الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 337 الرجوع إلى "الثقافة"

الى من يلزم من السادة الأطباء :، _______________________، فى مستشفى . . . !

Share

هو شاب فنان وديع ، يقطر وجهه حياء إذا تحدث إليك . وهو طالب فى معهد من المعاهد المصرية العليا ، فليس هو من هؤلاء الذين يخلطون بين الفن والبوهيمية . وقد مرض يوما فاضطر إلى أن يلجأ إلى ما تسمى نفسها " الوحدة العلاجية " وهي البدعة التى فرضتها وزارة المعارف علي طلبة معاهدها وألزمتهم من أجلها أن يدفعوا ضريبة سنوية تحت اسم ظريف وهو " رسم التأمين الصحى " . وكان الشاب مطمئنا إلى أنه سوف يذهب إلى مستشفى كريم مملوء بالعطف الملائكى من قلوب إنسانية فياضة بالمحبة ، فالتأمين الصحى اسم ظريف والوحدة العلاجية اسم آخر ظريف ، وإدارة الصحة المدرسية بوزارة المعارف اسم ثالث ظريف . وليس أجدر بالشاب الفنان إذا مرض من أن يشعر بأعظم الاطمئنان إلى أنه سوف يجد العلاج ويفوز بالصحة ويأمن على حياته وقوته فى آخر الأمر . وأرسلته إدارة الصحة المدرسية إلى الوحدة ثم بعثت به الوحدة إلى مستشفى نظيف فى ركن من أركان القاهرة الجميلة لكى يحد فيه الطب والدواء . وذهب الشاب الفنان إلى المستشفى باسم الثغر فارغ القلب واتقا من أنه سوف يجد هناك ما كان يرسمه له خياله من عطف الملائكة والمحبة الانسانية العذبة .

وصاحب المستشفى رجل من نوابغ رجال الطب وقد مهد له نبوغه سبيل المجد - لا فى ميدان العلم الطبى وحده ولا فى ميدان البراعة الطبية وحدها ، بل فى ميدان المال والجاه والنعمة كذلك . وليس فى هذا عجب ، بل هو جزاء الحياة العادلة للنابغين من الرجال .

وقد تعهد الدكتور النابه صاحب ذلك المستشفى بأن يجعل فى مستشفاه أربعة أسرة للمرضى من الطلبة الذين تبعث بهم إدارة الصحة المدرسية ، وذلك لقاء مبلغ متفق عليه من المال رضى به الجانبان كل الرضى ولم يكن فيه تبرع ولا تكرم . ولم يكن فيه نقص ولا غبن .

فالطالب إذا ذهب إلى ذلك المستشفى الظريف ليجد فيه العلاج لا يكون مستجديا ولا مسترحما ، بل هو صاحب حق ترتب له من نظام التأمين الصحى ، وليس عليه فضل لأحد إلا أن تكون كلمة طيبة من ممرضة أو عطف كريم من الدكتور صاحب المستشفى . على أن الكلمة الطيبة من الممرضة لا تكون فى عرف الكرام فضلا بل واجبا . والعطف الكريم من الدكتور النابه صاحب المستشفى لا يكون فضلا كذلك ، بل هو واجب أكيد ، فان مهنة الطب كما هو معروف مهنة الإنسانية العليا، وهى لذلك تحتم على أصحابها من المكارم ما لا تحتمه المهن الآخرى على أصحابها بل إن الطبيب كان منذ أقدم العصور يقسم الأيمان الوثيقة قبل أن يباح له الحق فى التطبيب على أن يرعى مرضاه ويحفظ إنسانيتهم ويكتم أسرارهم ويغمرهم بعطفه وإخلاصه . ولا يؤذى أحدا منهم بفعل أوقول ، لأن واجبه الأول هو أن يكون من خلاصة البشرية العليا .

وجلس الطالب الفنان فى يوم من الأيام على سريره يرسم صورا على صفحة بيضاء . وكان يريد بذلك طبعا أن يتسلى بفنه ويقطع من نفسه السآ مة من الوحدة . وهو شاب خلى القلب لم تدخل بعد الهموم الكبرى إلى قلبه فتثقله  .  فكان يرسم صورا للأشخاص الذين يقع نظره عليهم ، صدرا من النهار أو صدرا من الليل ، ويدخل على تلك الصور من عنده ملامح قد تثير الضحك وقد تبعث إلى قلبه الدفء . وهذا عمل برىء ليس لأحد فيه عليه سلطان .  فمن شاء أن يرى تلك الصور فليرها ،

من شاء أن يضحك معه منها فليفعل ، ومن لم يرض عنها فليذهب عن السرير عابسا أو صامتا وليس عليه من بأس .

ولكن الدكتور النابه رأى بعض تلك الصور فلم تعجبه ولعله رأى فيها بعض وجوه ممرضاته أو لعله رأى فيها صورة نفسه ، ولم تكن مما اعتاد أن يراه من تلك الصور الفوتوغرافية التى يبالغ صانعها فى التجميل والابداع فأحنقه ذلك ، وتذكر فورا أنه صاحب المستشفى ، وأنه الدكتور النابغة الذى تنحنى له الرؤوس إجلالا ، وأنه صاحب الثروة والجاه الذى تخشع له القلوب )إكبارا ، وجعل يعنف الطالب الفنان على ما اقترفت يداه ولكن الشاب كان خفيف القلب مع ما هو فيه من ضعف ومرض فضحك وزادت متعته من غضب الدكتور العظيم فاسمع أيها القارىء واعجب ! فهذا هو ما كان ! لقد رفع الطبيب الكريم يده . تلك اليد التى ما كان لها إلا أن تخفف الآلام وتمسح بالبلسم على الجراح - رفع تلك اليد الظريفة الرقيقة وأهوى بها علي وجه الفتى فصفعه صفعة ألقته على جانب السرير .

وغضب الفتى للصفعة مع ضعفه فهم من سريره لكى ينتقم لنفسه ، فهاج الدكتور العظيم ونادى ملائكة الرحمة الذين حوله من ممرضين وممرضات ، من بيضاء وابيض وسوداء وأسود ، وأمرهم بصوت مخيف مرهب أن يسرعوا لكي يقبضوا على المجرم ، ودعا بالعصا ليوقع على الفتى العقوبة التى يستحقها . أليس طالبا فى بعض معاهد الدراسة ؟ أليست العصا آلة معروفة فى معاهد التعليم ؟

وأغمى على الفتى فلم يحس شيئا ثم أفاق بعد حين وحمله الغضب على أن يرتدى ملابسه ويخرج من بيت الرحمة والصحة والشفاء ، وكانت الساعة عند ذلك العاشرة من ليل الصيف الجميل .

وسار فى الطريق بترنح والغضب يدفعه والضعف يقمد به حتى عجز أخيرا وخر على الأرض من الإعياء .

وأراد القضاء الرحيم أن يمر به رجل من رجال الجيوش المتحالفة . رجل هندى كان يخوض المعارك طوال تلك السنوات الست الدامية ، وكان مع كل ما شهده من قسوة الحروب أرحم من ملائكة السماء . فعرج على الفتى وذاب قلبه رحمة عليه ، ثم مال إليه وحمله وساعده على السير وعرف منه القصة المؤلمة ، فأبى عليه أن يسير وحده فى الطريق ، وألح عليه أن يعود ليقضى الليلة فى المستشفى حتى يدركه الصباح . فعاد الطالب مستندا على ذراع الجندى الهندى حتى نام فى سريره . ثم بكر فخرج فى الصباح لكى يقص على الناس قصة مأساة العلاج .

لقد كنت أرى الناس على أبواب المستشفيات يضربون ويدفعون ثم يعودون وفى أيديهم قارورات الدواء فأعزى النفس عما يلقون من العنت فى سبيل الشفاء ، فإن اليد التى كانت تدفعهم وتقسو عليهم باليمين كانت تقدم إليهم الدواء بالشمال . وكنت أسمع عن قصص ما يجد المرضى فى مستشفيات الحكومة من الشدة فأعزى النفس بأن الضغط الشديد على تلك المستشفيات بجعل من الواجب علينا أن نلتمس لأطبائها المعاذير . ولكن السيل بلغ الزبى كما يقولون وجاوز الحزام الطيبين .

ليست هذه القصة هى أولى القصص المحزنة عن الأطباء ؟ فهناك إذا شئت الإطالة قصص أخرى لا تقل عن هذه القصة بعثا على الخجل والآلم . وإنه ليحزنى أن أتحدث بها عن طائفة أعرف أن فيها من القلوب الكبيرة مئات وألوفا ، وإنه ليحزنى كذلك أن أصيح هذه الصيحة ، ولى من كرام الأطباء سحابة عزيزة ألجأ إليهم فى محنة المرض وأتطلع إليهم رجاء الشفاء . ولكنى أربأ بأصحاب المهنة الإنسانية أن يوجد فيهم من تمتلىء قلوبهم بالكبرياء .

إن الطبيب إذا أحس أنه قد بلغ من الثروة والجاه ما يدخل إلى نفسه الكبرياء ، كان عليه أن يبادر بأن يرمى مبضعه ويهجر سماعته ، ويذهب إلى طائفة أخرى

يمكن أن يتغاضى الناس فيها عن الكبرياء . لمن شاء من أغنياء الأطباء أن يكونوا فى طائفة الاغنياء . ولكن عليهم قبل ذلك أن يعتزلوا مهنة التطبيب التى لا يجمل بها إلا التواضع والرحمة والإيثار .

وإننا على يقين من أن الأطباء أنفسهم سوف يكونون أكثر الناس حنقا على هؤلاء الذين لا يجمل بهم أن يحملوا لقب الأطباء .

اشترك في نشرتنا البريدية