سلسلة الكتب المسماة P.E.N هى سلسلة تصدرها هيئة دولية من أرباب القلم لتوطيد صلات التعارف والتعاون الثقافى بين الكتاب فى كل دول العالم ، والعمل على تنمية الذوق الأدبى وتوفير حرية الكتابة والتعبير وحسن النية فى العلاقات الدولية .
والكتاب الذى لخصته فيما يلى أحد هذه الكتب ، ألفه عضو من أعضاء الهيئة كدراسة عابرة عن الأدب الصينى ]
كانت حضارة الصين القديمة تشبه نهرا رئيسيا ينساب . هادئا خلال واد بين جبال عذراء ، وكانت تتفرع من النهر جداول ثانوية ، ولكنه ظل ينساب لا يغير شئ من مجراه حتى نهاية القرن الماضي عندما نازل النهر مرغما بحر الثقافة العالمية ، فكانت زوبعة واضطراب تمخض عما سمى بعد بالثورة الأدبية .
وفى تحليل المؤلف لعناصر هذه الثورة وبدء التحلل من القديم يذكر كيف وقفت اللغة كالسد الأول فى تيار تقدم الجمهورية الصينية .
كانت اللغة القديمة وسيلة الكتابة ، وأسلوب الحياة العلمية والعامة ، وظلت مكانها مقدسة حتى انهيار أمبراطورية منشو فى أوائل القرن العشرين ، وكانت هذه اللغة تختلف
عن اللغة الدارجة فى الجوهر ( شأن اللغة العربية الفصحى والعامية ). وعلى الفرد قبل أن يتاح له أن يشغل وظيفة أو عملا ما أن يجتاز امتحان الأمبراطورية الذى كان يستدعى التمق فى دراسة اللغة القديمة المعقدة .
عقبة كانت تعنى أن أغلبية عظمى من الجمهور الصينى لن تدرك فى المستقبل القريب إلا قشور التعليم ، مع أن البلد فى أشد حاجة إلى تفتح أذهان أبنائه فى عصر التقدم خصوصا وأن عن يمينها جارة تعدو فى طريق التطور الحديث وتهدد سلامة الصين .
كان الشباب الصينى من حسن التبصر بحيث لم يحكم عاطفته فى حل المشكلة ، فقر الرأى على جعل العامية لغة الكتابة ، وعن هذه الخطوة يقول هسابوتشن المؤلف :
(( لم يكن هذا العمل عملا معقولا ومناسبا فقط ، بل كان الأسلوب العامى أبلغ فى التعبير ولا تكلف فيه ، - (( وحق للصين أن تفخر بهذا الإصلاح الباهر وأن تطلق عليه عصر النهضة . لقد كان - كمحاولة فى تطبيق الديموقراطية على اللغة نتيجة ليقظة الفرد - عصر نهضة عن حق ، وأهم حدث فى خمسة آلاف سنة ))
ولم تكن المخترعات الغربية الحديثة سبب التغيير فى
نظرة الصين العامة للحياة ، وإنما كان للنشاط الشامل فى ترجمة الأدب الغربى أكبر نفوذ إيجابى على الإصلاح ؛ فمن أدب روسو ومل ودارون وسبنسر وبرتراندرسل عرف أبناء الصين معنى الديموقراطية إلى جانب تحصيل العلم ، ورفع لهم الستار عن حقوقهم الاساسية كمخلوقات بشرية . وقد كان التخلص من النظام الأمبراطورى آخر خطوة توجت تحرر الصين السياسى .
وكان من العجيب أن تقدم الصين - بتاريخها الثقافي العتيد وعزلتها التامة حتى القرن الماضى - على تغييرات حيوية بمثل تلك السهولة ، وهى التى نصف قرن مضى مازالت تفضل المعاهدات الجائرة على مواجهة حقائق الحياة القاسية !
ويفسر المؤلف السبب بأن القرن التاسع عشر كان يقف أمام الصين كالشبح المرعب ، كانت فترة سادها الهوان والمذلة فى الخارج ، وانتشر فى الداخل الانحلال والفساد مصحوبين بالفاقة والجهل والأمراض وكل سموم الأمبراطورية متعفنة . أمبراطورية كانت تلفظ النفس الأخير والدول الأجنبية تشهر لها مبضع التشريح . فلم يحاول شباب الصين أن يستهينوا بالخطر المحدق بهم بعد أن رأوا مصير الهند وكوريا ، ولم يعودوا يحتملون تقاليد تغل أقدام النساء وتحنى ظهور الرجال . فانبعثت ثورة سياسية واجتماعية وثقافية ، وكان الأدب الحديث قائد هذه الثورة ووسيلة تدوينها والمرآة التى انعكست عليه :
فظهرت فى ربع القرن الأخير مئات الروايات وآلاف القطع الشعرية والمقالات فى الأسلوب الديموقراطى الجديد وكلها تؤكد كفاءة اللغة وسعتها للتعبير عن كل درجات العواطف البشرية ووصف كل ما على سطح البسيطة تدرجا من أرجل الحشرة إلى مناظر الشلالات الجبارة . كانت الوسيلة الجديدة ضرورة للتعبير عن الصين الجديدة ، وأصبحت هذه اللغة الحية الممر الطبيعى لكتاب الصين
المعاصرين
وعن فروع الكتابة يقرر المؤلف أن أروع محصول الصين الأدنى فى العصر الحديث هو فى ناحية التأليف الروائى ، إذ فى هذا الميدان كان التباين بين القديم والحديث على أشده ، فبينما كانت الرواية إلى عهد قريب تعد نوعا من الكتابة الرخيصة المبتذلة ، أصبحت الآن من أحب أنواع التأليف للكتاب وأكبرها رواجا بين الشعب ، وتكتب عن وعى بما تقتضيه من المهارة الفنية والصنعة القصصية ، والكتاب هم فى أكثر ما يكتبون دعاة الإصلاح الاجتماعى ، يعتقدون أنه من العار أن يهبطوا إلى الكتابة لمجرد تسلية الجماهير وتملقهم ، ولذا لا نجد أن القصة البوليسية أو الرواية الفكاهية تحتل مكانة ما فى إنتاجهم ، وإنما كان التحليل الدقيق لنواحى الضعف فى الشعب والوعى بحق الفرد وتأكيد إدراكه السياسى والاجتماعى هو ينبوع إلهامهم والقوة التى ترشدهم فى التأليف وهم كذلك على وعى بقيمة التجارب الشخصية للكتابة الحية ، وعلى علم بما فى حياة الفاقة والتشرد والبؤس من ثروة لمادة التأليف ، وقد كان بعض الكتاب ضحية تلك البيئة الفاسدة والتشرد ، والبعض كان يخرج متعمدا البحث عن تلك الحياة ، فمن اعترافات الكاتبة مس تساومنج .
(( فى أوائل السنة التاسعة من عمرى فلما كانت وسادتى تجف ، كنت الثالثة والعشرين من أبناء أب مزواج ، ولم تكن أمى سوى محظيته ، ولما بلغت العاشرة كنت نحيفة هزيلة أبدو كأنى فى السادسة ، وكثيرا ما كانت أمى تحتضننى مداعبة ذقنى البارز وضفيرة شعرى وهى تقول : من قسوة الأقدار أن تكونى امرأة وأن تكونى هكذا نحيفة .)) وفى اعترافات أخرى تصور نفسها تركع أمام الإله كنفوشيوس تبكى فى حرقة وتسأله فى ضراعة :
(( أبى هبنى فرصة للدراسة ولا تتركنى للزواج المبكر )) كان المقدر لها أن تزف إلى صبى مريض على سرير
الموت ولم تكن قد رأته قط فى حياتها .
واضطراب الحياة فى الصين لم يساعد على استقرار الكتاب فى بقعة ثابتة ، ولكن معظمهم ظلوا بطبيعة الحال أكثر تعلقا بالناحية التى ألفوها أكثر من غيرها . ويعترف الكاتب شن تسومج ون بتأثير النهر على كل إنتاجه الأدبى ، فيكتب :
لم أبن أعمالى فى أسسها على حزمة من الكتب ، وإنما بنيتها على المياه .
وأجل أساتذتى كان رذاذ الماء المتساقط من رفرف الأسطح . . ماء جدول جار . . أو مياه المحيط . إنى أدين بكل قدرتى على استعمال عقلى المحدود لتأثير المياه . أدين لها . بعادتى فى النفاذ إلى ما وراء ظاهر الأشياء .
فى طفولتى كان النهر ملجأى ، وفى الخمس السنين التى تلت بلوغى قضيت حياتى على ضفة نهر تسين . فى كل مرة أستعيد الماضى تقف أسعد ذكرياتى ممزوجة بالماء . لا أقل من عشر عمرى صرفته عند مجارى المياه الأصلية وجداول النهر الفرعية . من انسياب المياه تعلمت الكثير عن دنيا البشرية . فالنهر هو الذى أعطى لخيالى أجنحة يحلق بها .
كان النهر غالبا مسرح كتاباتى ، كتبت عنه بفيض من الحب ، وشخصيات رواياتى هى تلك الوجوه المألوفة على النهر ، إذا اتسمت كتابتى بطابع الحزن ، فالجو القاتم فى ذلك الركن من الصين هو السبب ، وإذا كان فيها ما يستحق التأمل ، فلأن لغة من رأيتهم على ذلك النهر كانت غنية مزدهرة .
تغربت خمس سنوات فى بيكنج ثم ذهبت لأقيم بجوار البحر ، البحر البراق الذى يختطف البصر ولا تحده العين ، فشاهدت الحياة من زاوية قصية . ما أشد وحدة البحر ، إنه يغذى فى إحساس الخلوة والعزلة ، ويوسع أفق روحى ويفسح لشخصيتى الطريق .
ثم مرت الصين بفترة الانتقال فى إصلاح شأن العائلة فحركت الصلة بين الجنسين إلهام الكتاب وجدلهم ، وأدرك كل شاب حقه الطبيعى فى اختيار شريكة حياته فى وقت لم تكن الصين قد تخلصت نهائيا من تقاليد الزواج القديمة واختبار العروس بواسطة الأهل . فشاعت الاعترافات الأدبية وتطرف البعض إلى إعلان تعطش الغريزة ، وإحساس التلهف بعد كبح دام قرونا طويلة . وفى رواية (( الهاوية )) يحلل الكاتب يو شبابه الممثل فى هذه الكلمات الساذجة ولكنها بالغة التعبير.
(( يا لحياتى الراكدة وأنا فى العشرين ، يا لكومة الرماد الميتة التى كنتها فى العشرين! ليتنى أستحيل إلى معدن آخر ، أحس أنى لن أزدهر فى معدن هذا الجسد ، المعرفة لم تعد بغيتى ، كلا ولا الصيت . لا أتوق إلى غير قلب حساس حنون ، قلب حار يتفجر منه الحنان ، والحب المتولد من نفس ذلك الحنان . ما أبغى حقا غير الحب . أين المرأة الجميلة التى تفهم آلامى . وان شاءت موتى العاجل وجدتنى عند مشيئها . امرأة فقط . جميلة ، أو غير جميلة ، مادامت تحبنى بقلب صادق . سأٌقدم حياتى قربانا لها أمنيتى الوحيدة هى حب الجنس الآخر ))
وأخيرا لقد كانت الحرب بركة ونعمة خفية بالنسبة للأدب الصينى على وجه الإجمال . كان ينقص الكاتب شيئان : الخبرة الثابتة بالحياة الوطنية ، وأن أسلوبهم كان فى واد والشعب فى واد . فقادتهم الحرب فى الطريق الصحيح وجملتهم يستنشقون عبير حقول الأرز ويرون حدائق البرتقال وروعة الريف . وأصبحوا أيضا على اتصال مباشر بالشعب ، الشعب الذى لم يمسه النفوذ الأوربى وفوق كل شئ لقد رأوا الحرب ، رأوا كارثتها كما رأوا ناحية البطولة فيها ، وسوف يعبرون عن كل هذا فى روايات ما بعد الحرب .
(يتبع)

