الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 650الرجوع إلى "الرسالة"

اليد المقطوعة ، للكاتب الفرنسي جي دو موياسان

Share

التف الجمع حول المسيو برمتير مدير الأمن العام الذي أمكنه أن يجز بذكائه ونباهته رموز جرءة سان كلود التي حيرت أهل باريس مدة عام كامل ، وأن يكشف الستار عنها بما عرف عنه من مهارة البحث، ودقة التحرى والاستقصاء .

وكان السينو برمتير جالسا يدخن غليونه في هدوء بجوار المدفأة التي كانت تتأجج فيها النار ، وقد استاق بظهره العريض الممتلىء على مقصد كبير مريع .

وغادر بعض السيدات الموجودات وسط هذا الجمع مقاعد من واقتربن منه ليتمكن من الإصناء إليه . وكن يرتجفن وهو يسرد عليهن حوادث هذه الجريمة الرهيبة ، ويروى لمن القوامض والأسرار التي اكتنفتها في ذلك الوقت من كل ناحية .

فلما انتهى من سردها النفتت إليه إحدى السيدات وقالت : - إن هذه الجريمة تعتبر في نظري ، بل وقى نظر الكثيرين أيضاً ، من الجرائم الشاذة الخارقة لنواميس الطبيعة .

فاطلبها المسيويره تير وهو ينفث من فمه دخان غليونه في الهواء : - إنها ليست يا سيدتى من النوع الشاذ الخارق لنواميس الطبيعة كما تظنين ، وكل ما يمكنني أن أقوله عنها إنها ارتكبت بمهارة فائقة ، ونفذت بطريقة متناهية في البراعة والدقة . وكان القموض يكتنف هذه الجريمة من كل جانب ، حتى إني لم أتمكن من حلها إلا بعد كثير من المشقة وطول البحث والتفكير

وبعد أن سكت هنيهة تابع حديثه فقال : وقد مرت بي منذ بضع سنوات قضية يمكنني أن أقول

عنها تحق أنها شاذة خارقة لسنن الطبيعة ، وهذه القضية مى الوحيدة التى لم أتمكن إلى الآن من حلها ، ولم أوفق في العثور على أن يساعدى على إجلاء غوامضها . وقد اضطررت في النهاية إلى أن أنقص يدى منها بعد أن فشلت في الوصول

إلى فك رموزها ، و حل معمياتها الكثيره

وكان لهذه البداية المشوقة التي استهل بها النسيو بر مثير فحته أثرها في نفوس سامعيه ، فلم يلبث أن طلب منه النساء والرجاز الذين كانوا يصفون إليه بشغف زائد وانتباه عظيم أن يسرد عليهم تفاصيل هذه القضية العربية . فارتسمت على شفتي المسيو برمتبر ابتسامة خفيفة باعتة ثم اعتمل في جلسته وقال :

كن في الوقت الذي حدثت فيه وقائع هذه القضية الغامضة مفتشاً سرياً بمدينة أجاكسيو ، وهي كما تعلمون مدينة صغيرة تقع على حافة خليج تحيط به الجبال الماليه من كل جانب.. وكانت مهمتى الرئيسية هناك تدور حول كشف الجرائم التي يرتكبها أصحابها بدافع من الانتقام وحده ، ففي ذات يوم نجمات . أن إنجليزيا غريباً عن تلك البلاد نزل في هذه المدينة واختار . لمكناه دارة (فيلا) جميلة تقع فى نهاية الطرف البعيد الممتد من هذا الخليج. وقد أحضر هذا الإنجليزي معه خادماً فرند يا أنساء مروره بمدينة مرسيليا . وقد دارت الإشاعات الكثيرة حول هذا الإنجليزى الذى كان بعيش في هذه الدارة بمفرده ، والذى لم يكن يغادرها إلا عندما يخرج للقنص والعميد فحسب ! ولاحظ عليه سكان المدينة أنه لم يكن يخاطب أحدا من أهلها ، ولا يسير في شارع من شوارعها إلا نادراً ! وكان يتمرن ساعة أو ساعتين في صباح كل يوم على إطلاق النار من مسدسه الذي لم يكن يفارق جيبه الخلف مطلقاً ! وأشاع عنه بعض الناس أنه قدم إلى هذه للمدينة بعد أن فرمن بلاده لأسباب سياسية ، والبعض الآخر أشاع عنه أنه ارتكب جريمة شنيعة في ببيا إلى هذه البلاد هارباً من وجه العدالة : وكانت طبيعة عملى تحتم على إذ ذاك أن ألم بشيء من حياة هذا الرجل الغامض ، الغريب الأطوار ، بيد. أنى لم أنجح في ذلك في بداية الأمر . وكان الإسم الذى عرف به هذا الإنجليزى بين أهل هذه المدينة هو البير جون رويل ، وبالرغم من أننى كنت أفتق آره والازمه ملازمة الظل في كل خطواته

دون أن أشعر بمراقبتي له ، فاني لم ألحظ عليه ما يريبه أو يشين  سمعته بشيء .

ومع كل ذلك من هذه الإشاعات والأراجيف التي كان يتقولها الناس عنه بالحق أو بالباطل لم تقف عند حد، بل لقد زادت في الواقع انتشاراً وذيوعا إلى درجة دفعتني إلى محاولة الإتصال بهذا الرجل مهما كلفني ذلك من جهد أو كبدنى من مشقة وعناء . وكانت أول خطوة خطوتها لتحقيق غرضى أني بدأت أصطاد بانتظام ، وفى مواعيد معينة ، في بقعة كبيرة مكشوفة بالقرب من مسكنه . وفي ذات يوم اصطدت طائراً سقط الحسن حظى في حديقة دارته الواسعة المترامية الأطراف ، فأسرع الذي كنت أصطحبه معى دائماً عند خروجي للقنص والصيد وأحضر الطائر المساب بين أنيابه وهو يلهت من شدة التعب وقد انتهزت حينئذ هذه الفرصة التي أتاحتها لى الظروف للتعرف بالسير جون رويل الذى كان جالساً وقتئذ في حديقة منزله فاجتزت المسافة التي كانت تفصلنى عنه بخطوات سريعة واسعة ، ثم قدمت إليه هذا الطائر - وكان من الطيور الغريبة النادرة المثال - على سبيل الهدية وأنا أعتذر إليه في نفس الوقت من هجمى على حرمة مسكنه . فشكرنى السير جون رويل بحرارة وإخلاص لم أكن أتوقعها منه وتقبل منى هديتي البسطة يتمتم بعبارات الشكر والإمتنان .

وقبل مضى شهر على هذا الحادث كنت قد تبادلت الحديث معه نحو خمس مرات أو ست ، ولكنه كان حديثاً عادياً مألوفا لا يقدم ولا يؤخر . وفى ذات مساء كنت أمر بجوار منزله فشاهدته جالساً في الشرفة يدخن غليونه بهدوء وقد أمك في يده صحيفة يومية كان يطالع فيها بشغف واهتمام . فلما وقع بصره على حبيبته يرفع قيمتي ، فرد نحيتى باسماً ثم دعانى إلى الجلوس معه فقبلت دعوته عن طيب خاطر .

وقد انهزت حينئذ هذه الفرصة التي كنت أترقبها بفروغ صبير فسألته حين استقر بنا المقام عن تاريخ حياته الذي لا أعرف عنه حتى تلك اللحظة شيئاً ! فعلمت منه حينئذ أنه سافر إلى أمريكا وأفريقيا والهند وكثير من الأقطار الأخرى. وبعد أن مهت بيننا لحظة سكوت قصيرة قال لى وهو يبتسم

لقد صادفت أثناء تجوالي في تلك البلدان كثيرا والأهوال التي كادت تودي بحياتي في كثير من الأوقات لولا لطف الله ورعايته . ، ... » وهنا أطلعنى على كثير من التفصيلات العجيبة الخاصة بعيد فرس البحر ، والفهود ، والفيلة ، والفوريلا وغيرها . فقلت له وأنا أعجب بغزارة علمه ، وسعة إطلاعه : « إن هذه الحيوانات وحشية ومخيفة للغاية »

فأجابني محدثى وهو يبتسم بهدوء : لا هذه الحيوانات وحشية وخيفة كما تقول ، ولكن هنالك بين البشر من هم أكثر وحشية وأشد شراسة وفتكا منها ! » وتطرق الحديث بنا بعد ذلك إلى التكلم عن أنواع بنادق الصيد المختلفة . ثم دعانى بعد أن فرغنا من هذا الحديث إلى مشاهدة مجموعة البنادق والأسلحة التي كان يحتفظ بها في إحدى الغرف الخلفية للمنزل . واستر في نظري في هذه الغرفة التي أدخلني فيها شيء غريب معلق على الحائط ، وكان هذا الشيء موضوعاً داخل جراب من القطيفة السميكة الحمراء . فلما اقتربت من هذا الشيء لأتبينه عن قرب وجدته يداً بشرية كبيرة الحجم ! وكانت هذه اليد المقطوعة جافة سوداء ذات أظافر طويلة مصفرة اللون ، وعليها آثار دماء متجمدة سوداء قديمة المهد . وكان يلوح لى على هذه اليد أنها قطعت بمهارة فائقة عند اتصال أعلى الذراع بالكتف بآلة صلبة حادة

ومما استرعى انتباهي أكثر من أي شيء آخر أنني رأيت حول معصم هذه اليد سلسلة حديدية متينة مشدودة إلى حلقة مثبتة في الحائط بدقة عجيبة ، بحيث لا يقوى على انتزاعها من مكانها أقوى الرجال عضلا وأشدهم بأساً !

فلما رآنى السير جون رويل أحدق بدهشة وذهول في تلك اليد البشرية البشعة المنظر تلاشت الابتسامة التي كانت مرتسمة - على شفتيه منذ لحظة وقال : « إن هذه اليد التي تراها معلقة على الحائط أمامك فى يد ألد عدو لى على ظهر البسيطة ، وهو رجل زنجى من أهالى أمريكا الجنوبية ، وقد قطعت يده هذه بفأس كبيرة حادة النصل بعد أن قتلته شر قتلة ، ثم نزعت عنها جلدها . الخارجي وجففتها في الشمس مدة أسبوع كامل واحتفظت بها بعد ذلك داخل هذا الجراب الذى تراها موضوعة فيه ، وكانت أصابع هذه اليد اللعينة طويلة ملتصقا بعضها ببعض بقطعة كبيرة

من القماش الأبيض المتين . وقلت للسير جون روبل وأنا أشيح يوجعي عن هذه اليد التى كان يدل قطعها على منتهى الوحشية والقسوة : « أظن أن عدوك هذا كان قوياً كبير الجسم ؟ " فأجاب الانجليزى بيرود وجمود : ( نعم ! لقد كان ضخماً قوياً في الواقع، ولكنني كنت في ذلك الوقت أقوى وأشد بأساً منه ، وقد ربطت يده في تلك السلسلة الحديدية المتينة حتى لا تحاول الإفلات. منها ! » وظنت حينئذ أنه قال العبارة الأخيرة على سبيل الدعابة والتفكه فقلت : « ولكن هذه اليد لا يمكنها الإفلات بطبيعة الحال ، ولا سيما بعد أن فصلت عن جسم صاحبها الذي قتلته شر قتلة كما قلت ؟ » فأجاب السير جون رويل وهو عابس الوجه ، مقطب الجبين : ( لقد أخطأت القول ياصاحى ، فقد حاولت هذه اليد الإفلات فعلا عدة مرات ، ولهذا لم أجد بدا من ربطها في هذه السلسلة القوية ! ( فنظرت إليه حينئذ نظرة غريبة متشككة وظننت أن به مساً من الجنون ، ولكن جمود وجهه وصرامة هيئته كانا يدلان على أنه جاد في قوله ، صادق في زعمه . ولما سألته من سبب قتله لهذا الرجل انقلبت سحنته واكفهر وجهه تيم رأسه متأسفاً وقال : هذا يا صاحي سرى الخاص الذي  أحتفظ به لنفسى ولا يمكنني أن أبوح به لأى مخلوق ... وتبين لى وقتئذ أن السير جون روبل كان لا يزال يعيش في رعب دائم ، وهلع مستمر من هذه اليد البشرية المقطوعة الكتيبة المنظر

وبعد أن فرغت من التفرج على معروضات الفرقة استأذنت منه في الإنصراف فأذن لي بعد أن أخذ مني وعداً بزيارته كلما سمح لى وقتى بذلك . وقد بررت نوعدى اياه فترددت على منزله عدة مرات ثم انقطعت فجأة عن زيارته لأسباب هامة شغلتني عنه ولاحظت في هذا الوقت أن الأراجيف التي كان يروجها الناس من السير جون وويل بدأت تخف حدتها ، ونقل وطأتها شيئا فشيئاً حتى تلاشت نهائياً في آخر الأمر . وفي صباح ذات يوم أيقظنى خادى من نوى وأخبرني أن السير جون رويل وجد مقتولا فى منزله حوالى الساعة السابعة صباحاً ؛ وهي الساعة التي اعتاد خادمه الفرنسي أن يوقظه فيها من نومه . ولم تمض نصف ساعة على أثر سماعى هذا النبأ السيء حتى كنت في منزل القتيل. ومى اثنان من مفتشى البوليس . وهنالك وجدت خادم السير جون رويل واقفا على باب المنزل في انتظاري . وكان يبكي بحرقة

وحرارة ويبدو على وجهه آثار الحزن العميق والألم الدفين . وجال بفكرى أولا أنه مرتكب هذه الجريمة دون غيره . ولكنى لم ألبت أن نفيت عنى هذا الخاطر بعد أن اتضح لي فيما بعد براءته ممانسب إليه . ولما فحصت جثة السير جون رويل التي كانت ملقاة على ظهرها وسط غرفة نومه وجدت سترته ممزقة شر ممزق ، وكان أحد أكمامها منزوعاً من مكانه بشدة ، فاستنتجت من قد حدثت مشادة عنيفة بينه وبين القاتل . واتضح لى أيضاً بعد ان كشفت على جنيه أنه مات مخنوقاً ، لأن لون بشرته كان يميل إلى الزرقة الداكنة الضارية إلى السواد . وكان يلوح على وجهه الجامد الصارم التقاطيع آثار رعب هائل وفزع شديد . وقد لاحظت أن أسنانه كانت مطبقة بشدة على شيء غريب لم أتبينه في بادى، الأمر ، وكان في أسفل عنقه خمس ثقوب صغيرة بارزة بحجم أصابع اليد. وطبيعي أن هذه الثقوب قد نشأت من غرز أصابع يد قوية شديدة الصلابة . ولما وصل الطبيب الشرعى الذى قدم على أثرنا مباشرة ، وفحص بصمات الأصابع الموجودة على عنق القتيل التفت نحوى وقال : « لقد نشأت هذه الثقوب التي تراها واضحة في أسفل العنق من تأثير ضغط يد بشرية قوية ) . وهى فى الغالب يد هيكل بشرى أكثر منها يد إنسان حي ! ؟ فسرت في جسدى رعدة قوية عند ما سمعت منه ذلك، وانتقل عندما تفكيرى بسرعة إلى تلك اليد المشئومة التي رأيتها في الخلفية لمنزل السير جون رويل .

ولم تمض على ذلك برهة حتى كنت داخل هذه الغرفة ، ، فلم أجد هذه اليد فى مكانها من الحائط ! فدهشت لذلك دهشة عظيمة و تحيرت في تفسير هذا الأمر الغريب الذي لم يسبق أن صادفت مثله فى حياتى الحافلة بالمهالك والمجازفات ! ومما زاد في دهشتی وحيرتي أنني وجدت السلسلة التى كانت هذه اليد مشدودة إليها ، مفككة الأجزاء ، مقطعة الأوصال ، وملقاة على الأرض بلا عناية ! .

ولما عدت أدراجي إلى الغرفة الموجودة بها جثة السير جون رويل ، اتمنيت فوق جسمه الممدود على الأرض ثم فتحت فيه بأقصى قوتى وانتزعت الشيء الغريب الذي كان مطبقاً عليه بين أضنانه فوجدته لعظم دهشتي أحد أصابع اليد المقطوعة المختفية | ولم يؤد البحث الذى قت به في ذلك الوقت في سبيل المثور على

تلك اليد إلى أى نتيجة ، وذهبت جهودى ومتاعي كلها أدراج الرياح ! وعلمت من خادم القتيل عند استجوابي له ، أن جميع أبواب ونوافذ المنزل كانت محكمة الإغلاق في الليلة التي ارتكبت فيها هذه الجريمة ، ولم يسمع الخادم نباح الكلاب التي كان يطلقها السير جون رويل فى حديقة منزله كل ليلة ثما يدل على أن أحداً غريباً لم يدخل المنزل من الخارج ! كما أنه صرح لي ضمن أقواله التي أدلى بها إلى أن سيده كان يبدو قلقاً مشتت الفكر في الشهر السابق لوفاته ، وأنه تسلم في أخريات أيامه رسائل كثيرة كان لا يلبث أن يلقى بها طعمة للنيران بمجرد قراءته لها ! وقال أيضا إنه كثيرا ما رآه ممسكا في يده بهرواة ثقيلة ؛ وقد تجلى في عينيه الرهينتين بريق الشراسة والقضب ، ثم يهوى بها بشدة وعنف على تلك اليد المقطوعة التي كانت معلقة على الحائط ، والتي اختفت من مكانها فجأة فى ليلة مصرعه ! وزاد الخادم على ما تقدم فقال : ه لقد آوى سيده إلى فراشه متأخراً في تلك الليلة المشئومة على عادته ، وأوصد عليه باب غرفته من الداخل . وقد اعتاد أن يضع مسدسه الكبير تحت وسادته بعد أن يحشوه بالرصاص ، ولكنه  نسي لسبب ما أن يضعه في تلك الليلة في مكانه المعهود ...

وسكت الخادم هنيهة ليسترد أنفاسه اللاهثة ثم تابع حديثه لى فقال : ( وكثيراً ما كنت أسمعه يخاطب نفسه أثناء نومه بصوت عال مسموع كما لو كان يشاجر إنساناً موجوداً معه بالغرفة ! ولكنى لم أسمع له صوتاً في تلك الليلة التي قتل فيها ، ولم أكتشف مصرعه إلا عند دخولى غرفته في الصباح بعد أن دفعت الباب بكل قوتى حين لم أسمع من الداخل رداً على نداءاتى المتكررة . ولا يمكنني أن أسهم أحداً ، أو أشتبه في أحد ، لأننى لا أعرف له أعداء على الإطلاق ، فضلا عن  الاختلاط بالناس »

ولما فرغ الخادم من الإدلاء بأقواله غادرت منزل القتيل ثم ذهبت إلى حاكم المدينة وأطلعته على كل التفاصيل التي عرفتها عن هذه القضية الغامضة . وعلى الرغم من التحريات الدقيقة التي قام بنها مفتشو البوليس في المدينة - وأنا معهم - فانهم لم يتمكنوا من الوصول إلى معرفة القاتل الذى لم يترك وراءه أثراً على الإطلاق ولم يعثروا طوال مدة بحتهم على أي أثر -- ولو بسيطا – يستدل يه عليه ! ومن غريب ما حدث بعد ذلك أن أحد رجال الشرطة

السريين أحضر إلى في الشهر التالى لوقوع هذه الجريمة تلك اليد المقطوعة التي اختفت في ليلة مصرع السير جون رويل ، وأخبرني أنه عثر عليها بطريق المصادقة على مقربة من قبر القتيل نفسه ! فلما اختبرت هذه اليد وفحصتها بعناية ودقة بالغتين ، وجدت أحد أصابعها ناقصاً ! فتذكرت على الفور ذلك الإصبع الذي كان السير جون رويل مطبقاً عليه بين أسنانه . وبمطابقة هذا الإصبع الذي احتفظت به معى بعد وقوع الجريمة بباقى أصابع اليد ، وجدته يطابقها تمام المطابقة :

وبعد أن سكت المسير برمتير سكتة قصيرة حول وجهه نحو مستمعيه ليرى تأثير قصته في نفوسهم ثم استطرد في حديثه فقال : - هذه هي تفاصيل القضية الغريبة ، وهى مع الأسف الشديد كل ما أعرفه عنها حتى يومنا هذا

وهنا سأنته إحدى السيدات وهى مجفف بمنديلها قطرات المرق الذي أخذ يتجمع فوق جبينها فقالت :

- ولكن حل هذه الجريمة لم يزل غامضاً لنا ياسيدى إلى الآن ؟ فابتسم المسيو برمثير إبتسامة منتصبة وأجابها بقوله :

- إن الذى أمكنني أن أستنتجه من خلال الحوادث والملابسات التي مرت بهذه القضية الغامضة ، هو أن صاحب هذه اليد المقطوعة لم يمت كما توهم السير جون رويل . والظاهر أنه تتبعه في كل رحلة من رحلاته ، واقتنى أثره في كل مكان ذهب إليه ، حتى استقر به المقام مدينة أجاكسيو . وهنالك أمكنه أن يقتله في منزله بيده الأخرى الصحيحة شر قتلة بعد أن نشبت بينهما تلك المعركة العنيفة التي أدت إلى مصرع السير جون رويل فى النهاية . ويلوح لى أن المجرم انتزع اليد المقطوعة من مكانها بعد أن فرغ من ارتكاب جريمته ، وغرز أصابعه في عنق القتيل تشفياً وانتقاماً نه ثم أخذها معه وفر هارباً . فلما دفن السير جون رويل ذهب هذا المجرم الجرىء إلى مقبرته ووضع هذه اليد بجوارها ، ليوهم الناس أنها هى التى قتلته من ناحية ، وليضلل رجال البوليس من ناحية أخرى ! فاذا كان استنتاجى هذا صحيحا فلا شك أن القاتل قد نجح في تحقيق فكرته الشيطانية كل النجاح ، ووفق في الإنتقام من السير جون رويل كل التوفيق . أما الطريقة التي دخل بها المجرم إلى منزل عدوه ثم خرج منه على الرغم من أن النوافذ والأبواب كانت موصدة كما ذكر الخادم في روايته ، فهذا ما لم أجد له حلاوتم أتوصل إلى معرفته الآن !

اشترك في نشرتنا البريدية