الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 449الرجوع إلى "الثقافة"

الى من يلزم من المسئولين في شئون اقتصادنا القومي :, ولكن حديثا ما حديث الرواحل

Share

قيل إن امرأ القيس بن حجر الكندي شاعر العرب لجأ إلى قبيلة من قبائل اليمن عندما اشتدت عليه كربة قتال أعدائه الذين قتلوا أباه الملك حجراً .

وكانت عند امرئ القيس بقية من إبل ، فأرسلها ترعى مع إبل القبيلة ، وكانت عنده رواحل قليلة من إبل عجاف ، كان يستخدمها حينا في حمل الماء من البئر إلى الخيام ، ويستخدمها حينا آخر في الانتقال من مكان إلى مكان .

ولكن أعداء امرئ القيس لم يدعوا له فرصة للراحة أو الاستقرار ، فاتبعوه حينما رحل ، وأغاروا على إبله التي كانت ترعي آمنة في جوار شيخ القبيلة اليمنية .

وغضب الشيخ اليمني غضبة شديدة عندما استباح أعداء امرئ القيس جواره ، وأبى إلا أن يخرج وراءهم بطلب استرجاع إبل ضيفه الذي استجار به مهما كلفه ذلك الأمر من مشقة . ولكنه عندما خرج إلي وجهه لم يركب خيله ولا إبله ولا هجائنه بل أخذ رواحل امرىء القيس وأركب عليها بعض أتباعه ، وأسرعوا وراء الأعداء المغيرين قبل أن يعلم امرؤ القيس بخير الخسارة التى لحقت به .

وعلم امرؤ القيس بالأمر بعد حين ، فجلس مهموما ينتظر عودة شيخ القبيلة . ولا شك أن الانتظار كان ثقيلا على نفسه ، ولا سيما وهو من الشعراء الذين وهب الله لهم خيالا واسعاً يصور المخاوف مجسمة ، وبهئ الهموم مهولة مضخمة .

وعاد شيخ القبيلة بعد عدة أيام يمشي على رجليه ، والحياء يجلل وجهه خجلا ، وكان أتباعه جميعا يمشون من ورائه على أقدامهم مطرقين في حزن وانكسار .

فنظر إليهم امرؤ القيس ، وأدرك بفطنته ما وراءهم من الهزيمة والخيبة . ثم صور له خياله الخصب ما في تلك الحال من بواعث الضحك الحزين ، لقد خرج الشيخ على رواحل امرئ القيس بطلب استرجاع إبل امرئ القيس التى سلبها الأعداء ، فلم يصنع سوى أن أضاف إلى الأعداء غنيمة أخرى ، إذ سلبوا منه رواحل ضيفه المسكين . فرآه امرؤ القيس منظراً يبعث على الضحك حقاً ، مع انه كان في الوقت عينه منظراً محزناً . فلم يضيع الشاعر تلك الفرصة ، فقال أبياتاً تمتلئ ضحكاً ودمعا . وقال في آخرها يسأل الشيخ اليمني في مرارة :

دع عنك نهباً صيح في جنباته

ولكن حديثاً ما حديث الرواحل ؟

ومعنى هذا السؤال بلغتنا الحالية ما يأتي : أيها الشيخ اليمني ! لست حزيناً على إبلي التي أغار عليها أعدائي فسلبوها ، فإني أعرف أن هذه سنة العرب في حروبهم ، ولهذا فإني لا اسألك عن تلك الإبل المسروقة ، فإني لا أرى عجباً في أمرها . ولكن خبرني بحق أبيك ، كيف أضمت رواحلي التي خرجت تركب عليها ؟ حدثني كيف سلبوا الرواحل من تحتك ومن تحت أصحابك هؤلاء ؟ خبرني بذلك . فهذا هو الحديث الشائق الذي يهمني أن أسمعه .

ولقد كان امرؤ القيس رجلا مرهف الحس ، يدرك في لمح البصر ما في الأمور من مضحكات ، ولو كان يعيش في زماننا هذا لامتلأ قلبه محكا وسخرية وعجبا من أمور كثيرة ، ولكان يجد في ذلك الضحك عوضا من فقد ملكة ، وعن هزائمه الكثيرة .

وإحدي هذه المضحكات المحزنات أنه خرج منذ حين من مصر قوم يطلبون استرجاع السرح الذي استاقته بريطانيا من مصر . ولكن بريطانيا لم تأخذ من مصر إبلا ولا خيلا ولا غنما ، بل اخذت أشياء أخري كثيرة ، تبلغ قيمتها مئات الملايين من الجنيهات . وقد قاسينا من هذه الإنارة العنيفة أمر الأمرين ، من غلاء فاحش ،

وجوع وعري ومرض ، وغير ذلك مما لا ينبغي أن نذكره . وليس من الضروري أن نطيل الحديث في ذلك السرح الذي استاقته بريطانيا ، فأنه كما قال امرؤ القيس لصاحبه الشيخ اليمني خطب يسير ، فإن القوي هو القوي منذ القدم ، والضعيف هو الضعيف . ولكن الخطب الكبير أن قوما قد خرجوا ليسترجعوا ذلك السرح من يد بريطانيا ، أو كما يقولون في لغه هذه الأيام ، خرج وفد مصري من إخصائيين ماليين للمفاوضة في الأرصدة الاسترلينية .

الخطب الكبير أن هؤلاء الإخصائيين رجعوا بغير أن يسترجعوا شيئا من السرح المنهوب . ولا عيب في ذلك فقد كان النهب والسلب من عادات أجدادنا العرب ، لا يرون فيهما عيباً ، ولا ينبغي أن نجد نجد معشر أبنائهم عيباً في أن يغير قوم على قوم ، ويستاقوا أموالهم غنيمة حلالا لهم ، على مقتضى القانون الخالد ، قانون القوة والعزة

- قانون من عز ّ بز ّ ، ومن غلب استلب - قانون الغابة المقدس . لا عجب في أن يعود وفد الإخصائيين الماليين بالخيبة ، فلم يسترجعوا سرح مصر ، ولا عيب على الإنجليز في انهم استاقوا السرح ، ومضوا به غنيمة حلالا .

ولكن الشئ المضحك حقاً هو أن هؤلاء السادة عادوا يمشون على أقدامهم ، بعد أن سلبت منهم الرواحل التي ذهبوا يركبون فوق ظهورها . لقد عادوا قائلين لنا : إن الجنيه المصري قد فصل عن الجنيه الاسترليني !

فنحن نستقبلهم بالترحاب ضاحكين من مرارة الحزن ونسألهم قائلين : دعوا كل ما قيل عن الديون والارصدة . دعوا كل ما يتعلق بالنهب الذي لا عيب فيه في سنن القوة والغلبة والقهر . ولكن خبرونا أيها السادة عن هذا الحديث الجديد .

لم نسمعكم من قبل تتحدثون عن فصل الجنيه المصري عن الاسترليني في هذا الظرف الحالي من السنين . لم

نسمعكم تتحدثون عن هذا من قبل ، فخبرونا عنه لأننا لا نفهم معناه .

أذهبتم لاسترجاع الأرصدة ، أم قد ذهبتم أيها السادة لتعودوا مشاة على الأقدام بعد فصل الجنيه المصري عن صاحبه الذي كان يركبه طوال تلك السنين ؟

لقد قرنا الجنيه المصري بالاسترليني في وقت كان عندنا فيه الأرز والقطن والقمح والبطيخ والبرتقال والعسل . وكان كل هذا يؤخذ منا بالاسترليني الورق السخيف . ولو فصلنا بينهما عند ذلك لكان لنا المكسب وعلى غيرنا الخسارة فأي حكمة في أن نفصل الجنيه المصري عن الاسترليني اليوم ، وعندنا كثير من هذه الأوراق السخيفة التي نسميها الجنيه ، ونحن في حاجة إلي ما في العالم من خيرات ترد لنا ديوننا عينا بعين وسناً بسن ؟ أية حكمة في هذا الفصل في الظروف الحاضرة أيها السادة ، فإننا نحب أن نفهم ؟ إننا لم نسمع ذكراً لهذا الفصل من قبل . فهل من كلمة نفهم بها ما قصدتم في ذلك الشأن ؟

إنها لفكاهة نجد فيها من العوض عن خسارتنا مثل ما وجد امرؤ القيس في فكاهته التي عوضته عن خسارة سرحه في جوار الشيخ اليمني السمين .

اشترك في نشرتنا البريدية