الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الثقافة"

انا الغريق .....

Share

المدينة في سكون ورعب ، والناس واجمون يروحون ويجيثون في خفة وسرعة ، يلقهم الليل في سواده ، لان مدينة باريس الزاهية - مدينة النور المشرقة - أمست حالكة مظلمة . وقد انقلب ما فيها من سرور ومرح لا يفارقان سكانها إلي بؤس واستسلام إلي القضاء

كان ذلك في شهر ديسمبر سنة ١٩١٧ والحرب مستعرة ، والناس ينتابهم اليأس والرجاء ، ويمزق نفوسهم حنيتهم إلي أقربائهم ، من أزواج وأبناء ، وأصدقاء ، وأخلاء ، وصلة بانسان قريب أو بعيد . ثم إلي ما تؤول إليه أمة بأسرها ملأت الأرض علما وحضارة ، وأقبل عليها يفترق من علمها العدو والصديق ، ويتشبه بها في آدابها ، ويقتبس من غنوتها أمم الأرض جميعا . ولا تزال باريس حتي في هذه أالمحنة كمية القصاد ومحط الرواد

كان ذلك وأنا سائر في طريق من أجل طرق باريس ، وفي حي من أنضر أحيائها ، كنت أسكن قريبا منه ، فقال إلى صاحبى الذي كان يرافقني :

- لو أن قنبلة نزلت علينا الآن ماذا يكون من أمرنا ؟ فقلت :

نذهب هباء كما ذهب ويذهب من هو خير منا ، ولم ينهدم العالم ، ولن يفنى بسبب ذلك ، ولعل الله يحقق قولك

فقال صاحبي : - أعوذ بالله من هذه النفس المتشائمة ! ثم ذهبنا إلي منزلي ، وجلسنا نتحدث ، والحديث ذو شجون . واخيرا دعانى إلي ان اذهب لزيارة صديق له كان يسكن بالقرب منى ، فأجبت دعوته ، وسرنا إلي شارع ضيق مظلم ، قدخلنا يشبه ان يكون مغلقا ، ورأيتاء بجواره من الداخل حجرة تكاد تكون مظلمة ، فخرجت من باب هذه الحجرة امرأة عجوز بدين ، ذات صدر عريض ضخم ، ورأس على عنق قصير و وقالت :

من تريدون ؟ فقال صاحبي : - السيد سيمون فقالت ورفعت رأسها إلي سماء البيت وأشارت بيدها : - إ لى اليمين في الطبقة الثالثة ثم قالت : نعم لقد رجع الآن مع زوجته الجميلة قالت ذلك في لهجة تعجب ، ثم خفضت من صوتها واقتربت وقالت : - أو . ربما أبلغ ، ثلاث ليال أو أربع في الأسبوع ، لأنه يعبدها ! ثم سكتت قليلا وأصلحت من شعرها وربطت ميدعها ، فناداها زوجها من الحجرة فقالت : نعم ، نعم ورجعت تلتفت إلينا وقالت في صوت خافت : - هي تعبد ، هي جميلة جدا ، وعمزت بعينها ، ورفعت حاجبها وقالت بصوت عال كأنها تريد أن تخفي عن زوجها موضوع الحديث : - نعم بإسادتي ، الحرب من أشد أهوال الحياة ، إلي اليمين في الطبقة الثالثة . ورجعت إلي حجرتها : فصعدنا في سلم مظالم ، ولكنه أشبه بالمضيء ، لأن مصباحا ضئيلا كان يرشد الصاعدين إرشادا ضئيلا .

ووصلنا إلي باب المسكن ، قدقعنا الجرس ، ففتح الباب ، وإذا زوجة صديقنا في مبذلها ووجهها الجميل الفتان ، الذي بدا في ضآلة ضوء مصباح البيت كأنه كوكب دري يتلألا . فصاحت بزوجها والتفتت وراءها وقالت : - ها هو صديقنا جميل (ثم صاحت ) سيمون ،

سيمون ، صديقتنا جميل وصاحبه ودعتنا إلي الدخول في حجرة الاستقبال وقالت : - ما أحسن هذه المصادفة ، لقد كنت أنا وزوجي في حاجة إلي من يؤنسنا ، يالها من سعادة ( ثم صاحت مرة أخرى ) سيمون سيمون ؛ ما هذا ؟ ألم أقل لك إن صديقنا جميل وصاحبه قد حضرا ؟ !

فأجابها : - أنا آت في الحال وجاء سيمون في ثوبه المنزلي وقال : - عفوا . عفوا وسلم وجلس ، فخرجت زوجته من الحجرة وقال الجميل : - إننا لم نرك من زمن طويل . إن مارسيل (زوجته ) تذكرك دائما ، لأنها تحب حديثك

وجلسنا معا في تلك الججرة وعلامة التعب تبدو على سيمون ، ولكن روعة شبابه وحيوية نظراته ، وحسن قده ونضارة وجهه كانت تطمس علامة هذا الاعياء

قال : آه إن كل ما نلته أني جالس في بيتى هذه الليلة . ما أشد أهوال الحرب ؛ لقد مللنا هذه الحياة

ثم نظر إلي جميل نظرة تم عن قلق في نفسه وحيرة شديدة وقال : ثلاث سنين ونحن معرضون للموت كل يوم وليلة . اللهم إن هذا لا يطاق : حول نظرء إلي وقال :

إنك يا سيدي لا تتصور ولا يخطر ببالك ما هي الحرب . إنك لسعيد ، لوددت ان اكون قد مت قبل أن أري هذه الأهوال ! ثم نادي :

مارسيل ، مارسيل ، الا تخجلين ؟ أين انت ؟ فجاءت مارسيل علي عجل ، فينظر إليها سيمون نظرة تعجب وقال :

- آه . لا .لا  إنك كنت تتزينين وهؤلاء السادة عندك وفي انتظارك

فهزت مارسيل رأسها وضحكت وهي تدل على زوجها . فقال سيمون :

- إنك جميلة بدون تطرية . ثقى بذلك فقالت مارسيل :

- ما أجمل هذا الملق من زوج لزوجته في جمع من الناس فقال سيمون ؛ - آه . المرأة المرأة . كل هواها في أن تحب وتعبد

فاتجهت مارسيل إلي مفتاح المصباح وأطفأته ، فصاح بها زوجها .

إنك لمجنونة ! فلم تحفل بقوله ، والتفتت إلينا وقالت : أليس جميلا ، أن نجلس أمام هذا الموقد يسطع علينا لونه الأزرق البنفسجي ويضيء مجلسنا ، فيلون وجوهنا بألوان مختلفة !

وإذا بالحجرة ومن فيها كلها لوحة مصور . وأخذت مارسيل تحرك النار في الموقد فزاد لهيب النار الساطع على وجهها من جمالها ، وصارت تتدلع منه السنة ملتهبة من

الأزرق والأحمر والبنفسجي ، وتجتمع كل هذه الألوان ويختلط بعضها ببعض ، فتكون كتلة من لهب جميل وتنسج خيوطا من نار كانها خيوط سندسية أو لازوردية ، تحركها الريح فتضطرب اضطرابا وتمثل في خفقائها خفقان القلوب أو تمثل راية متعددة الألوان يعبث بها النسيم ، ومارسيل في جوارها قد أحمرت وجنتاها . فكنا بين نارين

قال لها زوجها سيمون - غننا صوتا مما تعرفين فنظرت إلينا وقالت : - وهل تريدون ذلك ؟ ! فقلنا - وكيف لا ! فجلست أمام البيان وأخذت تعزف وغنت: كلا لن يتسني لك أن تعرف من أهيم به الآن ولا إن كنت أهواك أم أبغضك ولا إن كنت أهزأ أم لا أزال أتألم عبثا نود أن تقرأ في عيني الحائرتين حي لك إنك تود أن نعرف ما بنفسي لن يتسني لك ذلك أبدا ! وسكنت فصفقنا فقال زوجها :

- ويل لنا نحن الرجال ، الحب والنساء ، هذا كل ما لدينا في الحياة ، وكل ما يملأ السمع والبصر فينا !

فقالت مارسيل : - بل ويل لنا نحن النساء نضحي بكل شئ ونعمل كل شئ لنرضي الرجال ، وهم غاضبون علينا دائما . ومن الغريب انهم يهيمون بنا ويحقدون علينا ! الرجال لا يرضيهم شئ من المرأة ثم تنهدت في خفة ورشاقة وقالت : - يا للنساء من الرجال

فهم زوجها بالقيام واضاء مصباح الحجرة وتناول كتابا كان على الرف وقال :

- اسمعى أناتول فرانس وهو يتعجب إليكن ؛ وفتح صفحة من الكتاب وقرأ :

" المرأة أساس العمران . لأنها مسيطرة عليه ، إذ لا يعمل شئ إلا بها ومن أجلها . هي مربية الرجل ، تعلمه الفضائل الجميلة الجذابة ، وحسن المعاشرة والفطنة . وهذه الكبرياء التي تخشى أن تؤول إلي تعنت ، وهي التي ترشد بعض الناس إلي الطريق الذي يجعله موضع الاعجاب من غيره ، وتهديه إلى كل وسيلة تساعده على عدم الأشميزاز منه . وهي التي تبين للرجل ان العالم معقد ولكنه منظم تنظيما دقيقا ، أ كثر مما يتخيله الناس في المجامع السياسية ، وتحمله على التفكير في أن الآحلام التي تحدثها العواطف النفسية وتنشأ من سيطرة العقائد لا يغلبها غالب ، وان العقل ليس له سلطان علي النفوس "

فقالت مارسيل - مرحي : مرحي : اناثول فرانس أعظم رجل فهم المرأة!

فقال زوجها - وكيف لا يكون ذلك ؟ أزيدك من دلال المرأة علي الرجل وسيطرة العاطفة على العقل ، هذا موسيه يقول ، وتناول كتابا آخر وأخذ بتصفحه ثم قال :

- تري ماذا تقولين لي يا ذات الشعر الأسود والعيون الزرقاء إذا بحت لك بحبى ؟ .

الحب كما تعلمين ينبوع أسقام مضئية ، بل هو سقم لا يعرف الشفقة وإنك لتتجرعين آلامه . مع هذا فقد تتوعدينى بالعقاب

نيتون ؛ إنك لبارعة ! فقد خفي علي انصرافك عني فلم أتنبأ به ، فإذا قلت لك : إن ستة أشهر قد انصرمت

في صمت وسكون ، اخفت آلامى المبرحة وأمالي السائحة ربما تقولين إنك تعلمين ذلك

فإذا قلت لك : إن جنونا حلوا صيرنى ظلا من ظلالك ، وحملني على الا أفارق خطواتك ، وإن شيئا من الشك والوجد - كما تعلمين - جعلك أجمل ما تكونين . قد تقولين : لا أظن ذلك

وإذا قلت لك : إني أحفظ في سويداء قلبى كل صغيرة وكبيرة من مسامراتك وإن نظرة ارتياب منك - كما تعلمين - تجعل تلك العيون السماوية الزرقاء لهيبا مشتعلا . إذا لتحرمين على رؤيتك .

وإذا قلت لك : إن السهاد بنتا بني كل ليلة ، وإن البكاء يتملكني كل يوم وإني ادعو الله جانبا . نيتون الا تعلمين بانك عند ما تضحكين تظن النحلة ان فمك زهرة قرمزية . إذا قلت لك ذلك ربما تضحكين مني

سيخفي عليك أمري ، فسأجيء إليك صامتا أجلس في ضوء مصباحك واتحدث معك ، فأسمع صوتك ، واستنشق عبيرك . ولك ان ترتابى في حبى ، وان تظني بي الظنون ، وان تضحكي مني ، ولكن لن ينسي لعينيك ان تعرفا لماذا تنظران إلي شزرا :

سأجنبى في الخفاء زهرات حافلة الأسرار ، وفي المساء اجلس خلفك وأسمع عزف يدك على البيان ، وأشعر بقدك الرشيق بتلوي بين ذراعي كغصن يميد وانت غارقة في لجة الأنغام المرقصة !

فإذا جن علينا الليل ، وبددت النوي شملنا ، ودخلت حجرتى وارخيت سدولها تناوبني ذكريات ايقظت في نفس الغيرة ، فهناك وأنا وحدي أمام الله - أهيم فرحا وسرورا ، افتح قلبي وكأنه خزانة من ذهب ، فأجده مملوءا بحبك

إني أحب وأعرف أن أكتم حبي ، أحب ومثلي لا يذاع له سر ، فما اعز سري ! وما اعز سقمي وحبى ، لقد اقسمت ان احب في غير أمل ولا رجاء ، ولكن في سعادة وهناء إني أراك وكفي . كلا لم أخلق لهذه السعادة الجلي كي أموت بين ذراعيك أو اعيش تحت قدميك . و اسفا ! كل شئ بني بذلك حتي آلامي !

ولما انتهى هزت مارسيل رأسها وأطفأت مصباح الحجرة وقالت :

- موسيه كان شاعرا مجنونا . فقد هام بجورج صائد ، وهامت هي بغيره . ولو كنت رجلا ما احببت امرأة تنصرف عن أو تخدعني في غرامي . ثم قامت وهزت كنفيها وخطت خطوات في تبختر ودلال وقالت :

أيها الصديق . إنكم أمها الرجال إعجوبة الأيام ! وكان اللهيب في الموقد قد اشتد وارسل اشعته وحرارته في كل جانب من جوانب الحجرة ، وخيل إلي أننا في موقف غرام ، أو في حذبة من الحانات ، أو في حلم من الآحلام ، وشعرنا بحرارة الموقف وقسوه . فقال صديقي : - تفتح النافذة فقالت مارسيل : - كيف ؟ ألا تخاف البرد ؛ أما أنا فلا احتمله . فسكت جميل ، ولم اكن رأيت في حياتي ظلمة أجمل

من الضوء ، ولا ضيقا أوسع من الفضاء ، مثل هذه الليلة وفي تلك الحجرة . ثم نظرت مارسيل إلي جميل وقالت :

- كيف حالك ؟ ألا تزال في تلك الحال النفسية المظلمة ؟ ومالت بجابها على زوجها ، فاحمر عنها جلبابها فاسرعت برده ، ونظرت في مراه موضوعة على الموقد واصلحت من شعرها وكانها تعجب بجمالها وقالت في تنهد ودلال :

- آه . يا لحياة الانسان ! مسكين أنت يا جميل ، لقد تعاني من آرائك في الحياة ، وعدم فهمك لها ما لا يعانيه الجاهل الجهول . ثق ايها الصديق بأنك مخطئ ، إنك شاب لا تفكر إلا في التمتع بالحياة ، وتود أكثر مما يمكن ، فلا تكاد ترضي بشيء ، ثمن هنا خطؤك ، ومن هنا بؤسك

فضحك جميل وقال : - تظنين ذلك ياسيدتى ؟ ولكن ما خفي عليك كثير ، ولو علمته لعرفت أبي محق ونظر سيمون إلينا وقال : - الآن علمتم أن زوجي ليست فاتنة فقط ، بل هي مع ذلك فيلسوفة

تم نظر إليها وقال : - يا عزيزتى ، دعينا من هذا واسقنا شيئا ، فانك ربة المنزل ، وقد انستك الفلسفة ان تقومي بواجب التحية لضيوفك

ثم رجع الحديث في الحرب وأهو الها ، فقال سيمون : - لقد حاولت مرات أن أجيء إلي باريس وأمكث مع زوجي ثلاثة أيام لاستريح قليلا من رؤية هذه الفظائع التي كانت تحيط بي ليل نهار

ثم نظر إلي مقطيا وجهه وقال : - كنت في موقف غريب ، وسأعود إليه ، فان مكاني فوق دوحة عالية ، ارصد الأعداء بمنظار عظيم ،

لأري حركاتهم ، والجهات التي يقصدون إليها . وكنت ويا لفظاعة الموقف وهوله، الاقى من وقت لآخر قدم جندي تطير وتجيء فتضربني في وجهي ، أو راسا بلا رقبة تحدق إلي عيناه، أو ذراعا بلا كف تقع على رأسي ، فأفزع من هول هذه المناظر القاسية ، ثم تعودت رؤية هذه الأهوال وقسوة الإنسان على الإنسان ، ووحشية البشر ، ففقدت ذلك الاحساس الإنساني ، إحساس الشفقة والرحمة، حتي لقد كنت ارتاح إذا رأيت فرنسيا يبطش بألماني فيقطعه إربا إربا !

ثم قال : تمر بالإنسان أوقات يكون فيها أفظع من الوحوش الضاربة إذا نسي إنسانيته ، أو دفعه الحقد إلي اغتيال غيره . على ان كثيرا من هؤلاء ، الجنود أنفسهم كانوا سيقتلون او يقتلون ، فهان الأمر عليهم ، وأصبحوا لا يرون في ذلك ما يدعو إلي الشفقة بمن يريد أن يقتلهم . ( البقية في العدد القادم )

اشترك في نشرتنا البريدية