حدث شوقى عن نفسه أنه كان فى الثالثة من عمره ، يوم دخلت جدته إلى الخديو إسماعيل ، وكانت يمينيه رعشة ورجة ، فلا تطرفان عن السماء ، فتحايل الخديو ليطلب هذا الطفل المنعم فى ظلاله ورعايته ، فنثر بدرة من الذهب على البساط بين يدى الطفل ، فتلهى بها ، وفتنه بريقها ، واشتغل بجمع الذهب واللعب به .
وكأنما أحس الخديو أن تكرار هذا العمل يبرىء الطفل من مرضه ، فقال لجدته : (( اصنعى معه مثل هذا ، فانه لا يلبث أن يعتاد النظر إلى الأرض )) ، قالت الجدة : (( هذا دواء لا يخرج إلا من صيدليتك يا مولاي )) ، فقال : (( أحضريه إلى متى شئت ، فأنا آخر من ينثر الذهب فى مصر )) .
لعل هذه الرعشة البصرية هى التى فسحت لشوقى آفاق الوصف ، ففرع فيه وبرع ، ولعله أن كان يرى فى اللمحة الواحدة ما يراه غيره بالإدمان والتحديق ، فيجمع فى خياله مئين الصور ، ثم يلم اشتاتها ، ويوائم بينها ، ويسويها صورة رائعة بارعة ، فيها من الحقيقة لبايها ، وفيها من الخيال سحره وطرافته .
ينقل من الحياة ، ولكنه يضيف إليها ، يحاكى المادة ولكنه يهذبها ؛ يستمد من البيئة ، ومع ذلك يختار سماتها البارزة ، ويصطفي شياتها الواضحة ، فيوفق بينها ، ويخلق منها صورة جديدة موسومة بطابعه ، مترجمة عن احساسه
وتصوره وتصويره .
فالشاعر والفنان كلاهما ينظر إلى الحياة نظرة عميقة متأثرة مدركة ، تتأثر بالجمال ، ووتعى المحاسن أو المباهج والانسجام ، وإن غفل الناس عن هذا ، وتساوى عندهم القبيح منه والمليح .
شوقى إذا شاعر متفوق على من دونه من الرجوحين فى يقظة النفس وشعورها ، ثم هو مقتدر على التعبير عما بجيش بنفسه فى رقة وسلاسة وبراعة .
على أن شوقى كان فنانا يحب الجمال ويؤثره ، يتحدث بذلك أمينه أحمد عبد الوهاب أفندى فيقول :
(( كان يحب الجمال ، ويعنى به كثيرا ، سواء أكان فى الإنسان أو الحيوان أو النبات .
(( وكذلك كان يعجب بالجمال فى الخطوط ، فإذا ورد إليه كتاب ينظر فيه ، فإذا كان خطه رديئا ، قال لى اقرأه وأبقه عندك ، وذكرنى به ، ولو كان هذا الكتاب من صديق ؛ أما إذا كان الخط حسنا فإنه يقرؤه بنفسه ، ويثنى على كاتبه ، وربما حمل هذا الكتاب معه أكثر من يومين ، وربما عاد فنظر إليه وإن كان من سائل )) .
وشوقى فوق ذلك كله شاعر ملهم ، يحس إحساسا مرهفا ، يبصر حيث يعمى غيره ، ويسمع حيث يصم ، ويتفتح قلبه للوحى حيث يختم على قلوب الصم البكم ، ويتكشف الجمال لبصره وبصيرته ، حيث تمشى بصائر أغمار الناس .
وقد تفرد بالوصف ، فكانت عيناه كعدسة المصور
يلتقط بها ما يروقه ، غير أن المصور يخرج للناس ما راقه صورا ميتة على الورق ، محدودة التعبير ، أما شوقى فكان يخرجها صورا حية ناطقة ملحنة ، منوعة التصوير ، والتعبير ، والتفكير .
والوصف أبعد مناحى الأدب مأخذا ، وأصعبها التماسا وأداء ، وحتى هو فى النثر تضيق به قدر الناثرين ، ذلكم بأنه يحتاج دقة فى التصوير ، وصدقا فى التعبير ، ولباقة فى التفكير ، وخفة فى تعاطى الكلام وتناوله ، مع العبارة الشرقة ، والألفاظ المختارة المونقة .
لكن شوقى كان شاعرا وصافا ، حفل شعره بوصف المرئيات فحلى الطبيعة بأوصاف الشروق والغروب والجداول والحدائق والغيم والصحو الخ ، كما غنى شعره بوصف الآثار ، حتى كاد ينطق الجلامد والأحجار ؛ وهو فى هذا الضرب الشاعر الأول الذى أذاع فى المصريين عظمة آثارهم وجلال ملوكهم ، والاعتزاز بحضارتهم وتاريخهم .
ومن شعره التصويري أيضا وصفه الطيارة والغواصة والقطار ، والمواكب ، والمراقص ، والحفلات ، والحروب والأعياد ...
على أن شوقى لو قصرت أوصافه على ذلك كله لعددناه شاعرا يرى الظواهر فيعجب بها ، فيتأثر بما فيها من تناسق وملاحة وجمال ، فيقصد القصيد فى وصف ما راقه وآنقه ؛ لكن شوقى كان كذلك ، وكان فوق ذلك شاعرا ذا ثقافة ودراية بطبائع النفوس ، يستشف ما بها من حزن وألم ، وبغض وحب ، وصراحة ومواربة ، وخداع وإخلاص ؛ قصور النفوس وأجاد تصويرها ، كما رسم مظاهر الجمال وجود رسمها .
يصف هيكل أنس الوجود القائم فى جنوبى أسوان ، هنالك فى لجة النيل ، فيخيل إليك قصور الهيكل غرقى فى اليم ، خائفة يتعلق بعضها برقاب بعض ، والماء يغمر أجزاء منها ، فتبدو البواقى كحسان على الشط يسبحن ، فهن يبدين ، ويخفين ... وقد هرمت القصور وهرم الزمن نفسه ، فهى قديمة العهد ، بعيدة المهد ، على أن فنونها تتجلى حديثة الإشراق ؛ طريقة الأصباغ والألوان ، كأنما قد نداها الفرجون أمس بزيت لامع مشرق ، كأنه نور متألق .
وهذه الخطوط الملاح التى تنطق الصور ، بارعة الفن ، متقنة الطول والعرض ، ماذا تشبه ؟ إنها تشبه أهداب الظباء دقة وانسجاما . والضحايا موائل على الجدران ، لو نفخت فيها الروح لتقت وماءت ومشت ترعى ... وهذه المحاريب الضخام ، أى قدر شيدتها وشادتها ؟ إنها قدر إنس أقوى من الجن ...
ثم يتحدث بعد ذلك عن حظ هذه المحاريب قديما وحديثا ، ويذرف دمعة حرى على هوائها وفنائها ، ويذكر الفراعين وفتوحهم ، والعلم وتقديره لهذه العظمة ...
وهى قصيدة طويلة نقطف منها :
قف بتلك القصور فى اليم غرقى
ممسكا بعضها من الذعر بعضا
كعذارى أخفين فى الماء بضا
سابحات به وأبدين بضا
شاب من حولها الرمان وشاب
وشباب الفنون ما زال فضا
رب نقش كأنما نفض الصا
نع منه اليدين بالأمس نقضا
ودهان كلامع الزيت مرت أعصر بالسراج والزيت وضا
ومحاريب كالبروج بينها
عزمات من عزمة الجن أمضى
وخطوط كأنها هدب ريم
حسنت صنعة وطولا وعرضا
وهذه صورة أخرى بارعة ، يصور بها شوقى الغواصة ، فلا يعرض لتركيبها وحقيقتها وسرعتها وتنفس من بها ، فذلك من وظيفة العلم ، ولكنه يصورها صورة شعرية فيها حقيقة وفيها خيال ، وهي على ذلك تهول فيما تصنع الغواصة في الحرب . إنها ندب في عمق البحر تحت الموج ، في نجوة عن الأنظار ، ترى ولا ترى .
هي الحوت الطويل الضخم ، بل هي أفظع منه ، ففيه شبه منها ، ولو أن الحوت من صلب لسكان غواصة .
والغواصة اشد فتكا وترويعا للبحارة وأعظم بلوى حين تفتح فاها لنسف السفينة ومن عليها وما عليها .
ولن تحمد في حال ، فهي حثون إذا غاصت إلي القاع، لأن البحارة لا يعرفون قرارها ولا اتجاهها ، ثم إذا طفت فهى ذات غدر وكيد ، لأنها تقذفهم بنارها... وديابة تحت العياب بمكمن
أَمينٍ تَرى الساري وَلَيسَ يَراها
هِيَ الحوتُ أَو في الحوتِ مِنها مَشابِهٌ
فَلَو كانَ فولاذاً لَكانَ أَخاها
أَبَثُّ لِأَصحابِ السَفينِ غَوائِلاً
وَأَلأَمُ ناباً حينَ تَفغَرُ فاها
خَئونٌ إِذا غاصَت غَدورٌ إِذا طَفَت
مُلَعَّنَةٌ في سَبحِها وَسُراها
وهذه صورة فنية أخرى رسمها شوقى بفنه السرى
البارع ، حيث صور موقعة استرليتز التى انتصر فيها نابليون على امبراطورى النمسا والروسيا .
حول هذه البقعة التقى النسر الفرنسى بخصميه القويين ، فدارت الحرب ، وكأنما الأمبراطوران وجيشاهما شطرنج يتلهى به نابليون ، على أنه فى لهوه وعبثه صاد الأمبراطورين فى كمين واحد :
حول استرليتز كان المنفى
واصطدام النسر بالمستنسرين
وضع الشطرنج فاستقبلته
ببنان عابث باللاعبين
فإذا الملكان هذا خاضع
لك في الجمع وهذا مستكين
صدت شاه الروس والنمسا معا
من رأى شاهين صيدا فى كمين
وهاك هذا التصور الرائع للنخل حين يوشى سعفها لهب الشروق أو حمرة الشفق ، وحين يغمرها النور من السماء المصحية أو الغائمة ، وكأنها فى وقفتها فى هذه الحد من النور وصيفة من وصائف فرعون ، واقفة في ساحة قصره تنتظر طلعته ؛ وكأن هذه الهالة من نور الشفق فى أطراف السعف عصابة مبرقشة بفصوص العقيق ، وتتخلها شذرات من ذهب تزين رأس الوصيفة ؛ وكان البسر (البلح الأحمر) عقود من المرجان مرسلة على صدرها ، وكأن هذه المراجين الصفر فى لون الذهب وشاح تحلى به الجارية كتفيها ؛ وهذه الكرانيف(١) التى تتتابع فى جذع النخل كأنها عقد كثيرة متتابعة فى رداء تكتسى به هذه الجارية . والنخلة بعد ذلك مئذنة الحقول ، وزينة القرية ، وطعام وحلوى ..
سورة رائعة بارعة فى الأدب كله :
تخال إذا اتقدت فى الضحى
وجر الأصيل عليها اللهب
وطاف عليها شعاع النهار
من الصحو أو من حواشى السحب
وصيفة فرعون فى ساحة
من القصر واقفة ترتقب
قد اعتصبت بفصوص العقيق
مفصلة بشذور الذهب
وناطت قلائد مرجانها
على الصدر واتشحت بالقصب
وشدت على ساقها مئزرا
تعقد من رأسها للذنب
أهذا هو النخل ؟ ملك الرياض
أمير الحقول عروس " العزب "
طعام الفقير ، وحلوى الغنى
وزاد المسافر والمغترب
ولشوق بصر بالطبائع وأسرار النفوس كما أسلفنا ، فهو يصور نظرة المحب إلى ما حوله ، يراه كله جميلا ، تروقه مناظر الطبيعة ، ويجعل فى عينيه السكون كله من الجبل إلى الحصاة، ومن الدوحة إلى العشبة ، ويرى ما حوله يبسم له ، تفتنه الأرض والسماء ، والخضرة والماء ، ونسيم الإصباح والإمساء ، وتستخفه أغاريد الأطيار ، وحفيف الأشجار ، فيحيط ذلك قلبه ويعيه ، ويخيل إليه أنه يتحرك فى دمه فيوقظه ويحييه .
يصور الصحراء على لسان ليلى ، الصحراء الجرداء الموحشة المخيفة ، تصويرا يحببها إلينا ، لأن ليلى تحب قيسا ، والحب يخلق من القفر خصبا ، ومن الوحشة أنسا ومن الموت حياة .
على حين تسخر هند من هذا الوصف ، وتنكر على ليلى افتتانها بالصحراء ، وتصور البادية تصويرا بشعا كريها ، لأنها لا تحب ، فلا تحس ما تحسه ليلى .
وشوقى فى مدح الصحراء ، وذمها باررع الوصف ، جزل البيان ، رسام أى رسام ...
قالت ليلى تخاطب ابن ذريح :
أتيت لنا اليــــــــــــــــــوم من يثربِ ****** فكيف ترى عالم الباديه
أكنت من الدور أو في القصور ****** ترى هذه القُبَّة الصافيه
كأن النجومَ على صدرها ****** قلائدُ ماسٍ على غانيه
لها قبلة الشمس عند البزوغ ****** وللحضرِ القبلة الثانيه
ونحن الرياحين ملء الفضاء وهن الرياحين فى الآنيه
وآنا نخف لصيد الظباء وآنا إلى الأسد الضاريه
ويقتلنا العشق، والحاضرات يقمن من العشق فى عافيه
ولم نصطدم بهموم الحياة ولم ندر لولا الهوى ماهيه
هنا فتنة بالبادية . وبراعة فى التعريف بجمالها ، فلننظر ما تقوله هند :
كفى يا ابنة الخال هذا الحرير
كثير على الرمة الباليه
تأمل تر البيد يا ابن ذريح كمقبرة وحشة خاويه
سئمنا من البيد يا ابن ذريح
ومن هذه العيشة الجافيه
ومن موقد النار فى موضع ومن حالب الشاة فى ناحيه
وراغية من وراء الخيام
تجيب من الكلأ النافيه
وأنتم بيثرب أو بالعراق
أو الشام فى الغرف العالية
مغنيكمو معبد والغريض وقينتنا الضبع العاويه
وقد تأكلون فنون الطهاة
ونأكل ما طهت الماشيه
ويصور المرأة الجميلة المحبوبة المختالة حريصة على جمالها ، وإضاءة لونها ، وسحر جفونها ، ونضرة شفتها ، حتى فى موتها ، وهو فهم عميق لغريزة المرأة ، وتصوير ساحر لها . ذلك فى حوار بين كليوباترا وأنوبيس الكاهن الأكبر قبل انتحارها .
هى : ولكن أبى هل بصان الجمال ؟ هو : نعم ، لا يحول ولا يندثر هى : وهل يطفأ اللون ؟ هو : لا بل يضىء كما رف بعد القطاف الزهر
هى : وهل يبطل السحر سحر الجفون ويبلى الفتور ويفنى الحور ؟ هو : كعهد العيون بطيف الكرى إذا الجفن ناء به فانكسر هى : أبى والشفاء ؟ هو : لواتى الذبول
كما احتضر الأقحوان النضر
وما الموت أقسى عليها فما
ولا قبلة من عوادى الكبر
وبعد فهذه عجالة عن الوصف فى شعر شوقى ، يضح منها أن أوصافه تخلق لنا عينا جديدة نرى بها ، وقلبا ثانيا نحس به .

