أما النداء الأول فهو نداء المروءة ، ويلجأ إليه الملهوف إذا اشتدت به الكربة ، ليستنجد بأصحاب الهمة العالية ، والنفوس النبيلة - هؤلاء الذين يعطون ويجدون لذة فى العطاء ، ويجودون لأن الجود من طباعهم ، ويحسنون لأنهم يجدون فى الإحسان جزاء الإحسان ؛ ومن أمثلة هذا النداء ما يبعثه الغريق إذا أوشك أن يهوى إلى الأعماق ، فهو يصارع الموج مصارعة المستيئس ، ويصيح بين شهقاته طالبا المعونة قائلا : " النجدة ! أغيثونى ! " .
ولكن التجربة قد دلت فى البلاد المختلفة والعصور المتعاقبة على أن أصحاب المروءة قليلون . فإذا صاح الغريق وهو يصارع الموت طالبا النجدة ، تجمع الناس على شاطئ البحر ينظرون إليه ، ويشيرون بأيديهم ، ويصيحون صيحات الرثاء والفزع ، ولكنهم لا يخلعون ملابسهم ويقذفون بأنفسهم إلى اليم لإنقاذه إلا أن يكون بينهم واحد أو اثنان أو ثلاثة من أولى النجدة ، فيلبون النداء ويخاطرون بأنفسهم فى سبيل الواجب الإنسانى ، هؤلاء هم الشواذ الذين يستجيبون لنداء المروءة ، وأما الجمهور الأ كبر فيبقى ثابتا على الشاطئ مكتفيا بالتصفيق لأصحاب المروءة .
وليس قعود الأكثرين عن تلبية نداء المروءة راجعا إلى العجز فى كل الأحوال . فقد يمتنع بعض القادرين عن عمل المروءة لأسباب تافهة ترجع فى الغالب إلى الأنانية ، أو الكبرياء . فلنتصور مثلا أن ( س ) باشا مر فى عربته الفخمة بجوار الشاطئ ، فرأى أحد الفلاحين يطفو حينا ويغطس حينا وهو ينادى طالبا النجدة ، فماذا تظن الباشا يفعل ؟ أيأمر سائقه بالوقوف ويخلع ملابسه ويقذف بنفسه
إلى الماء لينتشل الغريق المسكين ؟ إننى أستطيع أن أقسم قسما مغلظا أنه ولو كان أمهر الناس فى السباحة لن يقف لحظة ، بل يمضى فى سبيله وهو يهز رأسه أسفا . هذا إذا كان ممن يتألمون لألم الغير ، والسبب فى هذا أن أمثال ذلك السيد يشعرون أن كرامتهم الاجتماعية تأبى عليهم أن يخلعوا ملابسهم ، ويقذفوا بأنفسهم فى الماء كما يفعل السوقة .
هذا مثل لا أقصد به شيئا سوى أن أقرر الحقيقة التى عرفتها من تجاربى فى الحياة ، ولا أقصد أن أوجه لوما إلى أحد .
ويمكن للقارئ الكريم أن يصور لنفسه أنواعا أخرى من نداءات الاستغاثة ، ثم يسائل نفسه عن صدى تلك النداءات : هل يستجيب لها الكثيرون أم هم القلائل الذين يستجيبون ؟ ومن هم هؤلاء القلائل ، أهم من أصحاب الكبرياء ، أم من المتواضعين !
فإذا تصورنا أن صوتا يعلو فى الليل صائحا : " يا خلق هو ! " فلاشك فى أن الذين يسمعون ذلك النداء لايهبون من مراقدهم الدفيئة سراعا إلى النجدة . اللهم إلا القلائل الذين ألقى الله في قلوبهم حب المروءة والخفة إلى إغاثة الملهوف .
ولكن هناك نداء آخر غير نداء النجدة والمروءة . هناك مثلا نداء التحذير الذى لا يخلو من التهديد ؛ فإذا صاح سائق العربة قائلا : " يمينك ! شمالك " كان الناس أسرع إلى الاستجابة والتنحى عن الطريق ، فإن ذلك أحرى أن يجنبهم دهس العربة - ومن ذلك كان صوت " الكلاكس " العالى رهيبا يفزع السائرون منه ويسارعون لائذين بجانب الطريق .
وقد يكون نداء التحذير منبعثا من وجود خطر داهم ، كما إذا شب حريق والعياذ بالله فإن الجيران يسارعون إلى إطفائه خوفا على أنفسهم أن يمتد الحريق إلى منازلهم
والدول كالأفراد فى أحوالها وطبائعها ، لا فرق بينها فى كل ذلك ، لأن الدول ليست إلا مجموعات من الأفراد . فلندخل الآن فى الموضوع :
ياما أكثر الصيحات التى علت فى مصر من المخلصين أصحاب البصائر تطلب النجدة ! تطلب النجدة للشعب المصرى الذى يئن ويشكو من كل الآفات التى يمكن أن تصيب الإنسانية . فالفلاح مسكين : جاهل - ضعيف جائع - لا يجد المسكن الملائم - ولا يجد الطريق المناسب ، ولا يشرب الماء الصالح ، ولا يلبس الثوب اللائق .
يستأجر الأرض بخمسة وعشرين جنيها للفدان لكى يعمل طول العام فى الصيف والشتاء ، ثم يخرج فى آخر العام بأردب من ذرة بعد أن يسدد ما عليه من نفقات الزراعة ؛ وإذا مرض - فالعياذ بالله . وإذا سرق فالسرقة حرام - نعم هى حرام بلا شك . وإذا وإذا وإذا - أمور تقطع القلب وتدعو أصحاب البصائر إلى طلب النجدة ، ولكن ماذا كان نصيب تلك الصيحات ؟ الميزانية تضيق عن الإصلاح الاجتماعى لأن مواردها محدودة ، والضرائب تمس مصالح أصحاب النفوذ والجاه ، فلا ينبغى أن تزيد على الحدود المتواضعة التى تحفظ على أصحاب الثراء ( بحبحتهم ) ولذلك يجب أن تبقى الميزانية محدودة . وهكذا كان النداء دائما ينتهى إلى دائرة لا يعرف لها طرف . وكانت النتيجة أن الإصلاح ترك يزحف زحف السلحفاة .
ولكن هناك صيحة أخرى ليست من الصيحات الكريمة التى تطلب النجدة وتلجأ إلى المروءة ونبل النفس . هناك صيحة الإنذار التى لا تخلو من التهديد . هناك ( الكلاكس ) العالى الذى ينذر الناس أن يتنحوا عن الطريق وإلا دهستهم العربة . هناك الحمى الراجعة والملاريا والشوكية والتيفوس - ثم هناك الحريق المدمر الذى
ينتشر بسرعة الهواء - هناك الكوليرا أنجى الله البلاد من شرها .
كل هذه نذر مخيفة ونداءات مزعجة تهب البلاد لها كلما سمعتها وتسخر نفسها بكل ما تملك فى سبيل النجاة من الخطر الذى تنذر به . فالدولة لا تبخل بشئ إذا سمعت بهذا النذير وإن كلفها الملايين المملينة - وهى فى ذلك تقوم بواجبها الإنسانى الوطنى كما ينبغى لها ، ولكن ألا يمكن أن نستفيد عظة من كل هذه النذر ؟ .
ألا ينبغى لنا أن نقدر الأسباب التى تنشأ عنها هذه الأوبئة المخيفة ونعمل على تلافيها ؟ لئن خابت صيحات النداء النبيل الذى يطلب النجدة بباعث المروءة ، فإن هذه الصيحات الأخرى التى تنذر بالخطر جديرة بأن تلقى من البلاد كلها آذانا صاغية . إن الطرق الصالحة والقرى المنظمة والمساكن النظيفة ومياه الشرب النقية والإنارة والنظافة - هذا جدير بأن يصرف عليه كل عام عشرات من الملايين . ثم هذا الشعب العامل الذى لا يأكل ولا يشرب ولا يلبس ولا يعرف النظافة ولا يتسع أفقه لمعنى الحياة ، جدير بأن يصرف عليه كل عام عشرات الملايين لكى يعرف الحياة الإنسانية ويتمكن منها .
أما من أين نأتى بهذه الملايين فأمر آخر . علينا أن ندرك أن الحريق إذا شب هدد الناس جميعا ، وأولى بهم أن يدرأوا أسباب الحريق قبل أن يشب . وخير لنا أن نصرف هذه الملايين ، ولو من ديون نتحملها . خير لنا أن نأتى بهذه الملايين من أى طريق ، قريبا كان أو بعيدا . خير لنا ذلك من أن نقعد فى انتظار رهيب نتوقع معه أن يشب الحريق فى كل لحظة ، فنسخو بما عندنا لكى نطفئه . وهذه المصائب التى تحل بالبلاد ، إنما هى نذر شديدة يجدر بنا أن ننتنبه لها ، ونستعد لما يكون بعدها . وإلا كنا كالذى يسمع ( الكلاكس ) العالى ثم يسير مطرقا مغطى الرأس فى وسط الطريق .

