كنت فى شبابى أشعر بالأنفة الشديدة من أن أكون موضعا لرحمة أحد من عبادالله . ولكنى اليوم لا أشعر بالأنفة إذا وجدت رحمة أضعف الخلق تتجه إلى . أليس هذا نوعا من الضعف دب إلى فى الكبر ؟ لا أدرى .
والرحمة بغير شك صفة الإنسان فى أسمى مظاهر الإنسانية . وهى مثل قطر السماء إذ يهمط على الأرض فيحى مواتها . وهى سر من أعمق أسرار الحياة وألطفها ؛ فلولا الرحمة لم يعش الطفل الصغير الضعيف الذى لا يقوى على السعى فى طلب القوت ولا يملك لنفسه نفعا ولا يستطيع ان يدفع عن نفسه عادية العوادى . لولا الرحمة لم يبق ضعيف على الأرض ولم يبق من بعد ذلك بشر فى الحياة . وليس يميز الأمم بعضها عن بعض فى مراقى الإنسانية سوى الرحمة فالأمم الصالحة المتعدلة هى التى تعرف فى معاملاتها الرحمة وتجعلها كما قيل فوق القانون . فالقانون حرف قد يساعد الظالم وقد يعين القوى على طغيانه ، ولكن الرحمة من صفات الإله العادل . فالرحمة الرحمة يا أيتها المراجع العليا الرحمة الرحمة يا من فى أيديكم مصادر الأمور ومواردها !
قد اتجه الفكر الحديث اتجاها جديدا فى وظيفة الدولة يكاد يكون مخالفا للاتجاه القديم الذى اتجهت الدول نحوه من قبل . فالدول كانت إلى عهد قريب لا ترى من واجبها أن تجعل الفرد سعيدا ؛ لم تكن ترى أن واجبها يحتم عليها أن يكون كل فرد من ملايين شعبها سعيدا ، وكانت تؤمن بأن أسلم سياسة لها هى ترك الأمور تجرى فى مجراها . وكان علماء الاقتصاد بساعدون الدول على ذلك الاتجاه لأنهم كانوا يزعمون لها أن امور الناس تتعدل من تلقاء نفسها إذا هى تركت أمورهم حرة من كل قيد ، وإذاهى لم تتدخل فى شئون الأفراد ولا فى معاملاتهم . ولهذا كانت سياسة الدول تجرى على مذهب كان مسلما به فى القرون الخالية ،
لا يكاد أحد يجادل فيه ، وهو أن تترك الأفراد أحرارا يسعى كل منهم إلى تحقيق مصلحته كما شاء وكما استطاع . وكان الاقتصاديون يزعمون أن سعى الأفراد إلى مصالحهم سوف يؤدى حتما إلى تحقيق مصالح المجتمع كله وسوف يوفر السعادة للناس جميعا بعد حين من الزمان .
ولكن ماذا أدى إليه هذا الانطلاق ؟ لست أجيب على هذا ، لأن أحوال العالم نفسها تستطيع أن تجيب . هذه هى الأمم ، وهؤلاء . هم أفراد الأمم . فلننظر هل تحققت السعادة للأمم أو الأفراد .
إن ترك الأفراد أحرارا فى معاملاتهم بغير تدخل قد أطلق العنان المنافسة العنيفة التى لا تعرف الحدود ، مع أن المجتمع لا يقوم إلا على التضامن . والمجتمع لا يلبث أن ينفرط عقده وتتقوض أركانه وتتمزق أوصاله إذا انعدم فيه التضامن وحل محله التنافس . والتنافس المطلق لا يليق إلا أن يكون قانونا للغابة . فهناك تتنافس الوحوش فيما بينها ، فما استطاع منها أن يفترس افترس ، وما استطاع منها أن يهرب هرب ، وما لم يستطع افتراسا ولا هربا كان ضحية فريسة ، هذا قانون الغابة . ولكن المجتمع الإنسانى لا يمكن أن يحياعلى قوانين الغابات .
إذا فالمجتمع فى حاجة إلى التضامن والتضامن يقتضى العدل ويقتضى الرحمة . بل إن العدل لا يمكن أن يسمى عدلا إلا إذا كان أساسه الرحمة . وهذا كلام عام شبيه بموضوعات الإنشاء بغيرشك . وإنى شديد الأسف لأننى اضطررت إلى كتابته لكى اطلب الرحمة من المراجع العليا . فقد أصبح المجتمع اليوم عرضة لعنف من نوع عجيب ، وهو عنف الأوراق المالية . والمنف قد يقع بالسيف وقد يقع بالنبوت وقد يقع بقبضة اليد ، وقد يقع كذلك بالأوراق المالية . تكاثرت الأوراق المالية من فئة الجنيه والخمسة جنيهات والعشرة جنيهات ومافوق ذلك من الأوراق التى لا أعرفها . وأصبحت هذه الأوراق فى أيدى كل من استطاع أن يخطف خطفة من هنا أو يخبط خبطة هناك . فمثلا إذا استطاع رجل جاهل غير مثقف غليظ القلب لا يعرف قلبه الرحمة
ولا سواها من المعانى السامية ، إذا استطاع رجل مثل هذا أن يفوز بتعهد حمل القمامة من أحد معسكرات الجنود المتحالفة الموجودة بمصر ، إذا استطاع ذلك الرجل أن يظفر بمثل هذا التعهد بطريقة من الطرق ، تمكن بعد وقت قصير من أن يعثر فى تلك القمامة على كنزذهبى عظيم . ولست أدرى كيف يعثر هؤلاء المحظوظون على الكنوز الذهبية فى أ كوام قمامة المعسكرات . ولكن هذا هو ما يحدث فعلا ، فما هى إلا عشية أو ضحاها حتى يصبح متعهد القمامة عظيما من العظماء وعينا من الأعيان الوجهاء ، ولست أريد بهذا أن أبحث فى الطرق التى يتمكن بها الناس من أخذ تعهد حمل القمامة من العسكرات ، فأنا أجهل الناس بها وأقلهم صلاحا لها.
ولكن قصدى الأوحد أن أبين أن الكثيرين من غلاظ الأكباد قد فازوا بتعهد حمل قمامة المعسكرات وأمثال ذلك من الأعمال ، وصاروا اليوم سادةأثرياء يلعبون بأوراق البنوك وينثرون على الأرض الشيكات والصكوك ؛ فبعضهم كان يتبع الفراريج ، وبعضهم كان يبيع السمك وبعضهم كان حدادا أو نجارا ، وبعضهم كان لا شىء من ذلك ولا أدرى ماذا كان ؛ ولكنهم عثروا جميعا على الكنوز الذهبية بفضل سر لا أعرفه ولا أقدر على أن أصفه ، فإذا بهم جميعا اليوم قد صاروا سادة السادات فى كل البلاد . ولست أقصد بهذا أن أقلل من قيمة باعة الفراريج فإن فضلهم عظيم على الجميع ، ولا أن أسىء إلى كرامة باعة الأسماك فإنهم كانوا من قبل إخوانى فى الحقوق والواجبات ، فلست أقصد إلا أن أقول إنهم قد صاروا اليوم سادة جبارين فى الأرض ، يملكون فى أيديهم سلاحا عظيما لم نكن من قبل نحس وخزا مثل وخزه ولا وقع حد مثل حده ، لأن الناس كانوا من قبل إذا ملكوا الأموال تكلفوا التجمل ، وإذا أصابوا الغنى جاهدوا أنفسهم بالتواضع . وكان الأغنياء من قبل يحرصون على أن يكونوا أصحاب ثقافة وفضل ، ولهذا كانوا يحسون الرحمة فى قلوبهم ، ويظهرون التلطف فى معاملاتهم . وأما اليوم فهؤلاء السادة الحديثون قد أحبوا أن يشعروا الناس مقدار سطوتهم وسلطانهم ، فنزلوا بأموالهم إلى الأسواق
فجردوها وانهالوا على العقارات فبذلوا فيها الألوف من الأوراق حتى حازوها ، وقصدوا إلى المنازل القديمة فلم يصعب عليهم أن يملكوها . ومن عجيب أمرهم أنهم أرادوا أن بغيروا مظاهر حياتهم الأولى سريعا لكى يظهروا بما يليق بأموالهم من الأبهة ، فرأوا أسهل الطرق إلى استئجار المنازل المناسبة لهم أن يشتروا ما يعجبهم منها ثم يعمدوا إلى الحاكم العسكرى فيطلبوا منه صكا باخلائها لكى يسكنوا فيها . وقد أعطاهم القانون العسكرى حق السكنى فى المنازل التى يملكونها ، وأباح لهم أن يشردوا سكانها ويقذفوا بمن فيها وبما فيها إلى عرض الطريق ، لكى تخلو لهم فيحلوا فيها على الرحب والسعة ويتمتعوا بهوائها وشمسها وحدائقها ورونقها ، لأنهم لم يصبحوا تجار فراريج ولا باعة أسماك ، بل صاروا أعيانا من الوجهاء الذين يحل لهم انتهاب كل مباح .
فانا أطلب الرحمة من أولى الأمر لى ولأمثالى من المساكين الذين يستحقون الرحمة ، فقد غلت الأسعار حتى صارت تبلغ ٤٠٠ ٪ أوأ كثر ، ومع ذلك فرزقنا باق على حاله كما كان . والجنيه قد صار مثل الريال ، والمائة من الجنيهات قد أصبحت لا تزيد فى قيمتها على خمسة وعشرين ، على حين تكاثرت الواجبات وثقلت الأحمال ، ولم نوفق إلى باب من أبواب الرزق الحلال من تجارة فى قمامة أو تعهد بتوريد خضر أو فاكهة .
وقد بعت وباع أمثالى ما استطعنا بيعه مما كنا نملك ، وعرضنا ما بقى للبيع لعل بعض السادة من أصحاب البنكوت يبذل فيه من أوراقه ما يعيننا على مقابلة الحياة . فهل لى أن أجد أنا وأمثالى الرحمة من باب من الأبواب ؟ هناك طريقان للرحمة أعرضهما على المراجع العليا : فاما أن تحمينا من أغنياء الحرب ، وهذا ممكن بطريقة سهلة ، وهى أن تجردهم من السلاح ، ذلك السلاح الورقى الفتاك . فإذا هى لم تستطع ذلك فلا أقل من أن تطبع بضعة ملايين أخرى من تلك الأوراق وتوزعها على وعلى أمثالى من المساكين بالمجان ، لتكون فى أيدينا سلاحا ندفع به عن أنفسنا شر العدوان
