قيل إن امرأ القيس بن حجر الكندي شاعر العرب لجأ إلى قبيلة من قبائل اليمن عندما اشتدت عليه كربة قتال أعدائه الذين قتلوا أباه الملك حجراً .
وكانت عند امرئ القيس بقية من إبل ، فأرسلها ترعى مع إبل القبيلة ، وكانت عنده رواحل قليلة من إبل عجاف ، كان يستخدمها حينا في حمل الماء من البئر إلى الخيام ، ويستخدمها حينا آخر في الانتقال من مكان إلى مكان .
ولكن أعداء امرئ القيس لم يدعوا له فرصة للراحة أو الاستقرار ، فاتبعوه حينما رحل ، وأغاروا على إبله التي كانت ترعي آمنة في جوار شيخ القبيلة اليمنية .
وغضب الشيخ اليمني غضبة شديدة عندما استباح أعداء امرئ القيس جواره ، وأبى إلا أن يخرج وراءهم بطلب استرجاع إبل ضيفه الذي استجار به مهما كلفه ذلك الأمر من مشقة . ولكنه عندما خرج إلي وجهه لم يركب خيله ولا إبله ولا هجائنه بل أخذ رواحل امرىء القيس وأركب عليها بعض أتباعه ، وأسرعوا وراء الأعداء المغيرين قبل أن يعلم امرؤ القيس بخير الخسارة التى لحقت به .
وعلم امرؤ القيس بالأمر بعد حين ، فجلس مهموما ينتظر عودة شيخ القبيلة . ولا شك أن الانتظار كان ثقيلا على نفسه ، ولا سيما وهو من الشعراء الذين وهب الله لهم خيالا واسعاً يصور المخاوف مجسمة ، وبهئ الهموم مهولة مضخمة .
وعاد شيخ القبيلة بعد عدة أيام يمشي على رجليه ، والحياء يجلل وجهه خجلا ، وكان أتباعه جميعا يمشون من ورائه على أقدامهم مطرقين في حزن وانكسار .
فنظر إليهم امرؤ القيس ، وأدرك بفطنته ما وراءهم من الهزيمة والخيبة . ثم صور له خياله الخصب ما في تلك الحال من بواعث الضحك الحزين ، لقد خرج الشيخ على رواحل امرئ القيس بطلب استرجاع إبل امرئ القيس التى سلبها الأعداء ، فلم يصنع سوى أن أضاف إلى الأعداء غنيمة أخرى ، إذ سلبوا منه رواحل ضيفه المسكين . فرآه امرؤ القيس منظراً يبعث على الضحك حقاً ، مع انه كان في الوقت عينه منظراً محزناً . فلم يضيع الشاعر تلك الفرصة ، فقال أبياتاً تمتلئ ضحكاً ودمعا . وقال في آخرها يسأل الشيخ اليمني في مرارة :
دع عنك نهباً صيح في جنباته
ولكن حديثاً ما حديث الرواحل ؟
ومعنى هذا السؤال بلغتنا الحالية ما يأتي : أيها الشيخ اليمني ! لست حزيناً على إبلي التي أغار عليها أعدائي فسلبوها ، فإني أعرف أن هذه سنة العرب في حروبهم ، ولهذا فإني لا اسألك عن تلك الإبل المسروقة ، فإني لا أرى عجباً في أمرها . ولكن خبرني بحق أبيك ، كيف أضمت رواحلي التي خرجت تركب عليها ؟ حدثني كيف سلبوا الرواحل من تحتك ومن تحت أصحابك هؤلاء ؟ خبرني بذلك . فهذا هو الحديث الشائق الذي يهمني أن أسمعه .
ولقد كان امرؤ القيس رجلا مرهف الحس ، يدرك في لمح البصر ما في الأمور من مضحكات ، ولو كان يعيش في زماننا هذا لامتلأ قلبه محكا وسخرية وعجبا من أمور كثيرة ، ولكان يجد في ذلك الضحك عوضا من فقد ملكة ، وعن هزائمه الكثيرة .
وإحدي هذه المضحكات المحزنات أنه خرج منذ حين من مصر قوم يطلبون استرجاع السرح الذي استاقته بريطانيا من مصر . ولكن بريطانيا لم تأخذ من مصر إبلا ولا خيلا ولا غنما ، بل اخذت أشياء أخري كثيرة ، تبلغ قيمتها مئات الملايين من الجنيهات . وقد قاسينا من هذه الإنارة العنيفة أمر الأمرين ، من غلاء فاحش ،
وجوع وعري ومرض ، وغير ذلك مما لا ينبغي أن نذكره . وليس من الضروري أن نطيل الحديث في ذلك السرح الذي استاقته بريطانيا ، فأنه كما قال امرؤ القيس لصاحبه الشيخ اليمني خطب يسير ، فإن القوي هو القوي منذ القدم ، والضعيف هو الضعيف . ولكن الخطب الكبير أن قوما قد خرجوا ليسترجعوا ذلك السرح من يد بريطانيا ، أو كما يقولون في لغه هذه الأيام ، خرج وفد مصري من إخصائيين ماليين للمفاوضة في الأرصدة الاسترلينية .
الخطب الكبير أن هؤلاء الإخصائيين رجعوا بغير أن يسترجعوا شيئا من السرح المنهوب . ولا عيب في ذلك فقد كان النهب والسلب من عادات أجدادنا العرب ، لا يرون فيهما عيباً ، ولا ينبغي أن نجد نجد معشر أبنائهم عيباً في أن يغير قوم على قوم ، ويستاقوا أموالهم غنيمة حلالا لهم ، على مقتضى القانون الخالد ، قانون القوة والعزة
- قانون من عز ّ بز ّ ، ومن غلب استلب - قانون الغابة المقدس . لا عجب في أن يعود وفد الإخصائيين الماليين بالخيبة ، فلم يسترجعوا سرح مصر ، ولا عيب على الإنجليز في انهم استاقوا السرح ، ومضوا به غنيمة حلالا .
ولكن الشئ المضحك حقاً هو أن هؤلاء السادة عادوا يمشون على أقدامهم ، بعد أن سلبت منهم الرواحل التي ذهبوا يركبون فوق ظهورها . لقد عادوا قائلين لنا : إن الجنيه المصري قد فصل عن الجنيه الاسترليني !
فنحن نستقبلهم بالترحاب ضاحكين من مرارة الحزن ونسألهم قائلين : دعوا كل ما قيل عن الديون والارصدة . دعوا كل ما يتعلق بالنهب الذي لا عيب فيه في سنن القوة والغلبة والقهر . ولكن خبرونا أيها السادة عن هذا الحديث الجديد .
لم نسمعكم من قبل تتحدثون عن فصل الجنيه المصري عن الاسترليني في هذا الظرف الحالي من السنين . لم
نسمعكم تتحدثون عن هذا من قبل ، فخبرونا عنه لأننا لا نفهم معناه .
أذهبتم لاسترجاع الأرصدة ، أم قد ذهبتم أيها السادة لتعودوا مشاة على الأقدام بعد فصل الجنيه المصري عن صاحبه الذي كان يركبه طوال تلك السنين ؟
لقد قرنا الجنيه المصري بالاسترليني في وقت كان عندنا فيه الأرز والقطن والقمح والبطيخ والبرتقال والعسل . وكان كل هذا يؤخذ منا بالاسترليني الورق السخيف . ولو فصلنا بينهما عند ذلك لكان لنا المكسب وعلى غيرنا الخسارة فأي حكمة في أن نفصل الجنيه المصري عن الاسترليني اليوم ، وعندنا كثير من هذه الأوراق السخيفة التي نسميها الجنيه ، ونحن في حاجة إلي ما في العالم من خيرات ترد لنا ديوننا عينا بعين وسناً بسن ؟ أية حكمة في هذا الفصل في الظروف الحاضرة أيها السادة ، فإننا نحب أن نفهم ؟ إننا لم نسمع ذكراً لهذا الفصل من قبل . فهل من كلمة نفهم بها ما قصدتم في ذلك الشأن ؟
إنها لفكاهة نجد فيها من العوض عن خسارتنا مثل ما وجد امرؤ القيس في فكاهته التي عوضته عن خسارة سرحه في جوار الشيخ اليمني السمين .

