه ونحلله في نور أعم وأوضح ، فلا نكتفي بتفسيره من ديوان الشاعر ، بل نرجع إلي صوره في مدارس الفن المختلفة ، لنعرف كيف تأثر الشاعر الذي ندرسه بمن سبقه ، وكيف أثر فيمن لحقه ، وما مقدار صنيعه في تحويل اللون وتغيير أصباغه ، وهل قلد في الصورة العامة او جدد ، وما مقدار حظه من التقليد والتجديد . لا بد إذا من

الرجوع إلي مدرسة الشاعر لنري كيف استخدمت اللون ، وكيف نوعت في اصباغه ، وايضا لابد من الرجوع إلى المدارس الفنية الأخرى لننظر صنيعها في استخدام اللون ، وهل فارقت في أصباغة مدرسة الشاعر أو قاربت ، فكثيرا ما تشترك في لون مدارس من اذواق مختلفة ! وهو ما نسمية بالتداخل بين المدارس الفنية إذ ما تزال تتداخل وتتشابك على هيآت وصور شتى ، وبخاصة في استخدام الوسائل ، وما ينجم عنها من الوان واصباغ وصور واوضاع ؟ فالوسيلة الواحدة عمل مشترك بين الشعراء ، ولكنهم يختلفون فيما يستخرجون منها من الوان ثرية واصباغ منوعة ؛ وما يزال شاعر يكد ذهنه ، ويتعب فكره ، حتى يحيل جانبا من هذه الألوان والأصباغ إلي ما يشبه الوان الطيف وأصباغه ، فلكل لون بهجته . ولكل صبغ مسرته .

لا يقف النقاد عند اشتراك الشعراء في الوسيلة العامة بل هم يحظون هذه الوسيلة وطرق استخدامها ؛ فهذه وسيلة قد غمست في "ليفة " العقل ، وتلك اخري قد غمست في " ليفة " الشعور ، وهذه ثالثة قد غمست في " ليفة " الخيال الواهم ؛ وهي في كل مرة تأخذ بحظوظ تختلف من صورة إلي صورة ، ومن لون إلي لون ، ومن صبغ إلي صبغ ونحن لانبالغ إذا زعمنا بأن نقدنا فقير في تفسير هذه الجوانب ؛ فقلما استبان النقاد الوسيلة الفنية في ألوانها وأوضاعها وأصباغها ، وحسبهم أن يجدوا شاعرا يستعمل لونا أو وسيلة في بعض نماذجه ، فيعمموا في الحكم ويطردوه في نماذجه الآخرى ؛ وكثيرا مايفوتهم ان يتبينوا اللون عند صاحبه ومنشئه ، لأن لون الورقة في الشجرة لما يتماثل ولما تنحسر عنه تلوناته الآخرى التى تشترك معه في بدء ظهوره . وحقا أن من أصعب الأشياء وأكثرها تعقيدا أن يفسر ناقد مذهبا فنيا ، بل أن يفسر لونا فنيا ؛ ومع ذلك فان من أجمل ما يشعر به الناقد وأفضل ما يمر به من أوقات أن يحيي في لون فني يستعرض صوره وأطيافه، ويستخرج منه أوضاعه وأصباغه

اشترك في نشرتنا البريدية