إن عضو اللمس المثل في اليد يعد بحق من أعجب الحواس ؛ وذلك لاسباب شتى ، فان اعضاء سائر الحواس مستكنة غير عاملة . أما عضو اللمس وحده فنشيط فعال ، فالعين والأذن والخياشم من طبيعتها أن تكون مستكنة ينفذ إليها النور والصوت والرائحة . ونحن نري ونسمع ونشم مضطرين غير مختارين ؛ ولكن اليد تختار الشئ الذي تلمسه ، وتلمس الشئ الذي ترغب فيه ، وتبعد عنها الأشياء التي تكرهها ، وتشير إلي الأشياء التي تريدها ؛ بعكس العين التي كثيرا ما تجبر على الرنو والاسفاف إلي مناظر مخيفة لا تستطيع التحول عنها ؛ ومثلها الأذن التى
لا يجد مهربا من سماع أصوات متنافرة ، والأنف الذي لايقوي على انقاء الروائح الكريهة.
وفوق ذلك فان اليد لا تعنى بسد مطالبها واحتياجاتها فقط ، ولكنها تأخذ على عاتقها واجبات اعضاء الحواس الآخر حين يلحقها عطل أو عطب . فيد الأعمي تسير امامه وترشده في الطرقات وتجوس به خلال المنعطفات ، وتتلمس له الطريق السوي ، وتجنبه مواطن التيه والضلال ، وتتفحص له وجوه أصدقائه ، وتخبره عمن يرمقونه بنظرات العطف والحنان ، وتتلو الكتب فتقطع الساعات الطوال بمطالعتها الصامتة الخرساء .
وكذلك تقوم بخدمة المرء حين يبكم اللسان وتصم
الأذن ؛ فان اصابع اليد تتحدث ببلاغة إلي العين وتمكنها من القيام بوظيفة المصغي واعضاء الحواس الأخرى كلها في اكمل حالاتها ترتكن على اليد في تنظيم قواها وتعزيز وظائفها ، فهي تصوغ للعين صورة من ذاتها ، وتمنحها مرغبا تحصى به النجوم وترصدها ، " وبصورة اخري تمدها بمجهر تستعين به على ولوج عالم جديد من العجائب .
واليد هي التي تعمل للآذان الآلات التي تهذبها وتنفعها في مسامعها حتى تتهذب قواها على اكمل ما يكون التهذيب وهي التي تقتطف للأنف الزهرة التى يتوق إلي استنشاق عطرها وتستنظر له نفع الطبيب من كل عرف خدي يحبه ويؤثره
اما اللسان فانه لو لم يجد اليد لتخدمه لتخلي عن عرشه كرب الذوق ؛ وبالجملة فان عضو اللمس هو خادم سائر الحواس.
وإذا كانت اليد تخدم الجسم بمثل هذه الأريحية فانها لا تني عن إظهار عبقرية الإنسان وما أودع من نبوغ وذكاء وشجاعة ووجدانات وإرادة وقوة ضع فيها سيفا فتحارب من أجله ، وضع تحت سيطرتها محراثا فتشق له احشاء الأرض لتجود بغلائها ، ضع فيها فيثارة فتوقع عليها اعذب الالحان ، وأعطها ريشة فترسم بها اعجب الصور ، وناولها قلما فتجود بالدرر الغوالي وتعرب عن أرق الهول .
أي شيء لا تفعله اليد ؟ بل أي شيء لم تفعله ؟ إن الفاطرة ليست سوى يد مكبرة صنعت لتذيع قواها بواسطة يد الانسان الصغيرة ، وآلة الاشارة البرقية ليست إلا قلما طويلا تحركة اليد الصغيرة لتنقل به " رسائلنا على جناح السرعة ؛ وكل مدافعنا الضخمة وسائر معداتنا الحربية التي تذبح بها إخوتنا في البشرية تمثل يد قابيل قاتل أخيه ، في
شكل أكبر منها حجما وأشد فتكا . أما الباخرة أما خطوط السكه الحديدية . أما القطار أما الصرح البازخ . أما مدائن المعمورة بل الغارة التي تشمل المدائن لا بل كل ما تعمر به الكرة الأرضية ، فإنما هي صنيعة تلك اليد الجبارة التي نفذ الجنس البشري بوساطتها وحقق رغائبه جميعا ، وكلما فكرت في جلائل الأعمال الى قامت بها اليد البشرية منذ اليوم الذي مدت فيه حواء يدها الضالة لتقتطف الثمرة من الشجرة المنهي عنها إلي الآن ، وكلما تأملت ما فعلته الأيدي البشرية من الشر والخير منذ ذلك الحين ، أرفع يدي الواهنة وأرنو إليها بعين التعجب والرعدة فيالها من أداة للخير ويالها من أداه للشر ويا لقدرتها العظيمة ؛ فأية آلة لا تجيد استعمالها ؟ بل اية اله؟ تكون بعيدة عنها في ساعات كدها وكدحها ؟ بيد أننا بجهلنا نقصر لفظة الصانع والعامل على أرباب الحرف الوضيعة ، مع أنها ينبغي أن تطلق على الناس المجدين المستقيمين النبلاء المجتهدين ، ويجب أن تكون الشعار الذي يتوق كل منا إلي اتخاذه .
إن الصولجان قد جعل ليد الملكه ، والخيام ليد الجندي ، والنشار ليد النجار، والمطرقة ليد الحداد ، والمحراث ليد الزارع ، والمعول ليد المعدن والمجداف ليد الموتى، والريشة ليد الرسام ، والأزميل ليد النحات.
وإذا تم تكن إحدي هذه الأدوات موافقة ليدنا فإن سلسله المجرم خليفة بأن تطوق معاصمنا ، وأغلال السجين لها ان تصفد ايدينا على أن لكل رجل مجد ، ولكل امرأة مجتهدة أداة يجب أن يتعلم استعمالها ، والوصية الالهية تهيب بنا قائلة :
كل ما تجده يدك لتفعله فافعله بكل قوتك "

