كان ذا شخصية غريبة سامية ، ربطتني به صلات وثيقة : من العلاقة الموروثة ، وتناسب الادب ، واطراد المقابلة ، وعظيم اعجابي به ، وكريم تواضعه لي . وعلى ما يفصل بيني وبنه : من فواصل السن ، وتباعد الوجهة ؛ فقد اصبح لي صديقا حميما ؛ تمكنت ، بما يبنى وبينه من صفاء المودة ، ان استجلى روحه ، وانفذ الى منبع الاحساس من نفسه ، وفيض العبقرية من خاطره . وان اسايره في تفكيره ، وتقديره ، وحكمه : فاتعرف الى العوامل والمؤثرات ، التي طبعت ادبه بالطابع الذي برز به .
كان محمد الشاذلي خزنه دار ، ابنا لامير الامراء محمد المنجي ، الولد الثاني للوزير مصطفى خزنه دار ، الذى بقيت حظوظ البلاد التونسية في تصرفه المطلق مدة خمسة وثلالين عاما ، انتهت بسقوطه ونكبته ومصادرة ثروته سنة ١٢٩٠-١٨٧٢ وكان محمد المنجى ، بعبدا عن مظان التهم ، ومواقف الشبه ، التي حفت بعهد حكم والده الوزير مصطفى خرنه دار ؛ بخلاف اخيه الأكبر ، امير الامراء محمد ، الذي كان يحمل ، فى نظر الناس ، القسط الاوفر من المسؤوليات التي اخذ بها والدهما الوزير .
وبتلك الصفة التى امتاز بها دون اخيه الأكبر ، استطاع محمد المنجي ان يحتمل الاعباء الثقيلة ، فى الكارثة التى ترلت بوالده في اخريات حياته ؛ فكان النائب عنه في مفاوضة الدولة لامضاء صلح ، ابقى على شىء من الثروة الهائلة التي كان ينعم بها . تم استطاع ان يبقى هو محل الاتصال بامراء العائلة المالكة ، التي كان ابناء خزنه دار مواليها ، واقاربها ، واصهارها من جهات عدة .
وبعد وفاه والده سنة ١٢٩٧-١٨٧٩ بقى عضدا متينا لوالدته ، الاميرة كلثوم ، ابنة مصطفى باشا ، فى تسيير القصر على ما تقتضيه عوائده لا على ما تسمح به موارده
فى ذلك القصر العظيم ، الذي تقوم اليوم بقية من سقيفته الخارجية في مقابلة المعهد الداخل للمدرسة الصادقية عند موقف الترام بين باردو ومنوبة في المحطة المعروفة
باسم " خرنه دار " ، ولد امير الشعراء ، محمد الشاذلى ، سنة ١٢٩٧ وحمل بتسميته شعارا على ما كان يسود البيت من عقيدة ، وتعلق بالاولياء ، وانتساب الى الطرق الصوفية ، وخاصة الى الطريقة الشاذلية . وفتح عينيه فى تلك البيئة ، المكونة بالمهابة والحرمة والسائرة على التقاليد الموروثة ، المستندة الى الدين ، والمروءة ، والادب ، والاحتشام
فكان كل ما في بيئته الخاصة " معنويا مجردا " ليس له مظهر ماثل في الوجود الحسي ؛ الثروة . . والوزارة والمكانة . . والنفوذ . . كلها اشياء تروج اسماؤها وتتردد ذكرياتها ، وتقوم معالمها ، ولكن ذواتها الحقيقية لا توجد في المحيط الخارجي وان كانت التقاليد والآداب تقضى بان نعتبرها موجودة ، كاننا نراها ونلمسها
والملك وآل بيته . . - هو منا ونحن منه ولكن ما بالنا لانراه ولايرانا نحن مع ذلك اقرب الناس اليه وكذلك اصبحت الحقائق كلها توجد باعتبار المعنى والتخيل ، وان فقدت فى الحس والواقع ؛ فهناك احتياج يقال له " استغناء " وخمول يسمى " وجاهة " ودهر ينزل باسرة . ولكنها تأبى ان تعترف له بالنزول
ومن كل ذلك تطبع ابناء القصر بطبع خيالي ؛ فاصبح الواحد منهم يعتبر الاشياء على نحو ما يريد هو ان يتصور ؛ لا على نحو ما هي عليه في نفس الامر ؛ فيعتبر نفسه هي مظهر الحقائق ، وهي مقياس المظاهر الوجودية
وعلى هذا المذهب " العندي " تكونت نفسية شاعرنا . فاصبح منذ صباه يشعر بان الوجود هو ما انطوت عليه نفسه ؛ وبان عامل ابراز الاشياء ، كلها هو " خياله " وبدا التوجيه التربوي البيتي ، يكون فيه ذوق " السلوك الرقيق " وملكة التعبير المنقح فالجلسة لها كيفيات باختلاف اعتبارات المجالسين ؛ ولفظ التحلة والمجاملة ، قد يحسن وقد يقبح ؛ والكلام قد يكون صحيحا صوابا ، ولكن اسلوب التعبير عنه يفسده . والذي يقول لجدته " الاميرة " انه " حفيدها " يكون قد اساء اساءة كبري لانه قد كان ينبغي له ان يقول انه " ولدها " والمعنى الكريه ، والفعل القبيح ، لا ينبغي ان يذكر ولو في معرض النفي ، او الاضافة الى " الابعد "
وبهذا التوجيه ، تكونت لمترجمنا شخصية ثانية ، مجردة من نفسه ، تراقب اعماله واقواله ، بمقتضى قانون " الرقة " و " اللياقة " حتى نمت في نفسه الملكة البلاغية ، التى تكيف صيغ الكلام بحسب " الاعتبارات المناسبة "
وباجتماع هذه العوامل التكوينية ، نشأ صاحبنا ، قوي الخيال مشحوذ الملكة البلاغية . فكان شاعرا بالسليقة ، وبدأ استعداده ينمو ، واخذت مواهبه تتفتق ، لما بدأت مظاهر الحياة الادبية المحيطة بطفولته تستهويه وهو في دور الحضانة ، قبل ان يهىء له دور التعلم مسالك البروز على النحو الذي هو ميسر له ، فلقد كان كثيرا ما يحدثنا عن غرفة كبيرة ، مشرقة الضياء ، تشرف نوافذها الواسعة على اشجار السرو والبرتقال ؛ وقد جلس هو ووالدته ؛ وامامهما زنجية عجوز ، من قدامى الخادمات ؛ وقد اخذت والدته تقرأ قصصا من سيرة " راس الغول " والعجوز تقوم امامها بحركات عصبية ، تبرز فيها الصور التى تنفعل بها مما يمر فى جمل القصة التى تتلى عليها . فكان يجد من ذلك تاثرا عظيما بالمعانى والصور ؛ حتى يشعر بان القصة حقيقة واقعية تجري احداثها داخل البيت الذي كانت تقرأ فيه
وكان لوالدته تاثير على نفسه ، بعيد المدى ؛ فقد كانت تتلو القرآن العظيم . وتقرأ وتطالع وتحفظ الاشعار : وذلك من اغرب النوادر ، في النساء ، يومئذ . فكان لامتزاج الصور الادبية بطلعة والدته ، في ريعان شبابها ، وعذوبة صوتها ، تأثير قوي على توجيهه نحو الشعور بروعة الادب
وفقد والدته ، وهو في سن الصبا ؛ فكان حنينه اليها زائدا في إيغال صورتها في قرارة نفسه ، يستلهم منها محركات شاعريته ، وابتدأ التعلم الاولى بعزم ثابت على ان يبلغ من العلم المبلغ الذي لم يكن امثاله من اهل بيته يعتزمون بلوغه وذلك بما كان يستهويه من جمال اللغة الفصحى ومتعة ادابها ، وما كان يدفع به في طريق الكمال النفسى من ارشاد والده وحسن اقناعه بان كل شرف غير شرف العلم عرض زائل وان كل ما يعيش هو في اثاره من المكانة والثروة قد كفت لحظة غضب لان يأتي الزمان عليه كله ولكن الشرف الذي يتصل بذات الشخص ولا ينزع هو شرف العلم وكان يضرب له الامثال بكثير من الرجال البارزين يومئذ الذين بقوا على ما كانوا عليه من حظوة في الدور الماضى او زادوا بسبب ان لهم قيما ذاتية لا تزول
وابتدأ حسن الاصغاء الى نصائح والده يرفع منزلته عنده ويعقد بينهما صلة زائدة وصحبة كريمة ثم ابتدأ يلتفت بنباهته الفطرية الى المحيط السياسي فادرك ان نظام الحكم الاستعمارى هو الذي كان الاثر الاقوى في النزول بكل ذي منزلة عن منزلته وتحويل كل حالة الى الاسوا وربط ذلك بالوضع الاليم الذي كان يجد عليه محيطه العائلي فاصبح ناقما على الاستعمار الفرنسى نقمة حقد وثائرا عليه ثورة نفسية جامحة كما كان اكثر اهل البصيرة من المتصلين ببيئته العائلية
وبذلك تكونت له فكرة سياسية منفعلة انفعالا قويا جدا بعاطفته الذاتية واحساسه وتلاقت فكرته مع الفكرة الشعبية التى كانت تملا نفوس عامة التونسيين حقدا وغيظا ونقمة على الحكم الفرنسى واستحكمت من ذلك صلة قوية بين نفسيته المتكونة فى العزلة وبين النفسية الشعبية المتكونة من الاختلاط وممارسة الحوادث فكان ذلك اول عامل فى مزج روحه الشعرية بالاحساس الشعبى والفكر العام
وفى تلك الحقبة من حياته كانت ادوار سياسية ذات اهمية تجري في سراية داخل القصر الملكى بسعى الامير مصطفى باي الابن الأكبر لملك ذلك العصر على باشا الحسينى الثالث ثم بسعى الابن الثاني الامير محمد الهادي الذي آل امره في ما بعد إلى ولاية الملك وكانت تلك الادوار مصطبغة بصبغة العداء لنظام الاحتلال والسعى فى استعادة نفوذ العرش التونسي وكان لوالد مترجمنا ضلع قوي في تلك الحركات
وبموقع مترجمنا بين هذا الشعور الكمين الذي كان يملأ الوسط المترفع والشعور الطاغى الذي كان يشيع في الوسط الشعبى صارت روح النقمة على وضع الحكم القائم يومئذ مسيطرة على نفسه سيطرة مطلقة فاخذ يشعر بان ذاته قد صارت محور تلك الروح الناقمة حيث اختصت فى كل من الوسطين المتباعدين بعنصر من السخط مستمد من حياة الوسط الآخر ومن ولوعه بحفظ القرآن العظيم والقطع الادبية بدأ يسبح بخياله في تصور المعانى ويهيم بروعة التصوير والتعبير على نسبة ما تبلغ اليه مداركه وعلى حسب مايريد هو ان يفهم من ذلك حتى تكون لادراكه الباطنى مجال من الصور الجميلة والاساليب البديعة اصبح له عالما خاصا يجد فيه بخياله ويسقيه بمطالعاته ويقتطف من زهاره ما ياتي به فى محاولاته الاولى لانشاء قطع من الشعر كان يصوغها فى قالب
" الشعر الملحون " ويتناول بها الاغراض البسيطة التى تعن له في حياته اليومية
ولوحظ نجاحه في التعلم فكان ثناء معلمه واهله عليه ، وتفضيلهم اياه على اقرانه من اخوته وبنى عمومته مشجعا له على التوغل في حفظ الشعر والمطالعة ومغريا له بالاسترسال على محاولة قرض الشعر لاحساسه من ذلك بأن وصفه بين اهله الشاعر " او " الاديب " او " الطالب " يمكنه من منزلة الكرامة الفائقة التى كان يطمح اليها يسليه عن منازل اخرى ربما كان بعده عنها من دواعي المه واسباب كآبته
كما انه كان يجد فى ذلك العالم الذي فتح له بموهبته الادبية ما يلهيه ويسليه بالمتعة والرفعة عن مطالب المتعة والرفعة فى العالم المادي فبدا ينصرف عنها ويعرض عن طرائقها حتى اكتسى شبابه بصبغة من الرشد والجدية قربت من النزعة الصوفية
واكمل استعداده بالدراسة والمطالعة وشحذ موهبته الادبية بالرواية وقرض الشعر وتعلم العروض فاتجه الى الدراسة العلمية ورغب فى دخول جامع الزيتونة الاعظم ولم يكن من المعهود يومئذ لابناء طبقته ان ينخرطوا في سلك " الطلبة " وسمح له بالدخول الى الجامع سنة ١٣١٠ فكان له من آثار التوجيه الحاصل من بيئته العائلية ما حمله على سلوك مسلك فى الدراسة لا يتجه الى الطرائق المعهودة في الجمع بين الفنون والتدرج فيها على ما تقتضية نظم الامتحانات التى تختم بها الدراسة لان من المقرر في نفسه ان الامتحانات والشهادات ليست غايته وان ما وراء الامتحانات . من المناصب امر " لا يناسبه " فاتخذ ميله الادبى قائدا لخطته في الدراسة وتنقل بين حاق الجامع يتبع ما يحلو له من مادة الدرس وطريقة الاستاذ وشاقته الدروس التى تشيع فيها المحاورات الادبية وتعمرها النكت الرقيقة والاذواق السليمة العالية وان لم تكن بحسب مادتها ودرجتها فى متناوله مثل دروس الاستاذ الاكبر الشيخ سالم بوحاجب فكان يتهالك عليها بشغف عجلب وبذلك اتسع افق الحياة الادبية لديه وتمكن من وسائل انشاء الشعر الجيد على النحو الذي كان يطمح اليه بما استهواه من مثل الجمال الادبي التي اصلحت قوام حداته من طفولته الى ان اكتمل شبابه
واقترن هذا الطور من حياته بدخول والده في طور جديد اخرجه من زاوية العزلة ووصل بينه ومترجمنا من ورائه وبين الحياة العملية في اوجها السياسي العالي
ففي سنة ١٣٢٠ تولى الملك محمد الهادي باي الحسيني عرش تونس واتصل السيد محمد المنجى خزنه دار به اوثق اتصال وبدأ يعمل معه على تحقيق ما كان يعتزمه من المحاولات للحد من سياسة الاستعمار الفرنسى وتجديد عظمة العرش التونسى وسطوته فكان ابنه - مترجمنا باعتبار ما له من نباهة واطلاع ومقدرة ادبية واتصال بالمحيط الشعبى عمدة لوالده في التفكير والسلوك والتدبير والوصل بين تلك المساعى الفردية وبين الروح التى كانت تشيع خافتة في الاوساط الشعبية وخاصة في الوسط الزيتوني وهي روح النقمة على الاستعمار ومحاولة انشاء عمل وطني . موجه الى مناهضة نفوذ الاحتلال وبهذا اصبح لمترجمنا " موقف سياسى "
الا ان الطبع الادبي الذي كان اساس تكوينه الشخصى جعل وجهته السياسية مولية شطر الناحية العاطفية وسائرة بخطى الانفعال النفسى والثورة الباطنية فتمكن بذلك من ان يتخذ لروح الثورة السياسية ادبا مبتكرا ولده من احساسه الذاتى واختصره من انفعالاته النفسية وقدر للمساعى التى كان يقوم بها والده مع الملك محمد الهادي الفشل فتمخضت مواقف مترجمنا السياسية الى الحس الباطنى وتجردت عن كل عمل في الحس الخارجى فرادت تعمقا في الحياة المثالية الشعرية وربطت حياته بالعزلة والانكماش عهدا طويلا انتهى به الى تحرك داعية من دواعي المحاسبة النفسية تؤنبه على اخلاده الى العزلة وترده الى طريق الحياة العملية وكان ذلك الحديث النفسى الذي كان يجول في خاطره هو الذي ضمنه اول مقاله نشرت له فى مجلة " السعادة العظمى " سنة ١٣٢٢ بعنوان " الاجتماع خير او العزلة "
وبدأ يتصل بالحياة العامة في الصحف والنوادي السياسية ويجعل من شعره مجلى العاطفته المتاججة ثورة عن طغيان الحكم الاجنبى حتى اصبح شاعر الحماسة ولسان الثورة السياسية الجامحة وسارت مقاطيع شعره رنانة قوية الصدى في ضجيج الحركة القومية سنة ١٣٢٨ حتى اصبح يفخر في شعره ببليغ منال قصائده من العدو الغاشم فيقول بمناسبة نفي الزعماء فى حركة مقاطعة الترام سنة ١٣٣٠ :
ما كان في كفي الحسام وانما من تحت فكي حية رقطاء
ارسلتها حصبا على مغتالهم فتريه ماذا يفعل الشعراء
ساهز من قومي الذين بلوتهم ما ترتضيه العمة القعاء
عربية الاحساس في نخوتها لله تلك النخوة العرباء
ولما انشئ الحرب الحر الدستوري سنة ١٣٣٧ كان مترجمنا عمد تاسيسه وكان من صلاته الشخصية الوثيقة بزعيم الحركة الشيخ عبد العزيز الثعالبى وشدة تاثره بمحبته والاعجاب بفكره وبيانه ما وقف شعره على حياة الحرب وعظمة زعيمه فارتبطت محركات شعره بالاحداث الوطنية ذات الصدى البعيد ورتلت السنة الوطنيين قصائده واناشيده وتهافتت الصحف الدستورية على نشر شعره والتنويه به واشاعة سمعته فعظم مقامه الشعري عند الخاصة والعامة وكانت صلاته بالملك محمد الناصر ومنزلته الرسمية في معيته حيث اتخذه ضابطا عسكريا من " معينيه " اقوى ما اعتمد عليه الحزب فى ربط حركته بالملك والقصر واعضاء الاسرة المالكة ربطا نشات عنه حادثة - ٥ افريل ١٣٤٠-١٩٢٢ وترتب على ذلك ان عزل المترجم عن وظيفه فى الحاشية الملكية وسجن بقصر باردو فاحس بان اضافته الى قائمة " الجناة " قد ابرز للحس حقيقته العاطفية بعد ان كانت الفوارق الاجتماعية تغطى عليها وزاد هذا الاضطهاد فى رفعة مقامه فسمته الصحف " امير الشعراء " تشبيها لموقفه بين الملك والحزب بموقف شوقي بين الخديو عباس والحزب الوطني
وبذلك اكتملت شخصيته الشعرية الخالدة واستقرت منزلته في الاوج من تاريخ الحياة الأدبية بتونس
وفي هذا الطور بين سنة ١٣٤٠ وسنة ١٣٤٥ كانت وفرة نتاجه الشعري ومبلغ فنه البياني اسمى مبالغه فصدرت قصائده الخالدة تقوم على وحدة الغرض وتسلسل العناصر وطول النفس وتلاقي الفقر وحسن الزينة البديعية
فكانت كالخطب لها من الاثر في السامعين وقت انشائها ما لا يستطيع الناقد ان يكشف عنه الا ان يجدد الظروف التى مكنت لها حسن القبول وافاضت عليها من
الحرارة ما اذاب اسقام التراكيب وزحافات الاوزان وابتذال المعانى وحشو الالفاظ التى كانت تقع احيانا في شعره فلا يشعر بها السامعون
ولما قوي الضغط على الحركة السياسية وانتقلت القيادة عن المنظمة السياسية التي كان ينتسب اليها ضعف مقدار نتاجه الشعري وانفصلت عنه الروح الخطابية التى كانت تمهد له مسالك القبول الشعبي
فانصرفت اغراض شعره الى الناحية المجردة وتعمقت في صميم الحكمة الدينية واتخذت مادتها من رواسب المكونات الاولى لشخصية امير الشعراء وهى مكونات ادخل في باب الحياة الصوفية ولعل الربط بين ترانيم قصيدة البردة النبوية على لسان والدته فى صباه ثم انبعاثها فى نفسه ترانيم شعرية ملهمة لذلك التشطير البديع الذي شطر به البردة في آخر حياته برهان قوي على ما اوضحنا من طفو تلك الرواسب التي كان خوض الشاعر لغمار الحياة الاجتماعية يبعد بها عن ملاحظته
