هذا الحر الشديد يوشك أن يزهق الأنفاس ولا يكاد الانسان يستطيع فيه تحمل الحركة فليس لى فيه من حيلة إلا أن أستلقى فى همود وأطلق العنان لهذه الخواطر الوثابة التى تتوالى على من هنا ومن هناك فى خفة الطير لاتتعمق معنى ولا تتريث فى وثباتها . ولقد هممت أن أسوق إلى القراء حديثا من الأحاديث الفكهة التى لا تكلفهم عناء ولا تحملهم من الجد ما يزعجهم فى مثل هذا الجو اللافح . ولكنى خشيت إذا أنا فعلت ذلك أن أتعرض للوم من أصدقاء كرام لهم عندى مكانة عالية وأدباء أفذاذ لهم فى الأدب باع طويل . خشيت إذا أنا فعلت أن يتجه هؤلاء الأصدقاء إلى فى وجوم يعتقوننى على اصطناع الخفة فى مثل هذه الظروف التى لا مجال فيها إلا للجد الصارم .
فهم يأبون إلا أن يشقوا على أنفسهم وعلى غيرهم ولا يرضون بالجد بديلا ، ولهذا فلست أريد اليوم أن أتحدث عن جحا ولا أن أبين طرفا آخر من فلسفته العميقة الضاحكة ، وإن كانت تلك الأحاديث أقرب إلى الجد منها إلى الهزل الباطل ، فلست أحب أن أثير غضب أصدقائى ، فان عواطفهم عندى أولى بالرعاية والعناية من ذكرى الفلاسفة الغابرين .
ولقد أذكرنى هذا الجو اللافح بأمور شتى لا يمكننى أن أحصرها فانا أرسلها على السجية إرسالا منثورا فى غير عقد ولا نظام . وعذرى فى ذلك أن هذا الحر الخانق لايدع فى الفكر عقدا ولا نظاما . سألت نفسي وأنا مستلق على مقعدى فى فتور فقلت : (( مابالنا نتعب أنفسنا ونتعب الناس معنا فى هذه الخطط التى ترسمها وهذه الآراء التى نصبها عليهم صبا كأننا قد وكل إلينا أمر هذا العالم وطلب إلينا أن نرسم له الخطط ونبين له وجوه الآراء ؟ )) .
وما زلت ألح على نفسى بهذا السؤال حتى كدت
أسخر من نفسى وأحملها قسرا على ترك التفكير ولزوم التواضع فلا تزعم أن لها حقا فى النصح ، ولا أن عليها واجبا فى الارشاد . ولكنى عدت إلى نفسى فسألتها : (( ماذا تكون حال هذه الحياة إذا كان الناس جميعا لا يفكرون ولا ينصحون ولا يرشدون ؟ )) . لقد عرفت قوما من الأصدقاء يضطلعون بأعباء التفكير والنصح والارشاد ، ويقبلون على ذلك ليلا ونهارا فى مثل هذا اليوم القائظ ، لايكادون يحسون وقدته ، ولا يكادون يعبأون فيه بطعام ولا بشراب ، وهم يفعلون ذلك إخلاصا منهم للمصلحة العامة . أليس هؤلاء زينة المجتمع وزهوره وموضع الأمل فيه ؟ أينبغى لهؤلاء أن يقلعوا عن التفكير والنصح والإرشاد ويلتمسوا لأنفسهم الراحة من ذلك العناء كله ؟ وماذا تكون الحياة لوخلت من أمثال هؤلاء ؟
ولكن العجيب فى ذلك الأمر أن هؤلاء الذين يتحملون المشقة الكبرى فى سبيل التفكير والنصح والارشاد حرصا منهم على المصلحة العامة ، هؤلاء الذين لا يبالون حرا ولا بردا ولا يشفقون على أنفسهم من الكد المتصل ، يريدون فى أكثر الأحوال أن يحملوا الناس على تفكيرهم فى شىء من القسر ، ولا يحبون أن تناقش أراؤهم ، ولا أن تعدل الخطط التى يرسمونها . فإذا أحس بعض منهم أن بعضا آخر يريد أن يناقش خطئه أو أن يعارض مارسمه من الخطط ثار ذلك البعض وغضب ونهض إلى البعض الآخر ، فلا تسل بعد ذلك عما يكون من طعن فى الوجوه وخبط فى الرؤوس ومن قول يسىء وتهم تساق وشتائم تكال كيلا ، حتى يصيروا جميعا فى نظر الناس أقرب إلى الشياطين منهم إلى الملائكة . أليس هذا عجيبا فى حكم العقل الهادئ ، الذى يفكر وهو مستلق على مقعده فى مثل هذا اليوم القائظ ؟ إن هؤلاء الذين يشقون على أنفسهم ويحملونها أثقل الأعباء فى سبيل المصلحة العامة لا يعودون أخيرا إلا بالطعنة الشديدة والكلمة القاسية والريب السخيفة . وممن تأتى إليهم هذه الطعنات والريب ؟ من أنفسهم ومن نظائرهم الذين وقفوا حياتهم وذكاءهم
وإخلاصهم فى سبيل الخدمة العامة . أليس هذا فى الحق عجيبا ؟
ثم سألت نفسى : ماذا يضير الرجل المصلح الذى يريد النصح والمفكر الذى يريد أن يبين للناس سبيل الهدى ، ماذا يضر هؤلاء لو ناقش غيرهم آراءهم وأصلحوا من خططهم؟ لقد كان أجدر بهم أن يشعروا الغبطة الكاملة إذا هم رأوا آراءهم تمحص وتناقش وإذاهم رأوا خططهم تدرس وتعدل لكى تكون أكفل بتحقيق المصلحة التى يحرصون عليها ، فان مناقشة الآراء أو تعديل الخطط ليست سوى علامة من علامات التقدير ، وهى تحية يوجهها الناس إلى من يحترمون آراءهم ويقدرون خططهم . فان الذى يبنى على أساس قائم ويحاول تدعيمه وتعديله إنما يقر على نفسه بأنه يعتقد أن ذلك الأساس صالح لأن يقوم عليه البناء وصالح لأن يؤدى إلى المقصود منه بعد التعديل والتقويم .
ثم سألت نفسى : ما الذى يجعل بعض المفكرين إذا أرادوا أن ينتقدوا آراء غيرهم من المفكرين لا يقنعون بغير التجريج والهجوم على الأشخاص . فالرجل الذى يتصدى للخدمة العامة لا يطلب منه شىء أكثر من أن يبذل جهده وأن يبالغ فى تحرى صدق النصيحة صادرا فى ذلك عن إخلاصه وعن إيمانه ، وهو غير مطالب بأن يكون مصيبا فى كل ما يرسم من الخطط ، فاذا هو أصاب وحبذ الناس عمله كان له أن يغتبط لأنه وفق إلى تحقيق ما أراد من الخدمة ، وإلا فانه أجدر الناس بأن يسر ويسعد إذا نوقشت آراؤه ونقدت خططه حتى تصير أكثر تحقيقا للمصلحة التى ينشدها .
هذا ما أتصوره وأنا هنا خال مع نفسى فى هذا اليوم اللافح ، فلست أفهم السبب الذى يجعل بعض المفكرين يقسو على البعض فى الطعن والتجريح إذا أراد هذا البعض أن يبين مواضع الخطأ فى آراء البعض الآخر .
ثم خطر لى خاطر آخر فى مسائل التعليم . ولست أزعم أنه خاطر موفق ، ولست أدعى أننى قد جعلته لنفسى مذهبا فى الرأى ، بل هو خاطر عابر ألقيه فى هيئة ، ولست أريد به
تعرضا لمذهب من المذاهب التى يحلها هذا العصر الحديث محل القداسة ، أقصد أننى لا أريد أن أتعرض للديمقراطية فى شىء إذا أنا أفضيت بهذا الخاطر الذى خطر لى وأنا مستلق على مقعدى فى هذا الحر الشديد .
فأنا أسأل الناس : هل تتقدم الأمم حقيقة إذا تعلم جماهير أهلها تعليما عاما ضئيلا ، أم هى تتقدم إذا تعلم خاصة أذ كيائها تعلما سليما عميقا ؟ أو بقول آخر أحب أن أسأل الناس : هل من الخير لنا أن نصرف الملايين فى تعليم القراءة والكتابة للملايين فى التعليم العام أم أن نصرف تلك الملايين على تعليم مئات الألوف تعليما صحيحا يجعلهم فى مصاف المتعلمين حقا فى الأمم الأخرى ؟ .
إن الأمم الديمقراطية الحالية لم تصل إلى تعميم التعليم إلا بعد أن صارت فيها نواة صالحة من العلماء المبرزين والمفكرين الممتازين وأصحاب الثقافة العالية فى مختلف الفنون ، بل لقد كانت هذه النواة هى العامل الأكبر فى تعميم التعليم لأنها كانت دائما تفيض بالعلم والفكر والثقافة على غمار الناس فلم تلبث الجماهير أن أفادت من علمها وثقافتها وفكرها . ألا يكون الأصلح لنا أن نقف قليلا عند لفظ الديمقراطية ونفكر فى الحقائق قبل أن تجرفنا الألفاظ البراقة معها ؟
ولقد خطر لى خاطر آخر أحس بالخجل من نفسى إذ خطر لى ، ولكن الأمانة تقضى على بأن أصارح القراء به ، فهذا من حقهم أن يعلموه ما دمت قد عزمت على أن أحدثهم بخواطرى . فقد سألت نفسى وأنا مستلق فى هذا الحر الشديد : أيهما أفضل لأهل قرية من القرى، أن تكون عندهم مدرسة تعلم الصبيان القراءة والكتابه وقليلا من الحساب ثم تتركهم بعد ذلك يلعبون على الكيمان أو يسوقون الحمير التى تحمل السماد إلى الحقول ( والمدرسة القروية كما هو معلوم قد تكلف الدولة ألفا أو ألفين من الجنيهات كل عام ) أقول هل هذا خير لأهل القرى أم أن ننشىء لهم كل عام مؤسسة من المؤسسات بألف أو ألفين من الجنيهات
يقوم بعضها بالصناعة الزراعية وبعضها بتحسين وسائل الزراعة وبعضها بالصناعة الريفية التى تقوم على المنتجات التى تخرجها بيئتهم وهكذا . حتى إذا وجدت الأيدى عملا يشغلها ويستنفد كل وقتها ويعلو بمستوى معيشتها نظرنا بعد ذلك فى تعليم الصبية القراءة والكتابة والحساب لكى تجعلهم أقدر على الحياة الكاملة ؟ ألاتكون هذه المؤسسات نفسها بمثابة مدارس يتعلم فيها الناس دروس الحياة ؟ ألا يكون من الممكن أن تلحق بهذه المؤسسات فصول لدراسة ما يلزم العمال من كتابة وقراءة وتوجيه فى الصناعات ؟ إن الصيحة اليوم عالية تنادى بضرورة إذاعة التعليم ، وأنا أخجل من نفسى لأننى معلم أعتقد اعتقادا راسخا فى ضرورة التعليم ،
ومع ذلك أجهر قائلا بأن تلك المصانع الصغيرة أولى بالعناية من التعليم . ومع ذلك فقد يكون لى العذر فيما أذهب إليه فى هذا الرأى ، فان الحياة عندى هى أول ما يجب أن تقصد إليه . وقد أتصور شعبا حيا يعيش وينمو ويقف على رجليه ثابتا إذا كانت مادة الحياة متوفرة عنده ، ولكنى لا أتصور شعبا يقف على رجليه إذا كانت مادة الحياة تعوزه . فإذا كان العلم الذى نريد أن نوزعه على هذا الشعب لا يزيد على القراءة والكتابة ومبادىء الحساب فانى أتردد كثيرا فى أن أسمى ذلك علما ، وأولى عندى أن يجد هذا الشعب رزقا يمسك رمقه ويمكنه من الحياة المعقولة . وأكبر ظنى أنه إذا استطاع أن يجد الرزق الكافى أمكنه أن يلتمس لنفسه العلم من مظانه لأنه يكون أقدر على التماسه بما عنده من فضلة فى الرزق .
إن هذه الخواطر وليدة الحرور ، ولا ينبغى لها أن تزعج أحدا ، فاذا رأى أحد فيها خطأ فأرجو أن يحمل ذلك على أننى أرسلها أنفاسا حائرة لست أضن بها أن تذهب مع الريح ، وليمض المفكرون فى نفسهم العميق لكى يصرفوا الملايين الكثيرة حيث يرون المصلحة فى صرفها . فليست هذه الآراء سوى خواطر حران والسلام .

