أشعلوا النار ، ودقوا الطبول . ومضوا شبه عراة يرقصون . يدورون حولها ويهتفون .
وكأنما استحالت هذه الضاحية إلى تطواف بالنار عجيب غريب .
وخيل إلى وأنا أشهد هؤلاء الزنوج يترمحون ، كأنما أشهد صقما فى مجاهل أفريقيا يستيقظ على ديجور المساء . . طبل كدوى غابة تقيم طقوس ساكنيها ، ونار كنار الحارس إذ يخشى وثبة الوحش فى غفلة منه ومن رفاقه النائمين . كل شىء هاتف راقص ، وكل شىء صائح صاخب ، وكأنما الدنيا أبخرة ترقص على فوهة بركان ثائر .
قلت لصاحبتى أحاورها : - أترين ؟ لقد جن الزنوج . قالت وهى مطرقة تفكر :
- بل عادوا إلى بيتهم يتممون ، وما تلك إلا يقظة الدغل بعد تثاؤب ونوم طويل . قلت :
- ما كنت أظن أن زنوجنا يستيقظون ، إنهم ليل نهار يهومون ، وكأنما ولدوا ليناموا ، ويا ليتهم ما ولدوا ، ويا ليتهم ما . . .
- ما ناموا ؟ إنى أدرك أفكارك ؟! إن للنوم جمالا كجمال اليقظة ، إنه إرهاص لها وإعداد . قلت :
- إننا دائما فى الشرق نحلم . . . قالت :
- إنه حلم الحقيقة ، وهل كانت الحقيقة إلا خيالا قبل أن نحيا ونتنفس .
ثم نظرت إلى طويلا واستطردت قائلة :
- إننا فى الغرب نعمل ولا نحلم ، فماذا كنا بأعمالنا فاعلين ؟ إننا نصنع الموت بأيدينا ، ونزفه إلى الناس سموما من الفوضى والخراب . . يا ليت للغرب أحلاما كأحلام الشرق .
ثم صمتت صاحبتى وصمت دوى الطبول ، وتفرق الزنوج إلى صوامعهم ينعمون بليلة هادئة استهلوها بالانشاد والضجيج ، فانطلقنا على آثارنا عائدين . ولما أشرفنا على فندق الميدو قالت :
- أرأيتهم كيف ينصرفون . . أرأيت نارهم كيف تخمد ؟ هكذا الدنيا كل صوت فيها مصيره إلى سكون ، وكل نار مصيرها إلى رماد ، وكل حى مصيره إلى فناء ... فناء قاس رهيب ، لا حس فيه ولا حركة . . أحجار كهذه الأحجار ، ورمال كهذه الرمال ، وموات كموات هذه الصحراء .
ثم صمتت ثانية ومدت لى يدها تصافحنى : عدت إلى دارى أتأمل وأحلم . واستيقظت لنغمى على بابها وروحى تصيح :
- دائما تحلم ؟ دائما تشرد ؟ تبا لك وأف منك ! قلت لها وأنا أعتلى درج السلم :
- إن الشرق دائما ينام بين أحضان بقيه . . إنه يجثم فى نفوسنا ببيده ووديانه ، وبحاره وأنهاره . . إن كل مافيه يغرى بالتأمل والخيال .
تم انتبهت لنفسى ، وقهقهت ضاحكا ، وأنا أمضى لفراشى . . .
وفى الصباح لقيتها تسير وحدها تجاه حمامات كليوباترا على الساحل الغربى لمطروح ، فقلت لها وأنا أمزح :
- أهى يقظة الماضى . . . أتريننى سأشهد كليوباترا تبعث من جديد لتنعم بين حمامها العتيق ؟ فابتسمت فى عينى ولم تجب .
ومضت تعدو ، ومضيت فى أثرها ، ومضى وراءنا كلبها الصغير . . .
واعتلت الصخرة ، وجلست فوق ناصيتها تتأمل البحر ، وجلست إلى جوارها أتأملها ، ودار الكلب حولنا يبصبص بذنبه .
قالت وهى ساهمة : - غدا سأرحل .
ففزعت ، ولعلها ظنت أنى فزعت على رحيلها ، لكنى فزعت على نفسى ، فلم أك قد سبرت فور هذه المرأة بعد .
قلت : - إلى أين ؟ ! قالت فى غموض :
- وهل يدرى الانسان له وجهة قط ؟ . . إننا نهيم فى طرق وسبل لم نك نعرفها من قبل .
قلت لنفسى : - إنها تخفى عنى أمرا ! ثم ضحكت وعدت أقول : - بل إنها تخفى عنى أمورا ! فانتبهت لضحكى وصاحت بى : - ما يضحكك ؟ ! قلت فى حيرة :
- لا شىء . . . إنما كنت أفكر فى كليوباترا ، وغرامها بالاستحمام فى الغار الذى تضمه هذه الصخرة ... لقد صدق برنارد شو حينما صورها فتاة صغيرة طائشة .
قالت : - لكم تمنيت أن أنعم بما كانت تنعم به ، وأنام هناك بين أحضان الموج المقبل إلى الغار من هذه الفجوة والظاعن عنها من الفجوة الأخرى ، كراهب يدور حول محرابه .
قلت مستغرقا معها فى صورتها التى خطتها فى خيالى : - تلوح على هامته شعرات بيض ، كزبد هذا الموج المضطرب حولنا .
ونظرت إليها ، فإذا بها شاردة تفكر ، فقلت أوقظها من أحلامها :
- أين ؟ ومتى سألقاك ثانية ؟ ! قالت :
- أين . . . ومتى . . . دعنا نفكر ؟! ثم رنت إلى بطرف عينها وهى تهمس بى : - ترى أفى الجنة ، أم فى الجحيم ؟!
قلت لنفسى : - لشد ما تحيط حياتها بالظلام والإبهام ؟
وصحت بها : - إنى أوثر الجحيم ؟! فنظرت إلى ضاحكة وهى تتساءل :
- ولم ؟ قلت : - لألقاك هناك ! قالت فى رنة غريبة : - أترانى لا أحيا إلا فى النار ؟! قلت فى مزاح :
- هناك فى الحجيم ، بين أحضان إبليس ، سألقاك كما عرفتك . . . مخلوق قوامه الخير والشر ، كالأحياء التى ألفناها على هذه الأرض . لكن الجنة ستميت الشر فيك ، وتحيلك مخلوفة أخرى ، وما أظننى
سأعرفك هناك ! قالت ضاحكة : - إذا فأنت تريد لى الجحيم لتلقانى ؟! ثم عادت إلى ضحكها ومرحها . وعدنا أدراجنا إلى الفندق .
وهناك تركتنى ومضت تعد حقائبها ، ورأيت فيما رأيت صورا مختلفة لمطروح تضعها فى غلاف كبير ، وتخفيها فى حقيبة مستديرة .
وفى الصباح صحبتها إلى القطار لأودعها . وحملت لها حقيبتها لأعاونها .
ثم همست بها وقد أوشك القطار أن يتحرك : - إلى اللقاء . . . فى الجحيم !
فضحكت ، وضحكت وأنا أقودها بعيدا عن القطار ، إلى قلم المخابرات . . . إنها جاسوسة . . . . . . !

