] إنه الليل ، والآن تتحدث كل الينابيع بصوت أعلى ، كل نفس هي ينبوع أيضاً . . شئ لم يهدأ ، وليس له أن يهدأ أيضاً في أعماق : إنه يبحث عن الكلام ، في أعماقي تعطش إلى الحب ، وهو يتكلم بلغة الحب [ . ( نيتشه )
كان نيتشه في مسينا بصقلية يمضي شتاء ١٨٨١ - ١٨٨٣ وحيداً عندما جاءته من روما رسالة في أواخر أبريل عام ١٨٨٢ من صديقين له يلحان عليه في المجيء إلى العاصمة الإيطالية قائلين إنهما قد اكتشفا له تلميذة يافعة يلوح أنها ولدت فقط لفلسفته ، وللتو ترك نيتشه صقلية وأسرع إلي روما حيث كانت تنتظره الفتاة .
كانت تدعي ₎₎ لوسالومى ₍₍ : فتاة في العشرين أو الواحد والعشرين ، ذات عقل رصين ركين ، ما لبثت منذ هبطت المدينة المقدسة أن تعرفت إلى أصدقاء نيتشه ؛ فأعاروها ما لم تكن قد قرأت من كتبه ، وكانت النتيجة أن صارت قلقة تنتظر فيلسوفها على أحر من الجمر . . وقدمت الفتاة إليه في كاتدرائية القديس بيتربروما ، وأثمر تعارفهما سريعاً . . .
وقد بلغ الحماس بنيتشه في حاشية خطاب أرسله إلى أخته في ذاك الوقت حيث يقول : ₎₎ في فترات بين الأحاديث أخبرتني ] واحدة من أصدقائه [ أن الفتاة اليافعة قد أسرت لها أنها قد جاهدت منذ أعوامها الباكرة في سبيل المعرفة وبذلت من أجلها كل تضحية ، لقد هزني هذا ، وكانت الدموع تترقرق في عينيها ] عيني صديقته [ إذ كانت تخبرني بذلك ، وهي تعتقد أن مس سالومي قريبة جداً مني من ناحية العقل ₍₍ . ولم يلبث أن أحس نيتشه بسحر الفتاة وغزاه اهتمامها الملتهب به وانجذابها الصاعق إليه ، ورحل تيتشه بعد أيام من هذا اللقاء الأول مع الفتاة وأمها إذ كانت تصاحبها ، وصديق له يدعي ري إلى لوسرن ، ومنها صاحب الفتاة إلى تربشن ، وهناك عند حافة بحيرتها تحدث إليها عن حياته الخاصة ، عن طفولته ، عن والده وقد مات وهو طفل ، تحدث إليها عن سنيه البواكر ، عن شكوكه الأولى عن هول ارتيابه الأول وعما عوضه ، عن فقدان عقيدته باحتضان فلسفة شوبنهور وفن ڤاجنر ؛ فأخذت الفتاة بسحر حديثه المخلص الصادر عن قلب شقت عليه الوحدة وآلمه طول انتظار الرفيق ، وإذ رآها ساهمة الفكر شاردة اللب
أراد أن يسلمها قلبه بعد أن بسط لها أفكاره . لقد وقع نيتشه في الحب ، ولكنه لا يعرف كيف يعبر لفتاته عن حبه ، لا يعرف كيف يبثها غرامه ، لا يعرف كيف يفصح لها عن رغبته في الرواج منها ؛ إنما هو الإعجاب الصامت الأخرس الذي لا يتقن لغة الكلام ! ومن ثم همس نيتشه بسره إلى رى وسأله أن ₎₎ يحس نبض ₍₍ الفتاة في هذا الأمر ، وغادر تريشن إلي بال حيث كان ينزل ضيفا على أحد أصدقائه ، وجعل ينتظر رد رى بصبر نافد .
أكانت أحلام لوسالومي في ₎₎ الزوج ₍₍ المرتقب تنطبق على نيتشه ! أكانت ترى في الفيلسوف أمنيتها كشريك لحياتها ! لا . . ! فلم يكن تشبعها بأحلام فيلسوفها ليجعلها تنسي أنه لا يصلح لها زوجاً ، حقاً لقد كان نيتشه أحجية جميلة ، وإنه لعذب أن يسمح للشخص باستكشاف طيات عقله المعقد ، ولكنه على العموم لا يصلح ₎₎ للاستعمال اليومي ₍₍ أو للصحبة اليومية ، وعلى هذا ردته لوسالومى برقة ، وبطريقة تقليدية ، واعدة إياه بصداقة لا تنفصم عراها ، وتلمذة دائمة لا تتحول .
وإذ يتسلم نيتشه هذه الأخبار يسرع إلي لوسرن ليرمي بسهمه الأخير . ولكن إذ كانت لوسالومي ثابتة عند رأيها وبوعدها بصداقتها واهتمامها العقلي بفلسفته فقد اضطر إلي الرضاء منها بهذا القدر من العلاقة .
بعد ما يقرب من ثلاثة أشهر من اللقاء الأول كان ڤاجنر بسبيل تقديم " يارسيغال " في بيروت ( بألمانيا ( ، فذهبت لوسالومي بصحبة اليزابيث أخت نيتشه لنرى تحفة ڤاجنر، أما نيتشه فتوجه إلى إحدي القري على نهر السال بعد أن ألح على لو أن تلحق به مع أخته حالما ينتهي الحفل ، وفي هذه الأثناء كانت لو قد كتبت قصيدة ₎₎ إلى الألم ₍₍ ، بلغت من التشبع بفلسفة نيتشه بحيث كان كل من يقرأها يقول إنها لنيتشه وليست للفتاة ، وفي أحد خطابات نيتشه في ذاك العهد وهو بتاريخ ١٣ يوليو ١٨٨٢ يقول : ₎₎ إن هذه القصيدة لصديقتي لو . . . إنها مهيأة تماما لأفكاري وطريقة تفكيري ₍₍ ، ولكنه كان علاوة على إطرائه عقلها غارقاً في حبها برغم دوام إيحائه لنفسه أنه فقط . . . صديقها .
عادت لوساومي في أوائل أغسطس مع اليزابيث شقيقته إلى القرية على نهر السال ، وبدأ نيتشه يعلم تلميذته مبادئه
التي عاش لها وبها ، ولكن . . . أكانت لوسالومي الفتاة في العشرين أو الواحد والعشرين من عمرها تستوعب كل أفكاره ؟ أكانت تفهم كل أقواله ؟ أكانت حقاً تعنى تلمذتها له ؟ ماذا بهم ! لقد أخذ نيتشه كل شئ جدياً ، وصرح للفتاة بكل أفكاره ، بكل ما كان يضطرب في نفسه ، قال لها كل شئ بطريقة لم يفعلها قط من قبل في أيام شبابه مع أي أحد آخر ، وكانت لوسالومي كصمام الأمن وجد في التحدث إليها تنفيساً عما كان يحتمل في قلبه ويثور في نفسه من أفكار ومخاوف ، وأشد ما كانت مخاوفه آنذاك من ₎₎ العود الأيدي ₍₍ .
وانقضت الابام سراعا ، وارتبط الصديقان خلالها ارتباطا روحيا وثيقا لديدا . وأخيرا أرادت لوسالومي الرحيل ، كان ذلك في أواخر أغسطس . فألح عليها نيتشه في البقاء أسبوعا آخر . ₎₎ ولكن ما جدوي التأجيل والفراق واقع محتوم ! ₍₍ ولكنها رضخت له وبقيت . . . ثم تركته في نهاية الأسبوع على أن يتلاقيا في ميونيخ ثم في ليزج . وقد سقته قبل رحيلها قصيدة أخرى : ₎₎ صلاة الحياة ₍₍ ، مستوحاة من أفكاره ، وكانت من شدة تأثيرها فيه بحيث لحنها موسيقيا وأطلق عليها اسم : ₎₎ أنشودة الحياة ₍₍ ، وكتب إلي صديقته لو على أثر ذلك يقول لها إنها ₎₎ يمكن أن تكون معبرا صغيرا قد يمكننا به الوصول إلى عالم المستقبل معا . إذا امتنعت علينا العابر الأخرى ₍₍ .
ولكن إليزابيث ، أخت الفيلسوف ، وقد تربت تربية دينية متزمتة لم تكن تري في هذه العلاقة ₎₎ الروحية ₍₍ ، إلآ شرا ونكرا وفضيحة ، وكانت لذلك تنهال على أخيها تعنيفا وتوبيخا وهي لم تقنع بتعنيفها له وتوبيخها إياه فيما بينها وبينه فحسب ، ولكنها ذمت فيه وقدحت له عند والدتهما . وهكذا تعاونت الاثنتان على تسويد حياة المفكر الذي حاول الدفاع عن نفسه وعن هذه العلاقة الروحية البريئة كلما ثارتا في وجهه وأشبعتاه لوما وتأنيبا : ₎₎ لقد طالما دافعت عن نفسى أمام إلزابيث . . . كما لو كنت حيوانا ميئوسا منه ، ولكنها لن تكف عن تعذيبي واضطهادي ₍₍ . وصرخ في أخته : ₎₎ إني لا أحب النفوس التي على شاكلتك ₍₍ . وكتب إلي أمه يقول : ₎₎ إن أختي لمخلوقة شريرة . . . لقد تدخلت في أخص
مشاعرى المقدسة ، مشاعر لم تكن لتوجد على الأرض قط . . فبعد كل خطاب أجدني أتقزز من الطريقة الفادحة القذرة التي تتكلم بها عن الآنسة سالومي ₍₍ .
ولكن لم يمض قليل بعد رحيل لوسالومي حتى وصله منها خطاب فاتر بارد هدم كل عقيدته فيها ، إذ عرف في سطوره سطحيتها ، فرد عليه ردا قاسيا جدا ، قال في ختامه : ₎₎ وداعا . لم أقرأ خطابك حتي نهايته ، ولكني قرأت كثيرا فيما قرأت ₍₍ وهكذا قطع نيتشه صلاته بأقرب الأقربين إليه : والدته وأخته ، ومن ظنها ضوء في العقل ، لوسالومى ، واعتزل العالم في راباتلو ، في محاذاة الساحل ، قريبا من جنوا بإيطاليا ، حيث قضى الشتاء وحيدا ، مغمورا في بؤسه وشقائه .
إنه هناك حيث بدأ في فبراير ١٨٨۳ كتابة الجزء الأول من ₎₎ زرادشت ₍₍ ، ولكن لم تمض عشرة أيام من بدء كتابته ₎₎ زراشت ₍₍ ، وكان قد انتهى منه ( انتهى من كتابة الجزء الأول ) ، حتى أصيب بالأنفلونزا ، وعلمت أخته بمرضه في أبريل ، فاستشارته في أن تأتي لتمريضه ، حينئذ نسي نيتشه مضايقاتها القديمة له وابتهج بعودة المياه إلي مجاريها - وقد خذلته لوسالومى - ثم تلاقيا في مستهل مايو بروما ، وبقيا بها حتى منتصف يونيو . وأحس نبتشه خلال هذه الفترة أن مصاحبة أخته له لم تكن لترضيه كل الرضاء ، إذ لم يكن بوسعها أن تجعله سعيدا ولم تكن لتقدر على أن ترضى عقله كما يجب أن يرضي العقل . ومن ثم انفجرت رغبته الملتهبة الملهمة المبهمة ، حنينه إلى نصفه المكمل لصفه ، اشتياقه إلى الصديق والرفيق والحبيب مجسما في الزوج . . . في قصيدة نثرية ₎₎ أغنية الليل ₍₍ هذه الأغنية التي ضمها بعدئذ إلي الجزء الثاني من ₎₎ زرادشت ₍₍ .
₎₎ إنه الليل : الآن فقط تستيقظ كل أغاني المحبين ؛ وإن نفسي أيضا لأغنية محب . شئ لم يهدأ وليس له أن يهدأ في أعماقي : إنه يبحث عن الكلام . في أعماقي تعطش إلي الحب ، وهو يتكلم بلغة الحب . . . إني لا أعرف سعادة الآخذ . ( أى أنه ₎₎ يعطي ₍₍ دائما : يعطي نفسه ، تعاليمه ، حبه ، ولا يعطيه الآخرون شيئا . إنه يود لو يأخذ كما يعطي ؛ إنه يود لو يعرف لذة الأخذ كما يعرف لذة العطاء ، ولكن ( لقد ماتت لذة العطاء أيضا من دوام العطاء ، وبليت فضيلتي
من فيضها . . . أوه ، يا لوحدة هؤلاء الذين يعطون ! ₍₍ .
ولقد تقطعت كل الأسباب بينه وبين من كان يأمل أن تكون ضوء في العقل ، ثم يمعد يفكر فيها ، وكان كلما مرت برأسه صورتها لمن هؤلاء الذين كانوا السبب في تقديمها إليه وتعريفها به . وهكذا عاد إلى وحدته طاويا قلبه على الحرمان ، متجرعا كئوس الألم .
كان نيتشه في الثامنة والثلاثين عندما عرف لوسالومي لأول مرة ؛ ومات في السادسة والخمسين بعد أن أمضي الاثني عشر عاما الأخيرة من حياته في الظلام : الظلام العقلي . . الجنوني .
كان نيتشه ينبوعا من هذه الينابيع الروحية القليلة التي أرادت أن تروي ظمأ عطشى الروح ١ كان نورا من هذه الأنوار القليلة التي أرادت أن تبدد ظلام كالحي النفس ، كان رسولا ؛ كان نموذجا للرسول ، ولكنه دفع ثمن رسالته غاليا : دفعه وحدة قاتلة وعزلة دائمة . فلا أحد يفهمه : لا أصدقاؤه ، ولا عائلته ، ولا الناس . حتى هذه التي ظن أنها توأمه في العقل خذلته وتركته . . . وكانت هي المرأة الوحيدة التي أرادها في حياته ، المرأة الوحيدة التي رأي أنها توأمه ، فإذا بالحب الذي كان ينتظر أن تبادله إياه سراب ووهم

