الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 344الرجوع إلى "الثقافة"

اليقظة الروحية فى الشرق، (موضوع في مقالين هذا أولهما)

Share

في هذا المقال عرض مجمل لتطور الشعر والأدب المسرحي وأدب المقال ثم الترجمة .

اجتاز الشعر عدة أدوار خلال الثورة الأدبية في الصين والإنقلاب الذي أدي إلي استعمال العامية في الإنتاج الأدبي ،  فقد ظهر الشاعر الصينى في أول الأمر متململا لا يكاد ينتهي إلى تجربة حتى يتركها إلي أخري . وظل شأن القافية معه موضع تناقض طويل . عند ما كان يعن للشاعر أن يغني كانت تبدو أقوى رغبته في التخلص من كل القيود ، ولكنه سرعان ما كان يدرك أن الشعر كاللوحة  لا بد من أن تبدو في إطار ، فلم تقل رغبته في الإبقاء على الإطار عن درجة اندفاعه لقرض الشعر.

ولقد كان علم العروض في الشعر الصينى من قرون مضت حملا ثقيلا لا يقوي عليه إلا العبافرة منهم ، وقد ظل كذلك حتى صارت أوزانه آلية ومعانيه على شئ من الابتذال والركاكة . فمكان من مزايا حركة التجديد أن خلصت الشعر من قيوده التقليدية ، ولكن المحاولة كانت في نفس الوقت سبباً في تقلفل الحدود بين الشعر والنثر.

وكان من مدركات الحركة كذلك توسيع مدى الموضوعات ، إذ لم يكن للشعر الصينى من وجود سوى وصف الرياح والأزهار والقمر والثلوج ، بينما كان حصر الشعر في وصف الطبيعة من عوامل انتشاره والاستمتاع به خارج الصين ، حتى إلي الحين الحاضر لم يكن ذلك الحصر يكاف للجمهورية الصينية التي أرادت الأدب على أن يلعب دوره في حركة الإصلاح الاجتماعي ، فضلا عن رغبة الشعراء القوية في اكتشاف آفاق جديدة خصبة . وقد ساعد ظهور الشعر المنثور على التخلص من ذلك التحديد التقليدي

لموضوعات الشعر . وهكذا كان تحرر الشعراء كاملا . كتبوا كما أملى عليهم الوحي ، على أن انعكاس الطبيعة على العقل البشري ما يزال من أحب الموضوعات لديهم .

ثم جاء دور لم يظهر فيه الشعراء ارتياحهم إلي هذا التحرر المطلق من أى وزن أو قافية لأنهم سرعان ما أدركوا أن الشعر كالمغنية أو الممثلة الأولى على المسرح ، لا بد لها من الثوب الانيق . وبدأ الشعر يحس بخجله من الظهور عاريا بغير كساء . فاتجه الانتاج إلي الابقاء على شيء من الخصائص الموسيقية ، وأقدم (عسوتشى مو ) من قادة الشعراء في الصين ، على محاولات جريئة في إدخال أوزان الشعر الإنجليزي علي الشعر الصيني ، محاكيا قصائد العصر الاليزابيثى وأبيات بيرون الشعرية ، ولكن ثورة جديدة تولدت من هذه الحركة الأخيرة لأن الأبيات الشعرية أثبتت من جديد صرامتها وجمودها بحيث لم يقو الذوق الصيني علي هضمها ، وراح ( كاو موجو) فائد الثورة الأخيرة يصرح بأن جمود البيت الشعري يخنق تعبيراته العاطفية ، وبدلا من هذا التكلف في وقع الكلمات المحملة بصور مرئية راح يترك عاطفته تتدفق في سيل جارف على هذا النحو :

إنه يا ضجيج المدينة العظيمة

تنبضين بحياة ،

ضاربة ، عاصفة ، صائحة

متفجرة ، هاربة ، وثابة .

هذا الأفق المتستر في الضباب

وقلبي الذي يقفز إلى حلقي .

وترجم (كاو) رباعيات عمر الخيام وفاوست وشلي إلي الشعر الصينى غير تأليف القصص والمسرحيات . ولكن هذا التدفق العاطفي في أشعاره قوبل بالنقد ولا سيما من البروفوسور (لبانج تشى تشاو) الذي كان يضع اللياقة  والتحفظ فوق الإلهام ، وهنا ظهرت هيئة جديدة تثور على الوزن كسابقتها ، ولكنها لا تقر في نفس الوقت تلك السهولة

المطلقة . وكان من أعضائها (لى تشن فا) مثالا درس البحث في باريس وكان تابعا أمينا لمدرسة الثائريين ، وقد ابتدع نوعا جديداً من الشعر المليء بالخيالات الغريبة والاستمارات العميقة وإشارات متكررة إلي أساطير الغرب . وتتجه  أغلب أشعاره نحو شهوة الجسد :

اصبعى هذه الجسور

تتحسس حرارة جسدك

فيضل في الغاية القلبي الصغير

ولا تبقى إلا رائحة أوراق الشجر الميتة .

وتتجه بعض أشعاره نحو التأمل والتفكير الحزين ، والاعتزاز بالماضى القديم على العكس من الثوريين . ومن شعره في مجموعة " لا تعد أبدا "

هيا أرحل أيها الصبي

إلى المدن التي بادت

وترقد الآن في ظلام القرون .

الجداول تغني أغنيات متشابهة

كتنهدات شاعر الشرق

قلوبها كانت قدت من الصخر

الذي تغطيه أعشاب كثيفة

وتطور أسلوب الشاعر "لي" ، وتأثر بشعراء التجديد في الغرب أمثال بول فاليري ، ت س . البوت ، حتى وصل الشعر إلي حال لا يدرك فيها القارئ المعنى الكامل ما لم يكن من سعة الاطلاع بحيث يستطيع أن ينفذ إلى المعنى من بين السطور أو من خلال كلمة تشير إلي معني طويل أو أسطورة كاملة ، ولم يكن يستغرب أن تضح عامة القراء من اتجاه كهذا

وعلي أي حال ، لقد كان فضل الفنانين على اللغة العامية كبيرا ، فقد منحوها عمقا وقوة مع أن أول المنادين بضرورة استعمال العامية كانوا جماعة أكثر وعيهم من الناحية

الاجتماعية لا من الناحية الفنية .

ومن التأليف المسرحي يذكر الكتاب وعنوانه  "اذكره لأول مرة " (لوحة من عصر معذب) أن الحركة على عكس فروع الأدب الأخرى ، بدأت بترجمة المسرحيات الغربية بعد تكييفها للعرض المحلي . وقد انتقي منها بالطبيعي تلك التي تعكس مواضع حساسة في تفكير الشعب ، مثل غادة الكاميليا بمساسها بناحية الزواج والحب ، ومثل كوخ العم توما التي تتناول الحقوق الإنسانية وموقف الصين الذي يماثل الزنوج في الرواية . ومن ذلك المسرحي الغرويجي العظيم ابسن بتطرفه في الثورة ضد التقاليد ، عرف كتاب الصين أن أعظم رسالة يؤديها المسرح هي كشفه الغطاء عن كل خطأ وعرضه لسخافات المجتمع القائم . فكان مما جاء في خطبة الافتتاح على مسرح الشعب عام 1921 : " لقد ولي العصر الذي ينظر فيه إلى الدراما كتبئ للتسلية والترويح عن النفس . ما المسرح الحديث إلا مجلة تدفع إلي الأمام كل تقدم اجتماعي ، أو ميكروسكوب تري من خلاله أمراض البيئة . إنه مرآة لا ترحم عليها تنعكس كل النواحي المخالفة لحياتنا القائمة ".

اشترك في نشرتنا البريدية