كتب الأستاذ المحقق حبيب زيات نبذة بعنوان " الوفر بمعنى الثلج (1) " في جملة مباحث خزانته الشرقية ، التي تضم من الجرائد الفرائد ما هو جدير بالعناية والدرس .
وقد ذكر الأستاذ زيات ثلاثة نصوص بصدد هذا البحث ، إثنان من كتاب مطبوع لابن الغوطي ، وهو " الحوادث الجامعة والتجارب النافعة في المائة السابعة " . ( بغداد ١٣٥١ ه ) ، وثالثها من مخطوط في باريس ، وهو " ذيل تاريخ بغداد" لابن الدبيثي .
وقد وقفنا أثناء مطالعاتنا على أخبار أخري في هذا الموضوع ، عنينا بها لما فيها من الفائدة التاريخية من جهة ، وإلي أن لفظة " الوفر " بمعنى الثلج لم ترد في المعجمات العربية التي بأيدينا ، فهي إذن من المستدركات عليها .
وقد جمعنا ذلك إلي ما دونه من قبلنا الأستاذ حبيب زيات ، ورتبنا الكل علي ما يستوجب سياق التاريخ .
قال أبو الفرج بن الجوزي ( المتوفي سنة ٥٩٧ للهجرة )
أنه في سنة ٥١٥ ه " وقعت أمطار عظيمة ، ودامت واتصلت بجميع العراق ، وأهلكت ما علي رؤوس النخل وفي الشجر من الأرطاب والأعناب والفواكه ، وما كان في الصحاري من الغلات . فلما كان انتصاف الليل من ليلة السبت وهي ليلة الحادي والعشرين من كانون الثاني ، سقط الثلح ببغداد ودام سقوطه إلي وقت سقوطه من الغد الظهر ، فامتلأت به الشوارع والدروب ، وقام نحو ذراع ، وعمل منه الأحداث صور السباع والفيلة . وعم سقوطه من بين تكريت إلي البطيحة ، ونزل علي الحاج بالكوفة . وقد ذكرنا في كتابنا هذا (المنتظم ) أن الثلج وقع في سنين كثيرة في أيام الرشيد والمقتدر والمعتمد والطائع والمطيع والقادر والقائم ، وما سمع بمثل هذا في الواقع هذه السنة ، فإنه بقي خمسة عشر يوما ما ذاب ، وهلك شجر الأثرج والنارنج والليمون ، ولم تهلك البقول والخضر ، ولم يعهد سقوط الثلج بالبصرة إلا في هذه السنة .
أنبأنا أبو عبد الله بن الحراني ، قال : لما نزل الوفر ببغداد في سنة خمس عشرة ( وخمسمائة )، قال بعض شعراء الوقت :
يا صدور الزمان ليس بوفر ما رأيناه في نواحي العراق
إنما عم ظلمكم سائر الخلق فثابت ذوائب الآفاق (1)
وقد أخبرنا ياقوت الحموي باسم الشاعر الذي أنشد هذين البيتين ، قال : هو هبة الله بن الحسين بن أحمد البغدادي المعروف بالبديع الأسطرلابي المتوفي ببغداد في سنة ٥٣٤ م .
وأضاف ياقوت بعد ذلك قوله : "الوفر : الثلح بلغة أهل العراق ، قال ( البديع الأسطرلابي ) : ذلك في عام نزل فيه ببغداد ثلج كثير " (2)
ثم ذكر ابن الجوزي في حوادث سنة ٥٥٣ ه ، أن الخليفة المقتفى بالله " خرج في ( شهر ) رجب ، وأحضر قويدان وخلع عليه ، وأضاف إليه عسكراً كثيرا ، ونفذ به إلي بلاد البقش ، وأقطعه البلاد والقلاع ، ثم وصل الخبر بأن قويدان قد انضاف إلي سنقر الهمذاني واتفق معه ، فبعث الخليفة مملوكا يقال له قيماز العمادي في جماعة يطلبونهما ، فهربا ثم انضافا إلي ملك شاه ، فأدركهم الجوع والوفر (3) فهلك أكثرهم . . " (4) .
وبعد عشر سنوات من هذا الحادث ، أي في سنة ٥٦٣ ه ، نزل الوفر ببغداد . قال أبو الفرج : " . وخرج التشريان بغير مطر ، وكثر الموت ، وفي صبيحة الاثنين وقع وفر إلي أن طبق الأرض إلي قريب نصف الليل " (5).
وذكر في حوادث سنة ٥٦٧ ه . أن " في صبيحة الثلاثاء العشرين من جمادي الأولى ، أصبحت الدنيا شديدة البرد ، وسقط الوفر علي الناس نهاراً إلي وقت الظهر إلا
أنه كان خفيفاً " (1)
وروى ابن الدبيثي (المتوفي سنة ٦٣٧ ه ) في ترجمته محي الدين الشهرزوري (2) قال : " من شعره ما أنشدني أبو الفتح محمد بن علي بن المبارك البغدادي ، قال : أنشدني نفسه ونحن جلوس بداره وكان الوفر ينزل :
ولما شاب رأس الدهر غيظا
لما قاساه من فقد الكرام
أقام يميط عنه الشيب غيظا وينثر ما أماط علي الأنام (3)
أما ابن الغوطي ( المتوفي سنة ٧٢٣ ه ) ، فقد روي في حوادث سنة ٦٦٧ ه أنه " سقط ببغداد وفر كثير كان سمكه في السطوح دون الشبر " (4)
وقال في " سنة ٦٧٤ ه وقع ببغداد وفر كثير علا على الأرض مقدار شبر " (5).
يظهر من هذا كله أن لفظة " الوفر" بمعنى الثلج عراقية قديمة ، عرفها أهل العراق منذ ايام الدولة العباسية وقد جاءتهم من جيرانهم الفرس لأنها مأخوذة " من ( برف ) الفارسية ، ويلفظها بعضهم ( ورف )، وبالقلب (وفر) " (6)
وقد ورد في معجم ( فارس )الفارسي اللاتيني في مادة (ب ر ف ) : " برف ؛ وبالعربية ثلج " ؛ ثم قال : " برف آب : ماء مثلج " (2)
والثلج بالكردية (بفر) ؛ وقد جاءتها أيضا من الفارسية . قال صاحب المعجم الكردي العربي : " بفر لغة في برف وهو الثلج " (1) .
نختم كلمتنا هذه بأغنية شعبية يرددها أهالي جنوبي العراق ، وفيها اشارة جميلة إلي " الوفر" فهم يقولون :
سنونك بيض مثل الوفر(2) بهن
دواليك بكلي وفر (3) بهن
لو أن جنحان عندي وفر (4) بهن
لجيك بساعة النطوى على
طيف الخيال
طالعت في هذه المجلة (5) البحث الطريف الممتع للدكتور فؤاد حسنين ، بعلوان " محمد بن دنيال" مؤلف كتاب " طيف الخيال " فرأيت أن أعقب على ما ورد في عبارته التالية :
" ولعل أقدم إشارة في الأدب العربي إلي هذا الفن ( أي فن خيال الظل ) ، حسب رواية صاحب كتاب فوات الوفيات ، الجزء الأول ص ٢٤٨ ، طبع بولاق عام ١٢٨٣ ه ، هي تلك التي جاءت في الأبيات الثلاثة المنسوبة لوجيه الدين ضياء بن عبد الكريم الذي عاش في القرن الثالث عشر الميلادي ، والتي ذكرها الأبشيهى في المستطرف باب ( في ذكر الدنيا وأحوالها وتقلبها بأهلها ، والزهد فيها ) ؛ وقد شبهها بعضهم ( بخيال الظل ) فقال :
رأيت ( خيال الظل ) أعظم عبرة لمن كان في علم الحقائق راقي
شخوصاً وأصواتاً يخالف بعضها لبعض وأشكالا بغير وفاق
تجيء وتمضي بابة بعد بابة وتفني جميعاً والمحرك باق (1)انتهي
قلنا : إن القرن الثالث عشر الميلادي ، يقابله القرن السادس للهجرة ، أي من سنة 598 إلي ٧٠٠ ه ، وهي التي عاش خلالها وجيه الدين المذكور (2) الذي قيل في أبياته الثلاثة المنقولة أعلاه ، إنها أقدم ما ورد في طيف الخيال .
وكنا قد وقفنا على خبر في طيف الخيال ، أقدم من ذلك بنحو من أربعمائة سنة ، إذ انه يرتقي إلى أواسط المائة الثالثة للهجرة ، وذلك فيما ورد في " الديارات " للشابشتي ، وهو كتاب فرغنا من تحقيقه والتعليق عليه تمهيداً لنشره . وإليك عبارته :
" وقال دعبل ( لعبادة المخنّث ) يوماً : والله لأهجونك ، قال : والله لئن فعلت ، لأخر جن أمك في الخيال ! " (3)
وقد أورد الحصري القيرواني في " ذيل زهر الآداب " (4) هذه الرواية بإختلاف يسير عما نقلناه عن الشابشتي .
ومن المعروف أن وفاة الشاعر دعبل كانت في سنة ٢٤٦ ه ، ووفاة رفيقه عبادة كانت في حدود سنة ٢٥٠ ه .
وثمة ملاحظة طفيفة نقولها في تسمية صاحب كتاب
" طيف الخيال " فقد ورد اسمه في المقال المذكور " محمد بن دنيال " وبينما أن المراجع التي ساقت ترجمته (1) أجمعت على تسميته " محمد بن دانيال " باثبات الألف بعد الدال في لفظة دانيال .
ومما كان يحسن النص عليه في هذا المقام ، ان المستشرق جورج يعقوب (Georg uacob) ، المتوفي سنة ١٩3٧ نشر سنة ١٩١٠ في بلدة أرلنجن من أعمال ألمانية ، جانبا من كتاب طيف الخيال لابن دانيال .
(بغداد)
كوركيس عواد

