الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 955الرجوع إلى "الرسالة"

الولايات المتحدة الأمريكية

Share

- ٦ -

سياسة العزلة:

كان سكان الولايات المتحدة الأوائل قوما عذبوا في سبيل  دينهم وحرياتهم، وقد دفعهم الظلم الواقع عليهم إلى الهجرة إلى  العالم الجديد. وهجرة الوطن والاغتراب عنه ليسا أمراً هيناً.  ولكن الظلم والاضطهاد يحببان الإنسان الحر فيهما ويدفعانه إليهما.

ولا يقيم ضيم يراد به ... إلا الأذلان عبر الحي والوتد

ولما استقر سكان الولايات في ولاياتهم حاولت إنجلترا أن  تستغلهم شأنهم في ذلك شأن المستعمرات، ولكنهم وقفوا في  وجهها وانتهى الأمر باستقلالهم ١٧٧٦.

قرر الأمريكان منذ اللحظة الأولى أن العالم القديم مملوء  بالشرور والآثام والمشاكل، وانتهجوا (سياسة العزلة) ومضمونها  ألا تساهم الولايات المتحدة قي اتحادات أوربا السياسية وألا تشترك مع أية دولة أوربية في حل المشاكل التي تقوم في أوربا،  كما قررت الولايات عدم التدخل في شؤون البلاد الأمريكية التي حررت نفسها من المستعمر الأوربي باعتبارها دولة أمريكية.

وقد سارت أميركا على هذه السياسة ولكن الحرب لم  تلبث أن نشبت في أوربا عقب قيام الثورة الكبرى في فرنسا  سنة ١٧٨٩، وانقلبت أوربا إلى أتون حربي في الفترة من سنة ١٧٩٣ - ١٨١٥، وكان النضال بين إنجلترا وفرنسا عنيفا  وعنيفا جدا: ذلك أن إحداهما كانت سيدة البحار، وهي إنجلترا  وقد تيسر لها القضاء على البحرية الفرنسية، ولكنها لم تستطع  أن تنزل إلى البر لتقضي على فرنسا.

وكانت الثانية فرنسا سيدة البر التي استطاع ابنها العبقري  نابليون أن يصرع الملوك وان يذل القياصرة، ولكنة لم يستطع

أن ينزل بإنجلترا الهزائم في البحر، بل بالعكس حطمت  إنجلترا أساطيله.

طال النضال بين الدولتين ولجأتا إلى الحرب الاقتصادية:  فقررت إنجلترا محاصرة الشواطئ الفرنسية، ورد نابليون عليها  فقرر أن الجزائر البريطانية في حالة حصار، وحرم على الدول  الأوربية الاتجار معها، وكان غرضه أن يميتها جوعا. فردت  إنجلترا عليه بأن قررت منع دخول سفن البلاد المحايدة (ومنها  أمريكا) الموانئ الفرنسية أو الموالية لها إلا بعد مرورها على الموانئ  الإنجليزية ودفع الإتاوة المطلوبة.

وقرر نابليون أنه ما دام الحياد قد أصبح ممنوعاً في البحر  فهو ممنوع أيضا في البر، وطال النضال واشتدت الحرب حتى  انتهت بهزيمة فرنسا وتسليم نابليون١٨١٥.

وقد أصاب التجارة الأمريكية ضيق شديد بسبب سياسة  إنجلترا البحرية، ومنعها للسفن الأمريكية من دخول الموانئ  الأوربية، كما أنها قبضت على كثير من البحارة الأمريكان ،وبلغ الضيق أقصاه (١٨١٢) فقامت الحرب بين الدولتين.

لم تكن الحرب بالنسبة للولايات المتحدة نصرا خالصا وإن  انتصرت في النهاية، كما أنها لم تفد شيئاً من هذا النصر، فلم تنل  توسعا إقليميا ولم تظفر بأي كسب خارجي يبرر ما أنفقت من  أموال وما فقدته من رجال (٢١ ألف بحار، ٣٠ ألف جندي)  وبرغم هذا يؤمن بعض المؤرخين بأن هذه الحرب قد أفادت  الولايات الأمريكية فوائد جمة:

أولا - دعمت هذه الحرب الوحدة القومية إذ أنها دفعت  سكان الولايات إلى أن يقفوا صفاً واحدا يدافعون عن وطنهم  واستقلالهم. وقد أكد البرت جالاتين وزير مالية أمريكا  (١٨٠١ - ١٨١٣) أن الأمريكيين كانوا أنانيين جداً، شديدي  التفكير تفكيرا محليا، فلما جاءت الحرب (جددت الشعور  الوطني والخلق الوطني اللذين جاءت بهما الثورة، واللذين كانا  يتضاءلان مع الأيام، فلقد أصبحت للشعب أهداف توثق بين  أفراد وترتبط بها كرامتهم وأفكارهم السياسية. فهم الآن  أمريكيون أكثر من ذي قبل، وهم يشعرون ويتصرفون كأمة.

وإني لشديد الأمل بأن هذا التطور خير ما يضمن دوام  الاتحاد (وتعتبر هذه الحرب حرب الاستقلال الثانية) .

ثانيا - عرفت أمريكا أن الاستقلال الاقتصادي جوهري  تماما مثل الاستقلال السياسي، بل عرفت ما هو أكثر من هذا،  عرفت أن الاستقلال السياسي لا يمكن أن يقوم ولا يمكن أن  تكون له قيمة إلا إذا قام على أساس الاستقلال الاقتصادي،  ولهذا لجأت الولايات المتحدة إلى حماية استقلالها الاقتصادي  ففرضت تعريفة جمركية تسمح بازدهار الصناعة الأمريكية.

مبدأ منرو:

سارت الولايات الأمريكية في سياستها الخارجية على مبدأ  العزلة كما رأينا، وقررت عدم الاشتراك في أي اتحاد أوربي، كما قررت  عدم التدخل في شؤون الولايات الأمريكية التي تحصل على استقلالها.

وفي ١٨١٧ تولي جيمس منرو رئاسة الجمهورية الأمريكية  وكان شديد الرأي حازما فيما يقر رأيه عليه (وقد وضع منرو  مبدأ هاما في السياسة الأمريكية عرف باسمه وأهم ما جاء فيه:

أولا - إن أية أمة أمريكية تحصل على استقلالها لا يمكن  أن تعود مستعمرة ثانية، وأن أي اعتداء على استقلالها تعتبره  الولايات المتحدة عملا عدائيا بالنسبة لها أو بعبارة أخرى وضع  منرو مبدأ وجوب عدم تدخل الدول، الأوربية في الشؤون الأمريكية.

ثانيا - إن قارتي أمريكا بما تتمتعان به وتحافظان عليه  من حرية واستقلال قد أصبحتا غير خاضعتين لاستعمار أية دولة  أوربية في المستقل.

ثالثا - إن النظام السياسي للدول الأوربية يختلف تماما  عن نظام أمريكا، ويجب أن تعتبر أية محاولة من جانب تلك  الدول لبسط نظامها على أي جزء في هذا النصف من الكرة  الأرضية خطرا على سلامتنا وامتنا.

رابعا - لم نتدخل ولن نتدخل في شؤون المستعمرات  القائمة أو البلاد التابعة لأية دولة أوربية.

خامسا - لم نساهم بأي نصيب في الحروب التي نشبت  بين الدول الأوربية لأمور خاصة بها، كما أنه ليس مما يتفق مع  سياستنا أن نفعل ذلك.)

ولعل أحد القراء يسألني: ما هي الظروف التي أدت إلى أن  يصدر الرئيس منرو تصريحه هذا؟ والجواب على ذلك أن  بعض الأمم الأمريكية مثل الأرجنتين وشيلي قد انتهزت فرصة  الثورة الفرنسية وانشغال أوربا أثناء حروب نابليون وأعلنت  استقلالها وخروجها على إسبانيا. وفي ١٨٢٢ خول الرئيس  مونرو - تحت ضغط شعبي عنيف - سلطة الاعتراف بالدول الجديدة وهي كولومبيا وشيلي والمكسيك والبرازيل، وتبادلت  الولايات المتحدة التمثيل السياسي مع هذه الدول الناشئة، وتم  اعتراف الولايات المتحدة بهذه الدول على أنها دول شقيقة  مستقلة تقف معها على قدم المسواة مكونة جزءا من أمريكا الحرة.

في هذه الأثناء كانت الدول الأوربية الكبرى قد كونت  التحالف الرباعي وكان الغرض الرئيسي من إقامته منع فرنسا من  العودة إلى الثورة وتهديد السلام الأوربي، ولكن مترنيخ رئيس  وزراء النمسا وزعيم الرجعية وعدو الحرية والقومية حاول تأويل  نصوص المحالفة الرباعية تأويلا يمكنه من دعم الحكم المطلق  الذي كان قائما في النمسا ومن مقاومة الحركات القومية. وقد  نجح في كسب قيصر روسيا وملك بروسيا بل وفرنسا إلى  جانبه. احتجت إنجلترا على ذلك التدخل في شؤون الأمم الذاتية  ولكن احتجاجها ذهب عبثا، فقررت الدول القضاء على الثورات  التي قامت في نابلي وفي بيرمنت ١٨٢٠ تطلب الحكم الدستوري  وعهدت إلى النمسا بتنفيذ ذلك.

ثم قامت ثورة دستورية إسبانيا ١٨٢٠ فقررت الدول  القضاء عليها ي مؤتمر ١٨٢٣ ووكلت إلى فرنسا تحقيق  ذلك. خافت أمريكا من أن تقضي فرنسا على الثورة الدستورية  في إسبانيا ثم تنتقل بعد ذلك إلى القضاء على استقلال الدول  الأمريكية الناشئة لتكون لها مناطق نفوذ فأعلن رئيسها مترو  مبدأه السابق حتى يمنع فرنسا أو غيرها من التدخل في شؤون  الدول الأمريكية الجديدة.

وقد احتجت إنجلترا على تدخل الدول في شؤون إسبانيا،

وخافت أيضا من أن يمتد نفوذ فرنسا إلى الدول الأمريكية التي  كانت تستأثر بجانب كبير من تجارتها الخارجية، ولكن  احتجاجها ذهب أدراج الرياح فسارع وزير خارجيتها كانتج إلى  الاعتراف باستقلال الدول الأمريكية الجديدة (حتى ينشئ) كما  قال (عالما جديدا يوازن ما تحصل عليه غيره من الفوائد في العالم القديم) .

قويسنا

اشترك في نشرتنا البريدية