الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 376 الرجوع إلى "الثقافة"

اليهود وتاريخ فلسطين

Share

يقول عقلاء اليهود عن أمتهم إنها أمة الفرص الضائعة، ويعنون بذلك أن متاعبهم في الماضي والحاضر انما أتت من عجزهم عن الاستفادة من الفرص التي سنحت لهم، وقد أتاحت لهم ظروف التاريخ في الواقع فرصاً لم تسمح بها لشعب آخر من شعوب الأرض، فهؤلاء اليهود أو العبرانيون قد عاصروا المصريين القدماء، ولهم تاريخ محقق منذ قرون طويلة قبل الميلاد، وصاحبوا التاريخ البشري في كل أدراره: ولدت المسيحية بين أظهرهم، ونشأ الإسلام تحت بصرهم، ونهضت الأمم القديمة والحديثة بمنظر منهم، وكانوا في يقظة ظاهرة حينما كان معظم الأرض خلاءً، وأوطاناً للإبجار!. ومع هذا فهم يجدون أنفسهم الآن كما كانوا منذ أكثر من ألف سنة شعبا مشرداً في الآفاق مقسماً بين الأمم: ازدهرت النصرانية وأنشأت للانسانية حضارة كبرى، وازدهر الإسلام وأنشأ للبشر حضارة زاهرة ونظاما عظيما، وما زال هؤلاء اليهود حيارى في أمرهم لم ينشئوا لأنفسهم بقيانا ولا أقاموا حضارة أفاد منها غيرهم من الناس، وقد كشفت الدنيا الجديدة بمرأى منهم، واشترك تجارهم وأصحاب المال فيهم في إعداد الهجرات وتسفير المهاجرين، وكانوا يعلمون أن هذا العالم الجديد بفتح ذراعيه يستدعيهم لاستصلاح جزء من أرضه وإقامة الحضارة والنظام فيه، ولم يكن ليوجد في هذا الزمان ما عم أن يحول بينهم وبين إنشاء وطن لهم لو أنهم كانوا يفكرون حقا في شيءٍ اسمه الوطن، ولكنهم لم يفعلوا، واكتفوا باستغلال أموالهم في حماية الآخرين: يقرضون المال للمهاجر الفقير، فيذهب ويبيع حياته في المخاطرة لكي يتسلم اليهود بعد ذلك الأرباح وبكدسوها في باطن الأرض أو في المصارف: وتقسم الناس الدنيا القديمة والدنيا الجديدة، واستقر كل قوم من الناس في بيتهم، فلما رأى اليهود أن الفرص كلها قد تولت، وأن أهل كل بلد

يضيقون الغرباء من كل صنف يهودا أو غير يهود، وحينما شعروا أن ضيق الناس هذا بهم يهدد أموالهم، انتبهوا وأسرعوا يعوضون على أنفسهم ما فانهم، فذكروا أنه كان لهم في جزء من فلسطين دويلة صغيرة دامت مائتي سنة منذ أكثر من ألفي سنة، وتجمعت آمالهم حول هذا الشبح البعيد من التاريخ حاسبين أن الاستمساك بهذه الذكرى القديمة فرصة يبلغون بها من الانصاف ما يعوض عليهم مرارة الفشل المتواتر القديم. من هنا ذهبوا يزعمون أنهم أولى بأرض فلسطين من العرب الغزاة "الطارئين" وهم قد بالغوا في الكلام في هذا الموضوع مبالغة كادت تخدع بعض من لم يعرف الأمر ويدرسه. فلنحاول أن نلقي نظرة على تاريخ فلسطين لنرى مكان اليهود والدولة اليهودية منه.

-١- تعتبر الشام وفلسطين من مواطن الساميين من أقدم العصور، إذ يبدو أن قبائل سامية هاجرت إليها من الجزيرة العربية منذ أزمان سحيقة في القدم، وهذه الجزيرة العربية هي مهد الساميين جميعا: هاجر إليها أجدادهم الأول من أفريقية (عن طريق باب المندب) أو من حوض الدجلة والفرات، وفي وديانها وصحاريها تربوا وكثروا، ثم أخذوا يخرجون منها على هيئة موجات بشرية تغزو الأراضي الخصبة المجاورة وتختلط ممن نجده فيها من عناصر بشربة، وتنشئ معها شعوبا جديدة لها طبائعها ومميزاتها الخاصة، وكانت فلسطين والشام من البلاد التي تواترت هجرانهم إليها، فسادتهما عناصرهم وأصبحت تعد موطناً من مواطنهم الأولى.

وكان أقدم العناصر السامية هجرة إليها هم الكنعان نيين، وكنعان ليس اسماً جغرافيا للاراضي الواقعة غربي الأردن، وإنما هو اسم جنس يطلق على مجموعة من الشعوب الصغيرة التى جمعتها لغة وحضارة واحدة، وكانت هذه المجموعة تسكن فلسطين على جانبي الأردن ثم امتدت مع الزمن نحو الشمال.

ويعتبر الفينيقيون فرعاً من الكنعانيين. ثم نزل أرض الشام وفلسطين بعد الكنعانيين العموريون، وهم طائفة سامية أيضاً، اختلطوا بالكنعانيين، وكونوا طبقة ممتازة من الناس خصوصاً في فلسطين، ومدوا سلطانهم حتى وصلوا جنوبي لبنان حيث اتصلوا بالحيثيين، وهؤلاء الأخيرون لم يكونوا شعباً سامياً وإن كان المهد القديم يجعلهم ساميين بل كنعانيين.

ثم هاجرت إلى البلاد بعد ذلك قبائل الآراميين والميرانيين؛ فأما الآراميون فقد أتوا بلاد الشام من حوض الدجلة والفرات، وأخذوا بنبسطون في الإقليم الواقع جنوبي دمشق، وامتدت أطراف منهم إلى الشمال حيث اختلطوا بالحيثيين، ولم يدم سلطانهم طويلا، إذ وهن أمرهم وتفرق كثير منهم في القبائل الأخرى، ولكن معظم قبائلهم ظل متماسكا.

وأخذوا هم وقبائل العبرانيين التي أتت معهم ينتشرون في نواحي فلسطين حتى ملأوا الإقليم كله عدا المنطقة الساحلية التي كان فيها الفينيقيون. ويعتبر المؤابيون والأدوميون من العبرانيين، ولهم كذلك بطون وفروع أخرى سنعرض لها بعد قليل، ويغلب على الظن أنهم تحدثوا في أول أمرهم لهجة كنعانية.

وكانت أهم قبائل العبريين أول الأمر هي قبائل إسرائيل وأمون ومؤاب، وكانت لكل قبيلة ناحية انفردت بها وحكمها فيها ملك، ثم حدث أن اشتبكت أمون مع قبائل العموريين في نزاع انتهي بانهزامها وطردها من عاصمتها حسبون على مقرية من جرش الحالية، فسارعت قبيلة إسرائيل لعونها، وكانت إسرائيل هذه قد اتخذت البيداء الواقعة بين فلسطين وحزيرة العرب مقاماً لها، فلما طردت العموريين من ديار بني عمومتها أمون امتد إقليم نفوذها امتدادا محسوسا نحو الشمال

وأخذت قبيلة اسرائيل العبرية تنتشر من ديارها في جنوبي فلسطين إلى شبه جزيرة طور سبناء، ومن هنا

بدأت صلاتهم بمصر وفراعنتها، وكان أكثر فروع إسرائيل صلة بمصر هو فرع يعقوب. إذ وقفوا إلى نجاح مذكور عند الفراعنة، وامتاز أحدهم -يوسف- فأصبح ذا مكانة خاصة في بلاط أحد فراعنة الأسرة التاسعة عشرة، فارتفع تبعاً لذلك مقام هذا الفرع من إسرائيل ارتفاعاً كبيرا، ونشأت حول يوسف أساطير شتى جعله بعضها أول شخصية في تاريخ إسرائيل.

والظاهر أن هذا التوفيق شجع بطونا عبرية أخرى من إسرائيل وغيرها من قبائل العبريين على الهجرة إلى مصر حيث كونوا مستعمرة تمتعت وفتاً ما برفاهية ظاهرة؛ ولكن العلائق بينهم وبين الفراعنة لم تلبث أن ساءت، فاضطهدهم الفراعنة، وظلوا على هذه الحال حتى ظهر من بينهم موسى وهو إسرائيلي مصري فتزعمهم وأخذ يعمل لإخراجهم من مصر والنجاة بهم من هذا الحال السيئ، فغادروا مصر إلى طور سيناء حيث أقاموا زمناً طويلا، ثم ذهبوا إلى جنوبي فلسطين، وهناك عمل موسى على توحيد قبائلهم المختلفة، حتى تكونت منهم وحدة تعرف بقبائل إسرائيل أو بني إسرائيل. ولم تكن كل الفروع التي دخلت هذه الوحدة من إسرائيل وحدها، بل كان فيها عناصر أخرى غير إسرائيلية، ولكنها عبرية؛ وكان فرع يعقوب هو أعلى فروع هذا الحلف مقاماً، أما الستة الأخرى المكونة للحلف فكانت روين وشمعون وليفي، ويهوذا، وإساخار وزبولون.

وتعتبر الفترة الموسوية من تاريخ القبائل الإسرائيلية فترة التتكون والنشوء، ذلك أن موسى كان زعيما قادرا، فألف وحدة الشعب ورسم له أهدافه، ووضع له قانونه، ولم يكن موسى هو واضعه، وإنما كان جامعه ومؤلف أجزائه، ذلك أن هذا القانون تكون على زمن طويل رجع إلى أول ذهاب بعض الإسرائيليين إلى طور سيناء، جمعه موسى في كتاب مقسم إلى أجزاء خمسة تعرف إلى اليوم بالبنتانوبخ ، وهو لا يصور لنا الفكر الإسرائيلي كما يظن

كثير من مؤرخي اليهود، وإنما يصور لنا دورا من أدوار تطور هذا الفكر فقط، والصورة الباقية لدينا منه ليست هي الصورة التى وضعها موسى، وإنما هي صورة حديثة كتبها قس اليهود بعد ذلك بقرون، فهي على هذا لا تصور لنا نفكير موسى نفسه بالدقة.

وأهم ما في هذه الكتب الخمسة هو التشريع الذي وضعه موسى، ونصيب موسى فيه هو نظام العبادات كما أوحاه إليه الله، وبين أنبياء إسرائيل الذين أتوا بعد موسى خلاف شديد حول نظام هذه العقائد والطقوس، ولكن اختلاف بينهم في أن موسى هو صاحب الفضل الأكبر في توحيد إسرائيل على نظام واحد من العبادات، فهو الذي جمعهم على عبادة الله وحده، بعد أن كان كثيرون منهم وثنيين لا يؤمنون بالوحدانية.

وعلى هذا النظام الذي وضعه موسى، والقانون الذي جمعه في الكتب الخمسة نشأت الحكومة بين قبائل إسرائيل، وهي حكومة دينية يرأسها القس أو الأنبياء، وكان قبيل ليفى قد نهض قبل موسى نهوضاً بعيداً حتى صار إليه السلطان بين القبائل الأخرى، فنازعه القسيسون والأنبياء على السلطان وانتزعوه منه، ولم تلبث القبائل الأخرى أن نفرت من سلطان رجال الدين هؤلاء، وظهر من الإسرائيليين قوم يسمون "القضاة" نازعوهم السلطان واجتذبوا إلي صفهم ناساً كثيرين، وكانت نتيجة هذا أن اضطربت وحدة إسرائيل

وكانت حكومة رجال الدين هؤلاء فريدة في بابها، فإن الحَبرَ كان يعتبر نفسه ممثلا لسلطان الله (يهوذا) على على الأرض، وكان يقول: إن الله يدبر لعباده كل شئ، وأن لا عمل للعباد إلا عبادة الله وتمجيده في شخص الحَبْر، حتى الحرب: لم يكن على الناس أن يستعدوا لها، لأن الله يرد الأعداء عن عباده الصالحين، وكان غرضهم من ذلك جمع السلطان في يدهم، والقضاء على كل سلطان أوحاه للزعماء الآخرين من رحال الحرب، وكان فريق كبير

من إسرائيل قد اتبع زعماءه (القضاة) الذين أجازوا له ما كان الأحبار يحرمون عليه من المتاع، فنشأ في صلب الوحدة الإسرائيلية تياران، تيار ذوي السلطان الذين يتبعهم معظم الناس، وينصرفون إلى ما ينصرف إليه غيرهم من متاع هذه الدنيا، وتيار الأحبار الذين لم يكن لهم هم إلا البكاء على مصير غيرهم وإنذارهم بكل شر وبلاء؛ ومن هؤلاء الأحبار تلك السلسلة الطويلة من أنبياء إسرائيل وعرافيهم، الذين ملأوا الدنيا نصحاً وعويلاً. أما معظم إسرائيل فقد انصرف عنهم وآذاهم، ولهذا لا مبالغة في القول بأن بني إسرائيل كانوا أقل أهل الأرض اتباعاً المبادئ موسي وقوانينه، وسيكون من هؤلاء الأحبار والأنبياء عيسى بن مريم نفسه، وسيكون في موقفهم منه وأذاهم إياه أنصع الدلائل على أن إسرائيل كانت احق خلق الله يموس ومن خلفه من الأنبياء والأحبار والصالحين.

أما نشوء الملكية في إسرائيل فترجع أسبابه إلي ما وقع بينهم وبين الفلسطينيين من حروب، وكان الفلسطينيون أعداء لبني إسرائيل، حاربوهم وانتصروا عليهم واستذلوهم فترة طويلة دون أن يستطيع القساوسة فعل شئ، فقام زعيم قادر من غير رجال الدين وهو شاءول، وقاد الكفاح ضدهم واستطاع بهذا أن يجعل نفسه قائدا لشعب إسرائيل وملكا له، ثم خلفه داوود فأتم ما بدأ به شاءول وطرد الفلسطينيين وقتل ملكهم جالوت، فتحررت إسرائيل واصبح لها ملك موحد؛ وهنا يبدأ الدور الثاني من تاريخ فلسطين.

كان بطل هذا الدور الأول هو موسى: أخرجهم من الهوان، وجمعهم على التوحيد، ووضع لهم أسس العقيدة والوحدة المقبلة، ولكنه لم يقل أبدا إن الله هو إله إسرائيل وحدها أو أنها شعب الله المختار، إنما نشأ هذا فيما بعد في عصور الاضمحلال الروحي، وسيكون في نشوئه إيذان بذهاب دولة إسرائيل وانهدام وحدتها الروحية

اشترك في نشرتنا البريدية