الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 632الرجوع إلى "الثقافة"

امير الجيوش بدر الجمالى

Share

( تتمة )

اشترط بدر على الخليفة قبل قدومه إلى مصر أن يحضر معه من الشام جنده الموالين له ، لأنه لا يرغب في الاستعانة بأحد من جنود مصر ، فلم يسع الخليفة إلا القبول . وعلى هذا أبحر بدر من عكا عام ٤٦٦ ه ( ديسمبر عام ١٠٧٣ م ) غير عابيء بأخطار رحلة بحرية كهذه في الشتاء حيث تشتد الأعاصير في البحر المتوسط فوصل إلى تنيس في أربعة أيام ، ثم رسا عند دمياط . وكان لقدوم بدر وهو شيخ جاوز الستين من عمره على هذا النحو المغامر فعل السحر في نفس المستنصر فجمع أطراف شجاعته وقبض على القائد التركي المدكز رأس الفتنة وزعيم الجند الأتراك المخربين .

وصل بدر إلى القاهرة بعد أن أقام أياما في دمياط فاستقبله الاتراك بحفاوة غير عالمين بالغرض الذي قدم من أجله . وفي صباح اليوم التالي مثل ضباط بدر أمامه ، وقد حمل كل منهم رأس أحد كبار الأتراك أو غيرهم من عناصر الفوضى ، وكان في مقدمة القتلى زعيما الفتنة القائد الدكز والوزير ابن أبى كدينة . وهكذا تخلصت المدينة من الفوضي والاستبداد العسكري في ليلة واحدة . وكان سرور الخليفة عظيما فخلع على بدر ومنحه لقب " أمير الجيوش" كما سلمه مقاليد السلطة ، فصار إليه الإشراف على كل شئون الدولة بما في ذلك الأمور الروحية التي تمس جوهر المبادىء الشيعية إذ أصبح "قاض القضاة" و "داعي الدعاة "، وزيد في ألقابة " كافل قضاة المسلمين" وداعى دعاة المؤمنين (١) ".

كان بدر رغم شيخوخته شعلة لا تخمد من النشاط قضى بمصر الأعوام العشرين الأخيرة من حياته ، فكانت حافلة بأعماله الكثيرة الهامة في الداخل والخارج . وتلخص هذه الأعمال فيما يلى :

أولا : بعد أن قضي على الفتنة في القاهرة أخذ يعيد الأمن إلي نصابه في الأقاليم ، فانتزع الشرقية من عرب لوانه الذين كانوا قد احتلوها وعاثوا فيها فسادا ، وقتل شيوخهم وأخذ منهم أموالا جمة ؛ ثم توجه إلى غربي الدلتا فأخضع عرب قيس وسليم وفزارة ، واستولى على الإسكندرية من الثائرين عنوة بعد أن حاصرها أياما ، وزحف بعد ذلك إلى الصعيد حيث كان العرب والسودانيون يعبثون فسادا فضرب على أيديهم بقسوة . هدأت الأحوال بعد هذه البداية القاسية من بدر ، وبدأ المصريون تحت حكمه الحازم العادل يتمتعون بأمن وطمأنينة لم يعهدوهما منذ سنين .

ثانيا : في عام ٤٦٩ ه اجتمع بمدينة طوخ العلياء من صعيد مصر جماعة كبيرة من عرب جهينة والتعالبة والجعافرة لقتال أمير الجيوش بدر ، فسار إليهم حتى قرب منهم ، ثم بغتهم ليلا بأن دق الطبول بقوة وأكثر من اشعال النيران ، وصاح جنده كلهم صيحة واحدة وهم يهجمون على أعدائهم فقتل أكثرهم وغرق من فر منهم بحيث لم ينج إلا عدد قليل ، فغنمت أموالهم وحملت المستنصر .

ولم يلبث بدر أن سار إلي أسوان لقتال كنز الدولة

محمد الذي كان قد تغلب عليها فقاتله وقتله وشتت شمل جنوده ، وكانت هذه آخر الوقائع التي قضت على كل اثر للفتن الداخلية بمصر .

ثالثا : انتهز السلاجقة فرصة انشغال بدر بإعادة الأقاليم المصرية إلى سلطة الخليفة المستنصر ، واستولوا على دمشق في نهاية عام ٤٦٨ بواسطة جيش يقوده أنسيز ، وفي العام التالي سار أنسيز لغزو مصر بعد أن اغراه بذلك ابن بلدكوز التركي الذي كان قد فر من مصر حين دخلها بدر.

استولى أنسيز في طريقه على غزة والعريش ، فاستعد بدر لملاقاته وأعد فى نفس الوقت سفنا لتنقل الخليفة الفاطمي وحاشيته  إلى الإسكندرية إذا ساءت الأحوال . ويقول ستانلي لينبول معلقا على ذلك في كتابه ( تاريخ مصر في العصور الوسطى ) إن أنسيز لو كان مؤيدا كما ينبغي من ناحية الشرق لتحققت مخاوف بدر . ولزالت الدولة الشيعية على يد السلجوفيين قبل الوقت الذي زالت فيه فعلا بقرن من الزمان . والواقع أن لينبول كان مبالغا في تصويره للموقف لأن ما حققته الحوادث من شجاعة بدر وشدة مراسه وكفاءته الحربية الممتازة كان كفيلا بترجيح كفته ، هذا إلى أنه لم يكن بين أمراء الأتراك في الشرق من التعاون واتحاد الغابات والأهداف ما يسمح بتأييد انسيز في حملته الشخصية المغرضة . ومهما يكن من أمر فقد التقي الفريقان قرب القاهرة ، وكان جيش بدر يحوى غير جنده النظاميين عددا كبيرا من العرب والمصريين المتطوعين فبلغ عدده بذلك نحو ثلاثين ألف جندي ، فدارت الدائرة على الجيش السلجوفي وفر أنسيز إلي الشام مدحورا بعد أن قتل عدد كبير من جيشه وعلى رأسهم أخوه ، كما قطعت يدا أخيه الآخر ، وذلك أنقذ أمير الجيوش مصر من شر مستطير .

رابعا : بذل بدر جهودا كثيرة لإعادة ما استولى عليه السلاجفة من بلاد الشام إلى حظيرة الدولة الفاطمية . ولكنه للأسف لم يوفق إلا إلى نتائج طفيفة . فقد أرسل عام ٤٧٠ ه حملة إلى دمشق بقيادة نصير الدولة ولكنها فشلت في الاستيلاء عليها فرجعت بعد أن حاصرتها بضعة أيام ؟ وكذلك فشلت الحملة الثانية التى أرسلها بدر عام ٤٧٢ هـ والحملة الثالثة التى أرسلها عام ٤٧٨ هـ إذ صمد لهما تاج الدولة تلسش صاحب دمشق وردهما على أعقابهما . والمرجح

أن سبب فشل هذه الحملات هو اضطرار بدر إلى الاحتفاظ بالجزء الاكبر من جيشه في مصر احتياطا لما عسي أن يفاجأ به من أحداث .

غير أن حملات أمير الجيوش إلي بلاد الشام قد أصابت بعد ذلك شيئا من النجاح ، إذ فتح قائده نصير الدولة عام ٤٨٢ صور وصيداء وجيل وعكا ، كما قبض على جماعة من أصحاب نقش واستولى على كثير من ذخائره . ولم يلبث منير الدلة والي صور أن خرج على طاعة المستنصر ، فسير إليه بدر عام في ٤٨٦ هـ جيشاً دخل المدينة دون مقاومة ، إذ كان الأهالي قد أنكروا على الوالي عصيانه ونادوا بشعار المستنصر وأمير الحيوش ؛ ثم أسر منير الدولة وجماعته وسيقوا إلى مصر حيث قتلوا ، وفرض بدر على مدينة صور غرامة مقدارها ستون ألف دينار (١) . ونلاحظ في هذا الحادث مرة أخري قسوة بدر وشدته اللتين لازمناه طيلة حياته .

خاسا : لم تحل هذه الأعمال الحربية وما تطلبته من الجهد بين بدر والإصلاح الداخلي . بل إنها على العكس أعانته على ذلك ! فقد كان بدر يستخدم ما يستولي عليه من أموال أعدائه في إصلاح مرافق الحياة في مصر . وإلى جانب هذا نجد أن الضرب على أيدى العابثين في الأقاليم المصرية المختلفة قد أعاد الهدوء إليها فاطمأنت نفوس الفلاحين وخاصة أن أمير الجيوش أطلق لهم الخراج ثلاث سنين . وعمر الريف فرخصت الأسعار ورجعت إلى ما كانت عليه قبل أيام الشدة العظمى .

وقد اجمعت المصادر كلها على امتداح حكم أمير الجيوش وزاد دخل مصر من الضرائب في أيامه من نحو مليوني دينار إلي عو ثلاثة ملايين ، أى أن إيراد الحكومة من الضرائب قد زاد بنسبة خمسين في المائة عما كان عليه دون أن تفرض ضرائب جديدة .

أما منشئات بدر فأشهرها ثلاثة : ١ - حصن القاهرة بسور ثان وجدد بناء الأبواب الثلاثة الكبرى وهي باب زويله وباب الفتوح وباب النصر ، وجعلت هذه الأبواب داخل السور الجديد ، فأخذت طابعها الخاص الذي مازالت تحتفظ به إلى اليوم . وتعمل إدارة

حفظ الآثار العربية الآن - مشكورة على إزالة ما حولها من المباني المتهالكة وإصلاح ما تهدم من السور ، وإعادة شيء من الرونق إلي ذلك السوار الأثري البديع ...

ويقول لينبول في كتابه "تاريخ مصر في العصور الوسطى " إن الذي جدد بناء الأبواب ثلاثة إخوة من مهندسى أدسا التي كانت نقص إذ ذاك بمواطنى بدر من الأرمن . ولعل الطراز البيزنطي الذي تتميز به هذه الأبواب يرجع هذا القول ، فقد كانت أدسا في تلك الأيام معقلا أماميا للروم ضد خلفاء المسلمين ولا ريب أن مهندسيها كانوا متأثرين إلي حد بعيد بالفن البيزنطي .

٢ - بني مسجد العطارين بالإسكندرية ؛ ولذلك قصة صغيرة ، فقد ثار الأوحد بن أمير الجيوش على أبيه عام ٤٧٧ وتحصن مع أتباعه بالإسكندرية ، فسار إليه أبوه وهزمه وانتقم منه أفظع انتقام فقيل إنه دفنه حيا ، وقيل أغرقه ، وقيل جوعه حتى مات ، ثم بنى بدر هذا المسجد قبل عودته إلى القاهرة .

٣ - بني منهدا فوق تل المقطم شرقي القاهرة . وما زال هذا المكان يعرف بالجيوشي نسبة إلى امير الجيوش . .

وتذكر بهذه المناسبة أن بالقاهرة المعزية حيا من أهم أحيائها يحمل اليوم اسم بدر الجمالي . وهو حي الجمالية المعروف ، كما ان بهذا الحي شارعا يحمل اسم بدر هو شارع أمير الجيوش الذي تعرفه العامة باسم ( مرجوشي) .

توفي بدر عام ٤٨٧ ه ( ١٠٩٤ م ) بعد أن حكم مصر بضعا وعشرين عاما . وكان قبل وفاته قد عهد بالوزارة إلى ابنه الأفضل شاهنشاه . وهذه أول مرة نسمع فيها عن ولاية العهد للوزراء في مصر الإسلامية ، ولم يلبث المستنصر أن لحق ببدر بعد أشهر قلائل ، فاستغل الأفضل سلطته المطلقة التي ورثها عن أبيه وحال دون تولية نزار اكبر أبناء المستنصر عرش الخلافة وولى بدلا منه أخاه المستعلي . وكان هذا صغير السن فحجر عليه الأفضل وأصبح هو مطلق التصرف في شئون الدولة .

ومن هذا العرض تتضح أهمية بدر الجمالي في تاريخ مصر

الفاطمية ، فقد استقدمه الخليفة المستنصر في وقت خيل الناس فيه أن دولة الفاطميين سيعصف بها الاضطراب والفوضى ، ولكن بدرا كان عند حسن الظن به ، إذ مد يده القوية إلى الدولة فأنهضها من كبوتها ، وأذالها من عثرتها ، وطفق يصلح من شأنها ويهدىء من روعها ، فاطمأنت إلى قيادته الحازمة وحكمه العامل ، وأخذت تستعيد شيئا فشيئا ما كانت تتمتع به من عظمة وسؤدد ، وما كانت ترتع فيه من أمن وطمأنينة ، فكان حضوره إلى مصر بدءا لمرحلة جديدة بالنسبة للدولة . إذ حفظ عليها وحدتها وأنقذها من الانهيار .

ولعل من أعجب ما نلاحظه في سيرة بدر الجمالى أن ما أخذه عليه الكثيرون من قسوته وشدته كان هو نفسه أهم عامل في نجاحه في مهمته رغم كبر سنه ، لأن الدول في مثل حالة الدولة الفاطمية وفتئذ لابد لها من مستبد عادل ، وقد وجدته مصر الفاطمية في شخص ذلك الأرميني العظيم بدر الجمالي .

وكان بدر شيعيا متطرفا ، نقش لعن الصحابة على الجدران . وأعاد رسوم الشيعة إلى الأذان والصلاة . وأكبر الظن أن هذا التطرف في اعتناق مذهب الدولة جعله يتفاني في خدمتها .

كان حكم بدر مرحلة حاسمة من مراحل الدولة الفاطمية استدبرت بها عهد نفوذ الخلفاء واستقبلت عهد نفوذ الوزراء ، أو كما سماه المؤرخون "عهد الوزراء العظام " وقد تتابع على عرش الخلافة بعد وفاة المستنصر ستة خلفاء حكموا أقل من قرن ، ولم يكن لواحد منهم شئ من النفوذ على الإطلاق ، بل كانت كل السلطة في تلك الحقبة مركزة في أيدى الوزراء من أمثال الأفضل والأكمل وبهرام ورضوان وابن السلار ، وكان كرسي الوزارة مجالا لمنازعات دموية لا تنقطع ، مما أذي الدولة وأدى بها سريعا إلي الأنحلال . حتى إن آخر أولئك الوزراء العظام وهو صلاح الدين يوسف بن أيوب لم يجد أدنى مقاومة حين قضى على الخلافة الفاطمية في الأيام الأخيرة من خلافة العاضد ، فعادت مصر وأملاكها بذلك إلى أحضان الخلافة العباسية السنية مرة أخرى .

اشترك في نشرتنا البريدية