الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 460الرجوع إلى "الثقافة"

الى من يلزم من مصريين وانجليز:، مخاصم!

Share

هل يستطيع أحد أن يؤكد لى أن هناك فرقاً بين الأطفال والكبار فى الطبائع؟ هذا سؤال لا أنتظر عليه جوابا، لأن الجواب عندى مؤكد، لا حاجة لى معه إلى استشارة. فالكثير من الرجال ليسوا سوى أطفال كبار. هذه حكمة تعلمتها من تأمل الناس مدة تزيد على نصف قرن، ولا أظن أن مثل هذا التأمل قد أتيح لكثير من علماء النفس.

كثير من الرجال أطفال كبار فى كل ما يتصل بجوهر الحياة الإنسانية، فهم يحبون الحلوى، وتأخذ بأبصارهم اللعب البراقة، ويتقلبون مع الأهواء، الخ الخ. على أن بعض الرجال يزيدون على الأطفال بصفة خاصة، وهى قلة البراءة فليس هناك إلا فرق واحد بين الأطفال والكبار، وذلك أن الطفل الصغير غر، لا يعرف من أمور الحياة إلا القليل، فهو يقنع من الحلوى بقطعة من الشكولاتة، فى حين أن الكبار الذين جربوا صنوف الحلوى المختلفة اختلافا كبيرا، يستطيعون التمييز بينها، واختيار أسمنها وأحلاها. والطفل الصغير يقنع من اللعب بما يرضى خياله المحدود، كساعة يد رخيصة فى سوار مطلى بالذهب مثلا، فى حين أن الرجل الكبير يعرف قيمة الذهب الوهاج، ويسمى إلى كل ما بدر عليه ذلك الذهب الوهاج، بطريق مباشر أو غير مباشر - أقصد بطريق مستقيم أو غير مستقيم. وهكذا أستطيع أن أعدد كثيراً من وجوه الشبه بين الطفل الناشئ والشيخ الفانى فى الطبائع المشتركة، ولو شئت أن أجعل مقالى هذا كله فى ضرب الأمثال لتوكيد هذه النظرية لفعلت. ولكنى ألمح على وجه القارئ الكريم أنه قد صدقنى، واقتنع

بوجهة نظرى، فلا حاجة بى إلى الإطالة فى غير طائل. فأخرج من هذه المقدمة إلى معنى آخر. وهو أنى أذكر أننا عندما كنا صغارا، كان من المتعارف بيننا أن يخاصم بعضنا بعضا. وكان لنا فى ذلك أصول وقوانين وحدود، لها قدرها المحترم بيننا. فكان أحدنا إذا غضب على صاحبه قال له: "مخاصم" ثم مد له طرف خنصره، فيمد له الآخر طرف خنصره كذلك أشارة إلى قبول تحديه، وينتهى الأمر بين الاثنين إلى المجافاة والتقاطع فى كل شئ. وكان أحد الاثنين إذا نسى مرة فأراد أن يمزح مع صاحبه قال له الآخر مبادراً فى تجهم "أنا مخاصم"، فيرتد عنه صامتا فى كثير من الخجل. وكان من أصول الخصام أن يتقاطع الصاحبان القديمان تقاطعاً تاما، حتى إن أحدهما إذا رأى الآخر فى طريق عرج إلى طريق آخر من أول عطفة يصادفها، وقد يرتد على أعقابه، فيعود أدراجه إلى أول الطريق من حيث أتى حتى لا يقع وجهه فى وجه (خصيمه).

وأظن أن هذا يكفى لتذكير كل منا بحوادث الصبا، فلا حاجة بى إلى الإفاضة فى ذكر تفاصيل ما كان يقع فى الخصام من مناوشات ومناورات، إلى أن يمن الله على الخصمين بمن يصالح بينهما، فيشترط كل منهما على الوسيط أن يأتى بالآخر ليسير نحو صاحبه نصف الطريق، وإلا لم يكن ثمة محل للمصالحة. فإذا استطاع الوسيط أن يقنع كلا من الخصمين بمحاسن الصلح والسلام، وسار كل منهما نصف المسافة إلى صاحبه، مد كل منهما إصبعيه السبابة والوسطى حتى تتلامس الأصابع، ويقول كل منهما: "مصالح" وينتهى الأمر، وتعود الصداقة بينهما إلى أتم ما كانت عليه، بل قد تزيد قوة وحماسة، بعد أن عرف كل منهما مقدار ألم القطيعة، ووحشة الهجر.

هذه ذكريات صغيرة ولكنها تنم عن طبيعة لا تقتصر على الأطفال، بل يشارك الكبار فيها مشاركة كلية. وقد

أستطيع أن أقيم البرهان على ذلك بأقوال كثيرة، ولكن لا حاجة بى إلى ذلك، فإنما أريد أن أقدم بهذا كله إلى معنى آخر، معنى خطير، معنى نراه اليوم أمامنا فى كل خطوة من خطواتنا.

أفهم جيداً أن يحتفظ الرجال بطبائع الأطفال فيما بينهم إذا شاءوا، فهم أحرار فى تصرفهم، ولا يمكن لأحد أن يحجر عليهم، لأنهم قد شبوا عن الطوق، وعلت بهم السن إلى ما بعد سن الحجر. ولكن الشئ الذى يهمنى ويؤرقنى ويزعجنى، هو أن هؤلاء الرجال قد يتصرفون فى الأمور الخطيرة التى تمس مصالح الأمم. فإذا كانوا ممن قد احتفظوا بطبائع الطفولة، كانت مصالح الناس فى خطر من عبثهم - وهنا يكون العبث خطيرا لأنه من أطفال لهم لحى - أقول لهم لحى وإن كانت حليقة.

أذكر مثلا أن بعض رجالنا ذهبوا إلى إنجلترا لكى يمثلوا الدولة المصرية فى أمر له علاقة وثيقة بحياتنا الاقتصادية. وكان بعضهم هذا ممن لا يزالون يحتفظون بطبع الطفولة الذى أشرنا إليه. ولما كان هذا البعض من أكثر الناس وطنية وحماسة، رأوا أن واجبهم هو مخاصمة الإنجليز. نعم، أليس الإنجليز خصومنا فى هذه الأيام؟ وما هو إلا أن تبين لهم هذا الواجب، حتى مدوا خناصرهم المفاوضين الإنجليز قائلين: "مخاصم"، وانتهى الأمر، وعادوا من حيث ذهبوا، بعد أن اطمأن ضميرهم على أنهم قد أدوا واجبهم الوطنى ألم يخاصموا الإنجليز؟ ولكنهم لم يخاصموا الإنجليز كما خيل إليهم، بل خاصموا الاقتصاد الإنجليزى، ولم يخاصموه وحدهم، بل جعلونا جميعا نخاصمه. ونحن جماعة كبيرة تضم التجار والزراع وأصحاب الأعمال، وهؤلاء لا مصلحة لهم فى مخاصمة عالم الاقتصاد الإنجليزى، بل إن مصلحتهم فى مصالحته. ولو ترك أصحاب الأعمال أحراراً، لما رضوا بتلك المخاصمة التى تبرع لهم بها هذا البعض الذى ذهب

إلى إنجلترا للمفاوضات الاقتصادية بالنيابة عنهم. ولم يكن العيب مقصوراً على المصريين وحدهم، فإن المفاوضين الإنجليز كذلك كانوا من البشر، وفيهم من الأطفال الكبار عدد وفير، فقبلوا المخاصمة عن طيب خاطر، وأشاروا على دولتهم أن تخاصم الاقتصاد المصرى.

ولا حاجة بى إلى الإكثار من ذكر حوادث المناوشات التى أعقبت هذا الخصام، فهناك مثل واحد يكفى لقطع كل مكابرة. فقد طالعت فى بعض الصحف منذ أيام أن الإنجليز أخذوا يطالبون مصر بأن تسدد لهم ثمن بعض سلعها بالدولارات. يا خبر! دولارات؟ ومن أين نأتي بها؟ هكذا أراد حضرة الإنجليزى المحترم الذى أصدر أمره، ولا أشك لحظة فى أنه طفل كبير قد سار فى مسلكه على سنة المخاصمة. فانجلترة - بفضل أطفالها الكبار - تطالب مصر الآن بدفع الدولارات ثمناً للسلع الإنجليزية، وهى هى مصر التى قضت سبع سنوات فى أثناء الحرب تبيع فولها وعدسها وبصلها وقطنها وسكرها، بل ما هو أغلى من ذلك كله من مواصلاتها وكرم وفادتها وأرواح بنيها - أقول كانت مصر تبيع ذلك كله بأوراق مطبوعة اسمها الجنيه المصرى، ولم تطالب إنجلترة بدولارات ولا استرلينيات، فلا شك عندى أن الأمر ينطوى على أحد فرضين لا ثالث لهما، أو أن الأمر ينطوى على الفرضين معاً:

الأول أن المصريين كانوا فى أيام الحرب أطفالا صغارا - أقصد كبارا، والثانى أن الإنجليز والمصريين معاً قد صاروا بعد الحرب أطفالا كبارا.

ولكن ما هكذا تكون المعاملات أيها السادة. حقاً إن بين مصر وانجلترة حساباً طويلا متنوع الأصناف. ولكن كل حساب له طريقته فى التصفية. فلنقتصر اليوم على حديث الاقتصاد، إن انجلترة مسئولة عن كثير من ورطتنا المالية التى نحسها الآن. فإذا كان المفاوض المصرى الذى

ذهب إليها قد قال لها: "مخاصم" فقد كان جديراً بالمفاوض الإنجليزى أن يتبصر فى مسئولية بلاده نحو مصر. كما أنه قد كان جديرا بأن ينظر إلى حقيقة مصلحة بلاده فى الاتفاق مع مصر. ولسنا نظن أن انجليزيا عاقلا يرى أن مصلحة إنجلترة تتحقق بارتباك الاقتصاد المصرى. فما هو السر فى كل هذا الضغط الذى نراه يتجدد كل يوم؟ فإنه لا يزيد فى نظرنا على مناوشات المتخاصمين من الأطفال وإن كان يتخذ شكلا خطيرا لأنه صادر عن كبار.

فأين هؤلاء الإنجليز الذين كانوا يدعون صداقة مصر؟ وأين هؤلاء المصريون الذين كانوا يدعون صداقة الإنجليز؟ أليس منهم أحد يستطيع أن يقوم بدور الوسيط، ليقول للمجانين: "عيب!"؟

لئن كانت الخصومة فى السياسة تتصل بالحرية والكرامة والحقوق الإنسانية، فإن الخصومة فى المسائل الاقتصادية لا ينبغى أن تتعدى حدود المصالح المتبادلة.

اشترك في نشرتنا البريدية