أرجو ألا يغضب الفنيون من حديثى هذا فإنه لا يزيد على مداعبة فى بعض ليالي شهر الصيام ، وكل عام والجميع بخير .
ليس يقدم على الأعمال الجليلة إلا من يجهل خطورتـها ، والأمثلة كثيرة على ذلك . وقد قيل إن كثرة العلم تميت الهمة ، وإن كثرة التفكير تقتل الإقدام .
فلو كان كولمبس مثلا من البحارة الفنيين وأخذ يفكر كما يفكر البحارة الذين تعودوا السير فى البحار لما أقدم على رحلته التى كانت نتيجتها كشف أمريكا ، لأن الفنيين لا يقدمون على عمل جديد لم يسبق لهم عهد به إلا بعد أن يقتلوا الموضوع بحثاً وينظروا في كل احتمالاته ، ومتى قتلوا الموضوع ببحثهم انتهي الأمر فلا داعى للتفكير في القتيل .
ولكن كولمبس كان رجلا من الحالمين الذين يذهبون فى أحلامهم إلى أبعد مدى ، ويمتاز الحالمون بأنـهم مؤمنون بأحلامهم ، ويخيل إليهم أنـهـــــا حقائق فيسيرون معها حتى صحوا أخيراً على مفاجأة عظيمة .
وقد آمن كولمبس بأحلامه ، ولم يستمع إلى خبرة الخبراء ، ولم يتقيد بقيود المألوف ، وضرب فى المحيط يريد أن يذهب إلى الشرق عن طريق الغرب . ألم يكن هذا أشبه بالجنون ؟ ومع ذلك فقد فتح كولمبس الطريق إلى الشرق بأن اتجـــه غرباً ، وحدثت أعجوبة من أكبر الأعاجيب .
فأنا استميح الفنيين جميعا بعض التحلل من الاحترام الواجب لهم ، وانجرأ على أن أقترح بعض مقترحات هى بغير شك سخيفة جـــــداً فى نظرهم وهم الخـــــبراء الذين يعرفون الأصول .
وقفت إلى جانب النيل فى هذا العام الذي اشتد فيه الفيضان حتى هدر البلاد بالغرق . وكان قلبى يحس ألماً شديداً لما حاق بالوادي من الكوارث وما نزل ببعض أهله من الشدائد ، وما ضاع من حاصلات ثمينة نحن في أشد الحاجة إليها والعالم المسكين كله يتمنى لو حصل على شىء منها بعد هذه الحرب الطاحنة التي كانت فيها الأمم المتمدنة تتسابق فى التدمير والتخريب .
ولكن الألم كان أشد ، لأننى كنت أرى هذا الماء الأحمر الثمين يسير فى تياره القوى متدفقاً نحو الشمال متجها إلى البحر المالح الذى لا يهمه كثيراً إذا قل الفيضان أو طغى.
وسألت نفسى : هل من سبيل إلى إدخار هذه المياه الكثيرة أو الاستفادة منها ؟
لقد مرت السنوات الطويلة والفنيون يرون بأعينهم كل عام هذه المياه تضيع سدى فى وقت الفيضان ، حتى إذا جاء وقت الربيع واول الصيف جف مجرى النهر وتمنى الناس لو كان فى الإمكان الاحتفاظ ببعض مياه الفيضان لتلك الأيام الفائقة . ولكنهم لم يستطيعوا إلا أن يحتفظوا بجزء صغير من هذه المياه لا يبلغ عشر مـمتار ما يضع سدى فى البحر المالح ومعنى هذا أن أصول الفنى قد عجزت حتى اليوم عن تدبير وسيلة لحفظ هذه المياه المتدفقة .
ولـــكنى كما قدمت غير فنى ، ولهذا تجرأت وقلت إنه لا يوجد شئ مستحيل . وغاية الأمر أن لكل شئ ثمناً وكل غاية ممكنة إذا وجدت لها الوسيلة الكافية .
فهناك كما قيل وديان عالية فى الصحراء يبلغ علوها نحو سبعين متراً . ومن السهل أن باقى هذه المياه فيها لتحفظها هناك على صورة خزان ، وإذا خفنا أن المياه تتسرب في رمال هذه الوديان فلا أقل من أننا نكسب الثواب لإطفاء عطش هذه الرمال المسكينة .
وأظن أن هناك آلات يمكنها أن ترفع المياه إلى
سبعين متراً ، بل لقد قيل إن القوة كفيلة بأن ترفع الأثقال كلها إلى السماء مادامت كافية . ولقد روى عن أحد السادة الفلاسفة أنه قال : ( أعطنى رافعــة ونقطة ارتكاز وأنا أقذف الأرض كلها إلى أعلى القضاء ) .
فلم لا تستطيع قوة الآلات رفع الميـــــاه الحمراء إلى الهضبة الصحراوية المتواضعة ؟
هذا ما تصورته أنا لأننى غير فنى ، وأتمني لو وجد رجل مثلى بين الفنيين لعله يـهديهم بأحلامه إلى ما لم يهتدوا إليه بعلمهم .
وهناك رأي آخر يمليه علي أنى لا أعرف شيئا من أصول فن تدبير المياه . فان صحراءنا واسعة ، وفيها مئات الألوف من الأميال المربعة من الأرض ، ولا عيب فيها إلا أنـها عالية قليلا . فهناك مثلا بين القاهرة والسويس مساحات هائلة لا ترتفع إلا قليلا على مستوى النيل . فقد قيـــــل إن اعلى نقطة فى الطريق بين القاهرة والسويس لا تزيد على خمسين مترا فوق سطح مجرى النهر .
فهل يتعذر علينا أن نجد وسيلة لنافى فى كل عام بعض ملايين من الامتار المكعبة من المياه الحمراء فى هذه المساحات ؟
ولا شك أن هذه المياه لا تذهب هدرا هناك ، لأنــها بالطبع تحيى الموات ، وتـهتز لها الأرض وتربو ، وتثبت من كل زوج بـهيج .
ولقد عجبت من أننا نعجز عن نقل مياه القيضان إلى فيافى الصحراء فى حين أنه كان من الممكن نقل البترول فى أنابيب عظيمة عبر الصحراء من أقصى الأرض إلى ادناها ، فالبترول بنقل من خليج العجم إلى ساحل الشام ، وسوف ينقل من بلاد العرب إلى بيروت قريبا . ولم يتطلب ذلك الأمر إلا أن تبذل فى سبيله الأموال الكافية . فالعلم والآلات والذكاء الإنسانى تكفل تحقيق كل غاية إذا أعدت لها عدتـها .
فما الذي يمنع من نقل مياه الفيضان فى أنابيب عظيمة توصلها من النهر إلى هذه الصحراء الواسعة ؟
هذا سؤال أراء طبيعيا وإن كنت أعتقد أنه سيضحك الكثيرين من سادتى الخبراء الفنيين .
ولقد رأيت فى الصحراء كثيرا من الوديان الخصبة التى تثبت الصبير الطويل ذى الاذرع الخضراء التى تبلغ علو الشجر العالى ، ونبتت الحنظل العظيم الذى يبلغ حجمه حجم البطيخ الشيليان بلاك - بغير مبالغة - وفيها من أنواع الحشائش ما يكفي لآلوف الجمال البيضاء الحرة الظريفة التى ترعي هناك آمنة . ورأيت طميها الناعم الأصفر وقد جف بعد موسم الأمطار فتشقق حتى كان بين كل كتلة منه والأخرى نحو شبى . ومعني هذا أنه طين ناعم يصلح للانبات إذا وجد الماء الكافي .
وهذه الوديان تضمن لنا أينع الفواكه من عنب وزيتون وكمثرى وتقاح وتين وتمر إذا هى وجدت من الماء ما يسقيها ، كما أنـها تكفل لنا ملايين الضأن والماشية التى بلغت لحومها أسعاراً تمنع الناس من شرائها . فما الذى عدم من أن ننقل مهاء الفيضان الضائعة - تلك المياه الحمراء المنذبة - إلى تلك الوديان الفسيحة ؟
هذا سؤال آخر لا شك فى أنه سيضحك الكثيرين من الخبراء الفنيين إذا وقعت أعينهم عليه . ومع ذلك فإنى أتمنى لو وجد بينهم مثلى من الجهلاء بأصول الفن حتى يتجرأوا على التفكير فى مثل هذه الأخيلة المطلقة .
هناك حقيقة مائلة أمام اعيننا لا يمكن أن يشك أحد فيها وهي أن مياه الفيضان تضيع هدراً وتتدفق فى البحر بغير فائدة مع أنـها لا تقدر بثمن . وهذه الحقيقة كافية لأن تدفعنا إلى الذهاب مع أبعد جولات الخيال لتلمس وسيلة من الوسائل للاحتفاظ بـها . وليس أخطر علينا من الاستمرار فى السير على الدرب القديم الذى اختطه من سبقونا . فالمشروعات العظيمة التى تستفيد البلاد بـها اليوم كانت فى أول امرها صورا خيالية فى أذهان بعض الحالين ، ثم تحققت فصارت الآن أشياء عادية لا تثير دهشة
عند أحد منا . فما أحرانا أن نضرب أحياناً فى الخيال لعل الصور التى تحسبها بعيدة تصبح بعد حين حقائق لاندهش ، بل يكون عجب الأجبال القبلة من أنـها بقيت مدة طويلة بغير أن يفطن إليها أحد من الفنيين .
فلا مؤاخذة أيها السادة من الفنيين إذا كنت أتدخل فيما لا اعرف شيئا من أصوله ، وأرجو أن يكون فيكم أحد من الحالين الذين ضلوا عن طريق الأحلام إلى الصفوف المحترمة التى تعرف أصول الفنون ؛ لعل مثل هذا القول يبدو عندهم غريبا مضحكا .
