الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 452الرجوع إلى "الثقافة"

اليزابث باريت، الشاعرة

Share

كانت الدار تنبيه على ما جاورها من الدور فى الفخامة الظاهرة والصنعة الماهرة ، فى ذلك الحى المصرى فى المدن ؛ ولكنها مع ذلك ومع ما اوتيت من بسطة فى الحجم كانت كئيبة الناظر كان بها مسا من حزن أو طابعا من كدر وفى قلب الدار كانت ترقد على اريكة من الأرائك المبثوثه فتاة فى قمة الصبا وعنفوان الجمال لولا صفرة تشيع فى وجهها تحدث الناظر أنها أليفة الصبا منذ أعوام

وهذه الفتاة السامقة ذات القامة الهيفاء والنظرة الساجية التى فرض عليها السرير فرضا ، ما تزال لمويا فى نظراتها الساحرة وابتساماتها الساخرة وسجيتها التى تفضى بوضوح إلى ما يستقر فيها من التشوق والاستطالة إلى تعرف ما تزخر ،به الدنيا من وراء ذلك المحبس الآليم والعذاب المقيم ؛ وهي إذ تبتسم تفعل ذلك فتؤاخى بين حسرة الحاضر وانس الماضى ، أيام كان لها ان تعبس بين الأغصان الخضراء والغمائم الباغتة . فأصبحت لا يمكنها من الأمر شيئا .

ولكن إذ سلبت كل هذا ، فليس للسالين عن الرض وغير المرض علي بسماتها الجميلة من سبيل ؟ فهى تبتسم متى شاءت بثغرها الفاتن بلا رقيب . واما مقلتاها الواسعتان اللتان تتناوبان دائما بالتحرر من عبودية الفراش ، فهما عنوان حسنها المغري ، وهما كذلك الأفكرهة الحية تطفو على مأساة الوجه الكئيبة لكى تفر الشففتان عما يزيل الستر عن مفاتن الأسنان .

هذه الايثرات بديت ، للأنسة الكاعب الحسناء ، ما تزال رهينة المحبسين ، الفراش والبيت ، زمنا طويلا ، وقد وكلت بها حراس أبيها الكثيرة ، تمسكها عن الحركة وعن التناهض وعن أن تجوس خلال الدار مخافة أن ينقصم

منها ركن أو تطيش منها جارحة لأن فتاته على حد ما كان يقول : " قابلة للتكسر والتبعثر "

ذلك ديدن ) المستر بارت ( ينهض من مكانه وبنصرف إلى بعض امره ، ويريح عن مائدة الطعام ، ويجلس إلى بعض الأصناف ؛ ولكن روحه فى كل هذا ترفرف على هيكل فتاته الحبيب ، يخاف عليها أن تقوم من فراشها ، ويحذر انها إن فعلت جاءه بالويل العظيم مما قد تتحركه مما يؤخر عنها الشفاء دهرا آخر .

وهو إذ يأبى عليها وبعضها هذا العصيان فيما تريده من الحركة والخروج ، ينصاع إليها الانصياع كله ، ويعطيها الطاعة اجمعها ، ويخلص لها العبادة ، ويكرس نفسه اشد التكريس في كل ما تريده ، فما اشتهت أمرا ولا عنها خاطر إلا وكان إلى ذلك أسرع من لمحة الطرف ووجيع الضمير

وقد ارتضت ) اليزابث ( هذا من أجل ذاك وتشاغلت عنه لانها من خارج المنزل بلذات من الكتب الجميلة ، وعالجت في فراش السقم بعرض الشعر ، فجاءت بالأسي نوعا ، والأخف ظلا ، وباحب ما يأمر القلوب وزنا وطاقة والحنا ، لحمل الأب بعض هذا إلى بيوت الطبع فخلده هذه للقارئين مسلا مسني ، فعرف الناس ) اليزابث بإرت ( واحبوها جهدهم ، وتطلعوا إلى ما يخرج به الصحف عليهم من قلمها العبقري وريشتها اللمياء .

وما كان لأليزابث أن تكتب فقط فقد أرادت أن يحمل إليها كل ما تفيئ به المكتبات من جديد ، ففعل أبوها ذلك وحمل إليها فى جملة ما حمل ذات يوم كتابا صافه احد الشعراء من المعاصرين ، فنزل من اليزابث منزلا محمودا وراق لها وأيقظ فيها الهامة وأشاع فيها القافية لحظات ، فخرجت من ذلك كله بقصيدة توصف فيها ذلك الكتاب . وانحدرت كلمات البزابث فى قصيدتها العظيمة تلك تهز كل قارئ ونعجب كل اديب وتامل كل شاعر ، ولكنها

زلزلت المؤلف ودكت قواعده . . وهكذا كتب إليها ) رويرت براوننج ( يشكرها احر شكر ، ثم عقب على ذلك ان خضعى إليها ليصافحها ، ولكنه وجدها فى فراش السقم فاحنى راسه لمرقد المقربة وقراها من حيث يقف اطيب السلام !

هناك فى تلك الغرفة . قامت أكبر معجزة في تاريخ الحب بين شاعرين ، فقد أحبها وأحبته ، حبا عاتيا عاشا بالمرض وغير المرض ، مستهينا بما تقيمه امثال هذه الأمور من الحواجز ، فما كان للمرض إلا ان يتصاغر ويدير ، وما كان للفراش إلا أن يستقبل مما أريد منه ولكن أبي لها الأب وهو يعلم أن فتاته القابلة للانكسار يجب أن لا تبرح الفراش مادامت صفراء أو ما دام فيه عرق ينبض . وهذا الوجه الأخير اولى الوجهين عنده واصحهما فى عقيدته ، إذ انه الفها الفة كبرى حتى استحال عليه ان يفهم الحياة بدونها ، بل استحال عليه ان يفهم الحياة من غير أن تتمدد هى فى ذلك الركن من بيته كما فعلت منذ اعوام . وعلى هذا فقد كان يريدها ان يحزم فى إزعمها التزوج بالسلب ، وان يجعل رفضه ذلك رفضا مؤكدا بكل وسائل التا كيد ، وغير قابل لشئ من إعادة النظر أو التمييز .

ولقد علمت البزابث أن أباها العنيد الذي يتحاماه الناس لمناده سيكون أبلغ أثرا فى هذه الصفة من أى وقت مضى ، ولكن الحب الغرير الذي يصفه الواصفون طفلا يحتقب سهامه وقوسه ، ويصفه الواصفون بأنه كالفراشة الجميلة ، أشد عنادا من ) اليزبث بارت ( فليتفازع هذان المناديان فؤاد تلك الفتاة ، وليقم يراوننج غير بعيد من النتيجة المحتومة ، وإن كان يدري ان والد فتاته يضمر له بجانب حبه الفتاة بغضاء صامتة تمر على التأويل والتفسير كثير

والتي الحب من بعد همسته الرفيقة في قلب العاشفين اختلافيا على ميعاد واقاما بصممان سعادتهما القبلة ويضمان

لها من الخطط والألوان والثقايا والحواشى ما لم يكن ليخطر بيبال المستغر بارت ، حتى كان لهما ان يرتبطا فى صباح يوم من أيام أيلول الرباط المقدس الذى تحيكه أنامل الحب الرقيقة الناعمة النسمة حياكة لا تعرف قطعمها أدوات القطع من بنات المادة ولا من عباد المنمنات او المال . وما كان للأب أن يعلم هذا أو بعض هذا حتى رأي السرير الذي تتسطع عليه فتاته شاغرمنها وفارغا باء . يتثاءب وبتمطى بعد أن قام الكابوس من صدره المسكين بعد طول جثوم

ولودرى أبو اليزابث أو سرير اليزابث أن ابا وأسرة وبيتا من صنع الله لا من صنع المنار على كتب منهم هى التى نطقت بالكلمة الفصل فى مسألة اليزابث وانها على مقربة من حيث يقيمون ، لكان للموضوع من حيث كونه نازلة مهيضة لون آخر من الوان الكائبة وطعم آخر من مرارة الخيبة التى يذوقها أفانين أفانين ذوو المناد . وإذ كان الاب يشق طريقه فى دنيا الكائبة شقا كان الزوجان يشقان طريقهما كالمسيح رويدا إلى باريس دار الفتنة الخالدة والجمال السائغ الربان

إلى باريس ؟ . بعد الفراش ، وإلى باريس بعد المناد واليأس والقنوط أمر يعنى كثيرا قولهم : إلى جنان الخلد تجرى من تحتها الأنهار . ومن بعد باريس إلى إيطاليا حيث يشفى العش الذي يعز على الدنيا ويطول ، وحيث يزدهر الغرام ويمتاج ويتألف ، وحيت يصفو النشيد وبترقرق ، وحيث تممر جهاته جميعا فلا ينطق إلا بها ، ولا يغنى إلا بجمالها ، ولا يعبد إلا الوقاء ، الذي علمته هى كيف يكون . وفى طريق باريس الفنان ، وفى طريق إيطاليا البديع ، لعل قلب العاشق بالأبد الحانا من الفريض ، وأرسلها تيجانا من الندى على الأزهار والرياحين والجداول أروع ما تكون النيجان لؤلؤا ولآلا ،

لم يكن الفتى ثانيا أخرس من قبل فأثارته المناسبة العارضة ، ولم يكن عقيما لفجاءه الفتح . فقد كتب منذ نمومة

أظفارة بقطوعاته الأولى التى تهر الشاعر ، وكتب رواياته الشعرية الجميلة التى ما زالت تحدث الناس احاديث الصبا والجمال

ولكنه فى إيطاليا وفى ربيع حياته بين سمع الحبيبة وبصرها جاء بالعجزات من القصائد كانهما استلهما من دارهما الجميلة فى ) فلورنسة ( وفى شمس إيطاليا البديعة المساعفة كل ما يريده لشعره العبقري من الوان تزيد حتى عن ألوان قوس قزح .

لقد كانا يجنحان فى الا كثر الأعلب من أوقاتهما إلى رحلات خلوية ونزهات فى المدن الصغيرة والأرياف ، وإذ يعودان منها بفرغ هذا ما رايا وما سمعا على قراطيسه فيفتن بها السامع والقارئ فتونا ، فاذا زهد فى الكلام لجا إلى النحت ولجأت إلى التصوير فأنما به لبانهما من الفن السحري البديع

وهكذا خرج بروائع من انجليزيته المحافظة إلى ضروب اخري فى شعره ، وخرج من مالوف التشابه والاستعمارات وغيرهما من فنون البلاغة عندهم إلى اغيارها ، كما انه خرج عما كان يجب ان يؤثر فى مشاعره الخاصة من مناظر الرقعة التى درج فيها إلى سواها

أما اليزابث الفتاة القابلة للتكسر والتبعثر ، والتى كان أبوها يظن فى صحتها الظنون ويذهب فى العناية بأمراضها الموهومة المذهب ، فقد تحسنت هذه الاجواء والنقل تحسنا لا مطمع فيه تستزيد . وعكفت هى الأخرى تصع احسن ما جاءت به فرائح النساء من شعر اريب ، حتى كانت فى الصف الأول من شوار انجلترة العظيمات

احتفل الحب بعامة الخامس عشر ، ولكن ما هى إلا فجاءة من مفاجات الأيام ، حتى اختطفت المنون اليزابث خطفا ، ولم تستأذن هذه المنون الحائرة نفس براونتج الحائرة ولا قلبه الذي ما يزال عامرا بالشباب . وأدار يراوننج مقلتيه المستكينتين فيها حوله فرأي وادي الأطياف عامرا بأطيافه

ورأى حول خاتم الزيجة وكتاب الحبيبية . وهنا كتب قصيدته الكبرى والأخيرة التى سماها ) الخاتم والكتاب ( لعلها هى التى استنقدت القسم الاكبر من العاميين اللذين قضاهما من بعدها فى لندن موغلا فى المشاغل متشبثا بأذيال النسيان .

لقد كانت اليزابث السر الخالد فى شعر يراوننج ، فلما افلت عاني شعره كآبة تدل على فقدها . وأصبحت نظريته التى حمل لواءها طوال حياة اليزابث القائلة بأن التشاؤم إثم ثورة فى نفسه يسمع الإنسان مبداها فى شعره الذى اضفى على ابيانه برودا من التعقيد ىوالمنوى ، يخرجه من الشعر المتقائل المرقص إلى غيره من ذى اللحن الرزين والوزن الحزين . ولكنه اقام يقول : إن الحياة يجب أن تحيا لطرد الرذيلة وتوطين النفس على طردها . ولقد كتب في الصحيفة الأخيرة من كتابه الأخير المسعى ) أزولا ندو (ASDlsndo) والذى نشر للناس وم وفاته بطريقته المألوفة الواضحة الجميلة الأبيات التالية :

إن الذين يسيرون فى الحياة قدما

ولا تطيب لهم نظرة الوراء أو التلكؤ

والذين لا يؤمنون بتفوق الرذيلة

والذين يعلمون ان الباطل جولة ثم يضمحل

هم الذين يحسنون الجهاد

وهم الذين يرقدون ليستيقظوا

هذا يراوننج أثنت عليه اليزابث ثم الهمته ثم سبقته إلى حيث لحق بها ، فما كانت فى كل ما فعلت غير مثال يحتذى ، وغير نفس محترم . وهذا يراوننج فى حياتها امرؤ عرف السعادة ، وفى موتها سعد بالمعرفة ، وهذا هو العالم يقوم من بعدهما إلى ما بقى على مائدتهما الكبرى ليجمع ما بقى عليها ، فإذا هو يعود بما يكفى دهرا طويلا

اشترك في نشرتنا البريدية