فى خلال القرن الثامن عشر حدث تحول فى الفكر الأوربى ، من الاعتقاد بأن أمور الدنيا تسير على أحسن منوال ، وأنه ليس فى الإمكان أبدع مما كان ، إلى الاعتقاد بأن أمور العالم ليست على ما يرام ، وأن الوجود حافل بالمتناقضات والمساوئ والعيوب التى تثير الشكوك والتى لا يمكن تسويغها والاطمئنان إليها إلا بشىء من التغافل المتعمد أو المغالطة المكشوفة ؛ وقد بدأ هذا التحول رويدا رويدا حتى قويت تلك النزعة الثائرة المتمردة الناقمة المتبرمة ، ووجدت فى فولتير وروسو أقوى معبرين عنها ، وأبلغ قائلين بلسانها ، وأعظم حاملين لعلمها .
وكان أنصار هذه النزعة مجمعين على وجود العلة وفساد الأمور والتوائها ، ولكنهم كانوا يختلفون اختلافا كبيرا فى تشخيص المرض وتحديد موطن الداء ، وقد ساء فولتير وهمه ما رآه ولمسه من غباء البشر ، وسقم تفكيرهم ، وقسوتهم ، وظلمهم ، وطغيانهم ، وعدم اكتراث الطبيعة الطبيعة بأحوال البشر ، وأغراء ذلك بإنكار فكرة العناية الإلهية المشرفة على الدنيا والظن بأنها خرافة لا نصيب لها من الحقيقة ؛ ولكنه ظل مع ذلك واثقا بقوة العقل مؤمنا بالحضارة ، ولم يفقد يقينه بالتقدم والرقى عن طريق الاستنارة
والاعتدال ومجافاة التعصب . أما روسو فقد ذهب مذهبا آخر ، فرأى أن الله خير عادل ، وأن الإنسان فى الأصل وكما خلفه الله كذلك خير صالح ، وأن الشر ليس فى الطبيعة ، وإنما هو شىء غير طبيعى ، وأن سبب هذا الشر هو الحضارة ؟ فالحضارة تعلى من شأن العقل ، وتزين لنا إكباره والاعتزاز به ، وتفسد الغرائز ، وتغرى بالإمعان فى الظلم والطغيان .
وقد لعب هذان الرجلان دورا هاما فى التفكير الأوربى والسياسة الأوربية ، وأثرا فيهما تأثيرا بعيد المدى عميق الجذور ؛ فإن الجم الغفير من الناس الذين احتفلوا سنة ١٧٧٨ بعودة فولتير إلى باريز بعد أن غاب عنها ثلاثين عاما هم الذين اقتحموا الباستيل فى سنة ١٧٨٩ ، وكان زعماء الثورة الفرنسية من المتأثرين بكتاب العقد الاجتماعى الذى كتبه روسو ؛ وقد كانت الملكة كاترين الروسية من المعجبات بفولتير ولكنها لما وقفت على الاتجاه الحقيقى للأفكار الجديدة أمرت بإبعاد تمثال فولتير النصفى الصغير من حجرتها ، وهو احتياط من القيصرة المستنيرة والسياسية الخطيرة لم يجد شيئا ، ولم يستطع بطبيعة الحال أن يغير مجرى الحوادث ؛ فقد كان الثائرون فى روسيا من المتأثرين
بآراء قفلتير وروسو ، وقد حاولوا أن يصنعوا فى موسكو ويتروغراد ما صنعه الفرنسيون فى باريز ، وكان كبير الكتاب الروسيين ليو وتولستوى يحمل وهو غلام يافع وساما قد نفشت عليه صورة روسو ، وظل إلى النهاية متأثرا به فى اتجاهاته الأدبية والسياسية والدينية .
وكان موقف فولتير فى مطالع حياته من مسألة وجود الشر فى الدنيا مثل موقف بولنجيروك ويوب الشاعر الإنجليزى المشهور ، وعندهما أن الاعتقاد بكمال الله ينفى وجود الشر ، وأقوى الأدلة على وجود الله هو نظام الطبيعة البديع وما بها من توافق وانسجام وتجاوب واتزان وبهاء وجمال ، ولا يمنع ذلك وجود نقائص فى الإنسان لأنه محدود فان ؛ ومن أقواله فى الرد على بسكال " لقد عجبت من أن الله خلق الإنسان على هذا القدر من الجهل والانحصار والبؤس ، ولكن لماذا لا تعجب من أن الله لم يخلقه اكثر جهلا مما هو ، وأشد بؤسا ، وأضيق عقلا " ،
وكان يسره أن تتفق آراؤه فى ذلك مع آراء يوب ، وكان كذلك يقر بولنجيروك على قوله : " إنه من السخف أن تتحدث عن العدالة الإلهية أو الظلم الإلهى كما تتحدث عن الله بوصفه أزرق اللون أو مربعا " .
ولكن تفاؤل فولتير وحسن ظنه بالله والطبيعة طرأ عليه تغير واستهدف لصدمة عنيفة ، وقد كانت حياة فولتير نفسها معركة طويلة فى مكافحة الظلم والغباء والتعصب والقسوة والوحشية ، وقد سجن فى الباستبل وثقى من باريز ، وقد رحب به فى برلين فردريك الأكبر ، ولكن قال عنه بعد ذلك : إنه برتقالة يريد أن يمتصها ، وأثارته فظاعات رجال الدين ومنكراتهم وكبائرهم فحمل عليهم حملات شعراء
وأعلن أنه لا يستريح له بال حتى يسحق الحفارة والنذالة ؛ ولما حدث زلزال لشبونة المشهور نظم فى ذلك قصيدة ذائعة الصيت انتقص فيها فكرة العناية الإلهية وسخر بها ، ولكن تشاؤمه وسخريته يتجلبان فى أروع صورهما فى روايته العظيمة التى أسماها " كالديد " أو المتفائل ، وفيها افتن فى للسخرية فكرة أن هذه الدنيا أحسن دنيا ممكنة ومزق أذيمها تمزيقا شديدا .
وهو يتساءل : لماذا نكبت لشبونة ؟ وهل نكبت بسبب ما اقترفه أهلها من آثام ؟ إذا كان الأمر كذلك فهل أهل لندن وسكان باريز أعف وأنقى من المقيمين فى لشبونة ؟ وإذا كان الزازال جزءا من نظام الطبيعة ، فهل منعه من وراء قدرة الله ؟ وهل كان الكون يزداد سوءا لو منع هذا الزلزال ؟ وهل يختبر الله أهل لشبونة ويلوهم بذلك ، أو هو واقف موقف المتفرج على شقاء أهلها ونكبتهم ؟ وينتهى هذا التساؤل بقوله : " إنى لا اعرف شيئا " .
وهكذا تترك هذه الشكوك فولتير فى ظلفة مدلهمة من اليأس وتجعله يعتقد أن كتاب القدر مغلق لا يدرى الناس من أمره شيئا ، وأن البشر ذرات منتثرة ، ولكنها مفكرة شقية تحاول قياس القضاء المترامى الشاسع واختراق اللانهاية ، وهى مع ذلك تجهل موقفها ولا تعرف حظها ، وادعاء الحكمة سخف محزن ، ونحن لا نستطيع أن ننكر أو ننفى وجود العناية التى لا نرى لها اترا ، ويلوذ فولتير بالشك ويعتصم به إن كان بالشك ملاذ ومعتصم .
ولم يكن شك فولنير شكا عاكفا على نفسه منكمشا محزونا ، وإنما كان شكا معتديا ساخرا ، يجد متعة فى الاستهزاء بالمتفائلين والتحامل عليهم ، وسخريته لافحة عاصفة ، ورواية كانديد سخرية عامة شاملة لأحوال الدنيا ، قد استوفى فيها بيان أسباب التشاؤم وأجاد استقصاءها . وكانديد المسكين لا يريد أن يتطاول على آراء بإنجلوس العظيم ، ولكن تجارية المرة تركته فى جيرة وارتباك وجعلته بتساءل : " إذا كانت هذه الدنيا خير دنيا ممكنة فما عسى أن يكون حال الدنى الأخرى ؟ " وينتهى الأمر بكانديد إلى ترك التفكير فى هذه العضلات والاكتفاء بأن نزرع حديقتنا ! والواقع أن هذا هو الحل الذى انتهى إليه فولتير وحبذه ، ولم يفقد فولتير يقينه وأمله فى الحضارة برغم شكه .
وروسو لا يقر فولتير على هذه الآراء . ففولتير فى رأيه قد جعل شرور الحياة ومساوئ المجتمع مسائل كونية ، وإما أكثر هذه المساوئ والعيوب مماجره الإنسان على نفسه بسوء تصرفه وفساد نظمه .
وقد كانت حياة روسو حياة عجيبة متناقضة ، فقد كان رجلا شديد الحساسية لا يبالى ما يصنع ، أفاقا يبغى المثل الأعلى ولا يترفع عن الدنيا والنقائص ، وحياته مليئة بالمخزيات المنديات والسخافات والضحكات ، وقد هرب من جنيف مسقط رأسه ليتفادي الضرب من سيده ، وتقليث به الأحوال واختلفت عليه صروف الدهر ، وذاق مرارة الإخفاق ، وأحس أن أيامه تضيع سدى ، وأن اماله تذهب هباء ، وأن الناس لا يعترفون بوجوده ولا يفهمونه ، ولم يعجبه ما كان يرى فى العواصم من مظاهر البدخ والترف ، وساءه وآلمه أن تفرق بين الناس فواصل الطبقات ، وتمرد الصوفى الكامن فى نفسه على التفكير العقلى السائد فى عصره ، وبينما كان يسير فى ذات يوم قالظ بالطريق من باريس إلى قنن ليزور ديدرو قرأ فى إحدي الجرائد إعلانا عن مسابقة أدبية لها جائزة موضوعها " هل كان من أثر العلوم والفنون أن أصلحت الآداب أو أفسدتها ؟ " فأثار هذا الموضوع كوامن نفسه
وأخذت تومض فيها بوارق الأفكار وتتوافد عليها شتى الخواطر ، حتى أحس من فرط تكاثرها وازدحامها كأن الأرض تدور به ، وتوالت مسرعة نبضات قلبه ، ولم يستطع المضى فى السير لضيق نفسه ، وارتمى تحت ظلل إحدى الأشجار القائمة على الطريق ، وقضى نصف ساعة وهو فى حالة شديدة من الاهتياج وثورة النفس وتضارب الأفكار
وكانت شكوى روسو من الحضارة مشابهة لشكوى ديوجين ؛ فهو قد طوف فى شوارع باريز وهو يحمل مصباحا فى رائعة النهار ليبحث عن رجل صادق الرجولة ، ولكنه لم ير إلا أقنعة وأشباحا ، ولم يصادف إلا عواطف كاذبة ، وأدبأ مزيفا ، وطلاء ونمويها ، وكذبا ومغالطة ، وجبنا ورياء ، وادعاء وعبودية وضعة ؛ وفى مثل ذلك الجو الفاسد تبعت الرذائل ، ويعم الفساد ، ويكثر الفجور ، فلا صداقة خالصة نقية ، ولا تقدير ولا احترام ، وإنما يعرف الناس فى أمثال هذه الأحوال سوء الظن والخيانة والقدر والملق . وكل ذلك وراء ستار رقيق من التأدب الكاذب والتلطف المسموم .
وقد عزا روسو هذا الفساد الذى أصاب الطبيعة الإنسانية إلى انتشار الفنون والعلوم ، وذهب إلى أنه كلما ازدادت
الفنون والعلوم انتشارا ازدادت الطبيعة الإنسانية فسادا والتواء . ومصر واليونان وروما ودول الشرق لم تنزل من عليائها ولم يدب فيها الضعف وتعصف بها الحوادث إلا حينما تحضرت واستغرقتها الحضارة . أما شعوب التاريخ التى عرفت بالحشونة والصلابة مثل قدماء الرومان والحيثيين والألمان فقد ظلوا فى التاريخ أمثلة للطبيعة الإنسانية الصافية النقية .
ولابد أن يفسد العلم والفن الأخلاقى لأنهما يولدان فى الفساد ، فعلم الفلك يولد فى الاعتقاد بالخرافات ، وفن المرافعة والمحاماة ينشأ فى جو الطموح والمطامع والكراهة والملق والخداع والغش ، والهندسة باعثها الشح والبخل ، والعلوم الطبيعية سبها حب الاستطلاع المغرور المزهو ، ولو لم يكن هناك ظلم لما كانت هناك حاجة إلى القضاء ، ولو لم يكن هناك طغاة وحروب ومؤامرات لما كانت هناك حاجة إلى كتابة التاريخ .
ولما كانت الفنون والعلوم من نتائج الغرور والزهو والبطالة والترف فإن الإبقاء عليهما والإسراف فى احترامهما خطر كبير وشر مستطير ، لأنه ينشئ حضارة قائمة على عبادة الألفاظ المعسولة المنمقة ، والحركات الرشيقة ، والعادات المخثة ، وينسينا تقدير صنائع البطولة والإقدام ، ومزايا القلوب الكبيرة المخلصة ، ويرجو روسو الله القادر على كل شئ أن ينقذ أمته من شر الاستنارة والفنون والعلوم ، ويرد عليها الجهل والبراءة والفقر ، فإنها مقومات السعادة وراحة البال وصفاء النفس .
فثورة روسو على الحضارة سببها أن الحضارة قد سلبت الناس الحرية والطلاقة ، وعكرت صفاءهم وأفسدت طباعهم وعلمتهم الطغيان والاستبعاد وعدم المساواة ، هى مصدر الشر فى رأى روسو ، وهو يصف حياة المستوحشين بأنها حياة فضيلة لم يشها الفساد ، وحرية وانطلاق ، وفيها تفاوت بين الناس سببه التفوق فى القوة الجسدية وبراعة الحركات ، ولكنها مع ذلك ليس فيها استبعاد وإذلال ، وإنما فيها تعاون على الخير وتوفير أسباب الراحة ، وتقدم الإنسان فى الفنون استدعى وجود الحكومات ، ووجود الحكومة تطلب وجود النظم السياسية والاجتماعية التى تضمن للأغنياء التسلط على الفقراء والتفوق الدائم عليهم ، وهذا هو علة وجود الحكومات فى رأى روسو ، والملكية الخاصة وعدم المساواة
هما أساس الحضارة ، والفنون والعلوم هما ثمرتها ، والبؤس والفساد هما محصل ذلك كله . ولروسو فى ذلك كلمات مثيرة بليغة رنانة واضحة سهلة الفهم ، لا يعجب الإنسان حين يتأملها من أن كلمات هذا الرجل كانت من بواعث الثورة الفرنسية .
ولم تعجب هذه الآراء ضريبه فولتير ، فكتب إليه حينما تلقى الرسالة التى أوضح بها روسو وجهة نظره يقول : " لقد تسلمت يا سيدى كتابك الجديد الذى حملت فيه على بنى الإنسان . . ولم يبذل من قبل مثل هذا الجهد العسكرى لجعلنا جميعا بهائم جاهلة غبية ، وحينما يقرأ الإنسان كتابك يهم بأن يمشى على أربع " .
ولم يقصر روسو فى اغتنام الفرصة لرد هذه التحية إلى فولتير حينما ظهرت قصيدة فولتير فى زلزال لشبونة ، فقد كتب إلى فولتير يقول له : " إن معظم ما يصيبنا من البلاء سببه أسلوب الحياة المعوج الذى تأخذ بذئابه ، فلو أن سكان لشبونة كانوا يعيشون عيشة بسيطة خالية من التعقيد والتكلف لما هدمت فوق رءوسهم منازلهم المشيدة الكثيرة الطبقات ، والإنسان البدائى يعيش فىى الأباطح والغابات ، ولو أنهم عاشوا كذلك لاستطاعوا أن يفروا إلى الحقول وينجوا من هذا الخطر الماحق ، ومن يدرى ؛ فربما يكون هؤلاء الذين قضوا نحبهم فى لشبونة قد تخلصوا من آلام أفدح وشقاء أمر وأقسى " .
والفرق الهام بين روسو وفولتير هو أن فولتير برغم عجزه عن إيجاد دليل على العناية الإلهية فى أحوال الدنيا لم يفقد مع ذلك أمله فى الحضارة واعتقاده بالاستارة ، ولكنه كان يزدرى الجماعات ويراها كالتيران التى تحتاج إلى حمل النير واستعمال السوط والعلف ؛ والحياة فى رأيه أضحوكة محزنة ، قد يمكننا الذكاء من فهمها واحتمالها . أما روسو فقد ذهب إلى النقيض ، فقد ظل محافظا على عقيدته الدينية ،
واثقا بالله ، مكبرا للطبيعة ، متغنيا بجمالها ومفاتنها ، معجبا بالمستوحش الجاهل لبساطته وبراءته ، مرجعا كل العيوب والنقائص والآفات إلى الحضارة التى وجد فولتير فى ظلالها راحة الإنسانية ؛ فروسو على تفاؤله يائس من الحضارة ، وفولتير على تشاؤمه شديد التعلق بالحضارة مؤهل فيها التقدم والسمو ؛ والعجيب أن روسو يحتقر عمل الإنسان
ليكبر عمل الله ويمجده ولكنه فى نفس الوقت يؤثر إنسان الغابات على الإنسان المتحضر ، أى أنه يؤثر وراثتنا الحيوانية على وراتتنا الثقافية الحضارية .
ومن ثم دعوة روسو الناس إلى العودة إلى الطبيعة ، وكتبه المشهورة تتناول هذا الموضوع من زوايا مختلفة ، فكتابه عن العقد الاجتماعى يوضح أن الإنسان قد ولد حرا ، ولكنه فى كل مكان يجر سلاسل الأقياد ، وعلاج ذلك هو استرداد حريته الطبيعة جهد الطاقة ، وكتابه عن الويز الجديدة يحبذ فيه الحب الطليق من القيود ، وكتابه المسمى " إميل " يدعو إلى إنماء المواهب الطبيعة عن طريق التربية لتظهر طبيعة الطفل كما خلقها الله .
وأفكار روسو - على ما بها من مبالغات وعيوب أثرت فى التفكير الغربى تأثيرا شديدا ، وتخرج عليه الكثيرون من الكتاب والمفكرين ، وربما كان فى طليعة هؤلاء الكاتب الروسى الجبار العظيم ليو تولستوى ؛ ففى سنة ١٨٧٨ أى بعد موت فولتير وروسو بمائة سنة ، كان تولستوى البالغ من العصر خمسين عاما قد تبرم بالحياة الناعمة المترفة اللماعة الزاهرة ، وكره الشهرة الأدبية ، والشكوك الدينية ، وأخذ يزدرى الحضارة والقيم الثقافية .
ويخطئ فيما أعتقد من يظن أن تولستوى قد انتابه هذا التغير فجاءة بعد أن كتب آيته الفنية المشهورة رواية " الحرب والسلم " فقد كانت مقدمات هذا الاتجاه وبوادره ظاهرة فى مؤلفاته وملامح شخصيته . وقد بحث تولستوى عن السعادة فى الاسترسال مع الأهواء والنزوات والسير على موائد الميسر والمعيشة بين أحضان الطبيعة فى البرارى والخلوات ، وفى خوض غمرات الحرب وفى الحياة العائلية الهادئة الهانئة وفى الشهرة الأدبية البعيدة المتسامية ، ولكنه لم يجد فى ذلك كله ما يروى ظمأه ، وحينما بلغ قمة المجد رأى أمامه الهاوية السحيقة .
وقد كشف لنا تولستوى فى اعترافاته عن ذلك الصراع الناشب فى نفسه بين الفنان والرجل ، أو بين المؤلف الذى جابت شهرته الآفاق ، ولكنه مع ذلك يشك فى قيمة أعماله لأنه غير واثق من أن الله راض عنها ، بل كان يشك فى وجود الله نفسه ، وكان هذا الشك يؤلم نفسه ويفسد عليه
حياته ، وبرغم ما كان عنده من خيل ومال كان سأل نفسه : " ما معنى ذلك كله ؟ وماذا بعد ذلك ؟ ولماذا يعيش وهل للحياة معنى ؟ " ولقد أحس بعد هذا التساؤل أنه كان يعيش من أجل لا شئ وأنه لا يرى موجبا للحياة . ولقد نظر إلى حياة الرجال المستنيرين من طبقته الارستقراطية فوجدهم لا يعلمون شيئا عن القيم النهائية للحياة ، فأدار الطرف فى حياة الزارعين الجهلة البسطاء وأدهشه أنهم برغم ما يعانونه من الفقر والجهل يقنعون بالخبز الفقار ويرضون بالقليل ، واستخلص من ذلك أن الحياة لها معنى .
وأن هؤلاء الناس الفقراء المساكين يدركون هذا المعنى ، وينكشف لهم سره . وتفتح مغاليقه ، وقد أخبروه أنهم يتبعون قانون السيد المسيح ، ويعملون بوصايته . فحاول تولستوى أن يجد هذا القانون فى الأناجيل ، وقد اعتقد أن فى خطبة الحبل الوصايا التى ترشد سيره وتخرجه من الحيرة وتنير له السبيل فالسيد المسيح يدعو الناس إلى التسامح والاعتدال والحب ، وينهى عن الحسية والأنقياد للشهوات واتخاذ المرأة مطية للمتعة ووسيلة للهو والعبث ، وينهى الإنسان عن وضع ضميره الحر تحت تصرف سادته الرسميين الأعلياء كما هو الحال فى النظام الحزبى ؛ وقد هدم المسيح الحواجز التى تفرق بين الأمم وتفصل بعضها عن البعض ،
وأراد إخضاع العلاقات الأممية للقانون الأدبى ، وأوصى الإنسان بأن لا يكتفى بحب جاره ، بل يحب كذلك هدوه وخصمه والغريب عنه والبعيد منه ، وأن يشمل حبه الإنسانية كلها ، ثم فوق كل شئ وقبل كل شئ أوصى بالإقلاع عن استعمال العنف ، ومقابلة الشر بمثله . وبشر بقانون الحب وعدم المقاومة .
وقد لاحظ تولستوى أن هذه الوصايا والأوامر والمبادئ التى نادى بها المسبح وأعلتها تخالب ما هو متبع فى المجتمع ، بل تناقض الأسس نفسها التى قام عليها المجتمع وأنظمته ؛ وهكذا أفضى نشدان الهدوء الروحى والسكينة الداخلية بتولستوى إلى نقد الحياة الحديثة ومظاهر الحضارة ومقتضياتها .
وأصل الشر فى رأى تولستوى هو استغلال الإنسان لأخيه الإنسان ، وهذه الرغبة الملحة فى تأكيد النفس وفرض الشخصية وإمتاعها وإعطائها سؤلها فى الاقتصاد والسياسة والاجتماع والحياة الثقافية هو اللون الغالب على الحضارة ، ويحمل تولستوى حملة شعراء على الحضارة الحديثة من نواحها المختلفة ، ويكشف عما بها من زيف وباطل وفساد ، وبنقد أدبها وثقافتها نقدا لاذعا نافذا .
ولكن ما هو الحل لهذا الشكل ، وكيف تعالج الأزمة ؟ وهل يستسلم الناس للقضاء ، أو يلوذون بالصوامع وأحضان الطبيعة على طريقة روسو ، أو يعتصمون بالياس والعجز عن تغيير هذه الأحوال لأنه لا فائدة من هذه المحاولة البائسة العقيمة ؟ ولقد حاول روسو فى اعترافاته أن يلقى التبعة على المجتمع ، وهاجم الحضارة ليسوع سلوكه وبرر مواقفه وأعماله ؛ أما تولسنوى فكان أنيل وأصرح وأصدق وأخلص ، فقد استطاع أن يواجه نفسه وينقدها ويعلن ما وجده من تناقض بين تفكيره وأسلوب حياته ، ويجهد لإزالة هذا التناقض ؛ ومن ثم بدأت معركة رهيبة بينه وبين نفسه ، وبينه وبين أسرته وأقرب الناس إليه ، وبينه وبين الحضارة الغربية كلها ، أى انه أخذ يحارب قوى الظلماء المقيمة في نفوسنا ، ويقاوم العنف والكبرياء والشهوة والليل إلى الظلم والاستغلال ، وكان لا يرى بأسا فى التضحية بالحضارة من أجل إزالة هذه العيوب والمساوئ
والعيوب التى يحصيها روسو على الحضارة ، والمساوئ التى يعددها تولستوى جميعها صحيحة ، ولها آثارها السيئة ونتائجها الممزنة ؛ ولكن هل تدل هذه العيوب والمساوئ على أن الحضارة شر ، وأن التقدم الثقافى والتقدم الأخلاقى لا يتفقان ؛
لقد تغيرت أحوال العالم بعد وفاة روسو ، ومرت بالدنيا أحداث جليلة بعد موت تولستوى ؛ ولكن سير الحضارة واتجاهاتها فى العصر الحاضر واستهدافها لأخطار الحروب الساحقة لا يجعلنا نرفض شكوكهما بالحضارة فى يسر وسهولة وثقة واطمئنان .
