وعندما رجعنا من زيارة صديقنا سيمون كانت الطائرات تحلق في سماء باريس في ذهاب وجيئة يضم ازيزها الآذان ، ترتفع تارة ارتفاعا يحجبها عن النظر ، وتظهر طورا حتى يظن الناظر إليها أنها تكاد تمس سطوح المنازل ، تبطئ في سيرها احيانا وكانها في حالة اطمئنان وهدوء ، وتسرع طورا كانها في خوف ورعب تريد ان تفلت من عدو يقفو اثرها أو كانها غراب البين أو نذير السوء ! وقد رافقت صاحبي إلي محطة المترو ولم نتكلم في اثناء الطريق لأننا كنا في شبه ذهول ، وودعته ورجعت إلي منزلي ، فخلعت ملابسي وتناولت كتابا اقرا منه فقرات كعادتي قبل النوم . وفجأة سمعت مناديا ينادي :
- الضوء ؛ الضوء ! أغلقوا النوافذ وأطفئوا المصابيح ، ثم سمعت نذير السوء وهو صفير رجال الشرطة ، ذلك الصفير المزعج الذي يخلع القلوب ، واعقبه صوت طلقات المدافع في سماء المدينة ينذر بوصول طيارات الأعداء إلي قلب باريس . ثم نادي مناد آخر في انزعاج وتلهف وهو يذرع الطرق ويصيح :
- إلي الكهوف . إلي الكهوف . وكانوا اعدوا الطبقات السفلي من المنازل للالتجاء إليها وقت الغارات ووضعوا على أبوابها مصابيح زرقاء قائمة للاعتداء إليها وقت الحاجة
ثم سمعت صراخا وبكاء من الحجرة التي بجانبي وكنت أعلم انها تسكنها سيدة امريكية في سن الشيخوخة مع أبنتها وهي فتاة فتية أعرفها لأنها كانت تجلس بجواري حول المائدة ، ثم خرجت الفتاة مذعورة في قميص النوم الشفاف ، تصيح وتقول : أمي أمي . من يأتيني بها الآن ؟ ثم صاحت ثانية وأصابتها نوبة عصبية فوقعت ، وانحسر ثوبها عن جسمها فكشف عن ساقيها ، وبرز صدرها واحمرت وجنتاها وهي تتصب عرقا وتبكي وتصيح امي . امي . وقد تدحرجت على الأرض فزاد ذلك من رعبى واشفقت عليها ، ولكني اثرت ان انجو بنفسي ، فتركتها ملقاة علي الأرض وفررت إلي الشارع أبحث عن ملجأ التجيء إليه ، وكان امامي منزل به كهف فنزلت إليه ، وإذا بالناس تندفع إليه اندفاعا ، وتتزاحم بالمناكب ، وقد اختلط الحابل بالنابل من سيد ومسود وكبر وصغير ورجال ونساء
هذه حاملة طفلها تلقه في جلبابها ، وتلك تحيط بها أولادها مذعورين باكين . وهذا شيخ يكاد يقعده العجز عن المقاومة ، ويدفعه الخوف والبرد إلي ان يحشر حشرا بين الفتيان والفتيات ، ولات ساعة شفقة أو رحمة .كل يفكر في نفسه . وكأن هذا الكهف جزء من سفينة نوح ، يجمع كل صنف من الناس
والشرطى ينادى من حين إلي حين : - أطفئوا الأنوار : إلي الكهوف ؛ إلى الكهوف
أما أنا فشغلت بالنظر إلي هذا الجمع الحاشد وما فيه من قبح وجمال ، وقلت : هذه لوحة مصور ، فكان منظر هذا الجمع يشبه ما تقرؤه في الكتب السماوية عن يوم الحشر ، وقد ظهرت امزجة مختلفة ، فكنت لا اعرف إن كان هذا موقف جد او هزل ، إذ كان من بين هؤلاء من يتظرف ويتهكم ويضحك ويسخر ، ومن بين النساء من كانت تبكي وتتألم ، فكنت انظر إلي هؤلاء وهؤلاء ،
فأضحك وأبكى معا ، وانسي ما هنالك من أهوال ، وأتألم من سخرية المقادير بالبشر ، فيخيل إلي أننا في ملهي من ملاهي التمثيل لتشاهد قصة تمثل أمامنا . وكان هذا الجمع وما فيه فصل من فصول قصة هزلية يتخلل ماساة كبيرة من حياة البشر !
رايت شيخا يحدث زوجته ، وكان هذا الشيخ ذا لحية طويلة قد وخطها المشيب ، وهو طويل القامة معتدل القد ، نحيف القوام كثير الحركة ، لا يكاد يستقر في مكان ، تشتعل عيناه ذكاء كثير الالتفات ، وكلما تلقت ضحك ، وكلما تكلم تهكم ، تبدو عليه البساطة والطلاوة في ان واحد ، مسرور دائما ؟ يخاطب الحاضرين وكانه يعرف كل إنسان . نظر فقال في سخرية وتهكم : إذن ايها السيدات والسادة ، اضحكوا معى ما هذا العبوس ؟ ثم التفت إلي وقال : أليس كذلك يا سيدي الأسباني ؟ وظن أني من أهل اسبانيا ، فقلت بدون تفكير : - نعم
ثم ضاق صدري من هذا المكان لأنه كان أشبه بالسجن منه بشيء آخر ، وانقبضت نفسى كلما رايت الأضواء المنبعثة هناك اشبه بسحب متقطعة ثمار رؤوس هذا الجمع الحاشد وتمتزج بأنفاسه المتصاعدة ، فتنشر خيوطا من ضباب أو دخانا يملا النفس بؤسا . والناس بين واجم وخائف ومتشجع ، ثم نظراتهم عن ذهول وحيرة . أما أنا فكنت انظر تارة إلى هذا الجمع فاري صورة من صور الحياة الإنسانية التي تجمع بين الخبيث والطيب والقبيح والجميل ، والسعادة والبؤس ، والخوف والرجاء ، والشجاعة والحين و . و فاعجب من ذلك ، واحيانا كانت تظلم نفسى من تلك الصورة التي تتجسم في شكل بؤس وشقاء فيغلبني الكدر فأنتهد نتهدأ كنت اخشي أن يعقبه إجهاش بالبكاء فأكون اضحوكة بين الناس
فاثرت الخروج من هذا المكان وقصدت إلي ميدان
النحم المعروف ورايت ان احتمي ببناء قوس النصر هناك ، لأنه بناء ضخم شاهق ، لا تخترقه القنابل ، ولا تؤثر فيه المقذوقات
وكانت الطائرات لا تزال تجيء وتروح ، وترفرف في جوف القضاء ، فوقفت قليلا انظر إلي السماء . وفجأة سمعت صوتا مرعبا وكانما سقطت السماء على الأرض . فالتفت إلي مكان هذا الصوت فإذا يسيل من نار يتدفق ، اعقبه انفجار شديد على الأرض ، فاعترتني هزة شديدة من الخوف ، رفعت جسمى ودفعت به إلى بعد . ثم سمعت دويا اخر وإذا بجسم ملتهب يقع على منزل فينهار ركن من اركانه ، فاعترتني رعدة كرعدة الجبان عندما رأيت النار تمتد إلي حجرة وتاكل إثاثها ، وقد رأيت بها امرأة مع طفلها الصغير قد روعتها النار ولهيبيها .
وسمعت صراخا متصاعدا من الجهة التي وقعت فيها القنبلة الأولى ، ثم علمت بعد أن تلك القنبلة سقطت على محطة الترام فقتلت سبعين نفسا بين رجال ونساء وأطفال فنكصت على عقبى وعدت إلي بيتي ، ودوي المدافع لم ينقطع وازيز الطائرات يملا الفضاء . وكلما مر إنسان في الطريق رايته يجري مذعورا خائفا كانما يفر من الموت ، او كالذي يتخبطه الشيطان من المس
اشرقت الشمس في الصباح ونشرت أشعتها في أنحاء المدينة ، وقد اخترقت هذه الاشعة الضباب الذي ملأ الفضاء قبل الشروق ، ولكنه ما لبث أن تمزق وذاب . فخرجت اجول في شوارع المدينة استطلع الأخبار لأقف على آثار هذه الغارة الجوية . فرأيت سكونا يسود الشوارع والطرق ووجوما يظهر علي كل سائر ، وكل واحد كانه في ذهول يسير خفية لا يريد ان يقربه احد . وكان يخيل إلي أن المدينة وما فيها من إنسان وحيوان وجماد قد غشيتها غاشية من بؤس وتعاسة ، والقلق يجول في النفوس والربية في
للظفر والخوف من غلبة الأعداء يدعو إلي الياس ، والدعوة إلي طلب السلم بأي ثمن كان
سرت سيرا حثيثا انظر يمنة ويسرة ، فكنت لا أري إلا وجوها كئيبة ونفوسا مبتئسة . حتى وصلت إلي ميدان الأوبرا ، فرايت جمعا حاشدا ، فاقتربت منه ، وإذا هوة سحيقة ، قالوا إن مقذوفا ناريا نزل هناك فأحدث هذه الهوة وسمعت أحد الواقفين يقول :
ان قنبلة سقطت على مصرف الكريدي ليونية فاخترفت السقف ، ونزلت في البهو ، فقتلت الحارس . وقال اخر
لا شك انهم كانوا يقصدون هدم الأوبرا ، ومن حسن الطالع ان هذا البناء الفني الجميل سلم من ايدي هؤلاء الأوباش الأنفال .
وسمعنا مناديا ينادي ، وكان من بائعي الصحف اليومية : ستون طائرة حلقت في سماء باريس ، مائة قنبلة ، عشرون اصابة ، هدم جزء من الكريدي ليونية ، قتل سبعين في محطة المترو بميدان المنجم ، اسر طيار الماني في غابة ثمان سين
رجعت إلي منزلي وعزمت على مغادرة باريس إلي مدينة بوردو والجنوب . ثم ذهبت إلي مقر البوليس لاحصل على إذن لي بالسفر بدون ان اخبر احدا من اصدقائي .
سار القطار إلي بوردو وسط زوبعة شديدة وامطار غزيرة ، وصقيع يتناثر من السماء وبرد تصطك منه الآسنان . كنت انظر من النافذة فأرى ذرات الصقيع تتساقط وتطير في الفضاء وتكسو الأرض حلة بيضاء والقطار يخترق السهول والوهاد والربي والوديان
وكان البرد شديدا ، ولكن كان بالقطار أنابيب مملوءة الماء الساخن ، وضعت اسفل المقاعد ، ترسل حرارة تمتد في العربة فتذهب بحدة البرد وتلطف الهواء . فكنا في جلستنا مطمئنين
وكانت ( العربة ) التي ركبتها من عربات الدرجة
الثالثة - برغم قدمها وذهاب دهانها وتكسر بعض أجزائها - نظيفة ليس بها من القذارة إلا ما تركته أقدام الراكبين من أثر ما علق بالأرض من أحذيتهم
وكانت نوافذ العربة كما كانما غشيها من اثر الصقيع نسيج شقاف صورت عليه نقوش مختلفة ، منتظمة وغير منتظمة ، واحيانا كثيفة تحجب ما وراءها ، والصقيع يسيل عليها فينقطع ، فيمثل وجه إنسان او حيوان او صورة نبات .
ثم اشعلوا المصابيح فانتشر في ( العربة ) نوع من الابتئاس بدخول الليل . وما زال النهار يجري ويفر امامنا كانما يخاف ان تدركه حتى اختفي بين تلك الوهاد والحقول ولفنا الليل بسواده وكأنا نسير على غير هدى ، فانقبض صدري . ووددت لو ان هذا القطار سار قدما إلي أن يقذف بنا في عالم آخر ، أو يثب بنا في جوف المحيط
ورايت بجانبي احد الجنود يدخن في غليوته وبيده صحيفة يومية يقرؤها . ومن وقت إلي آخر يلقي الصحيفة على ركبتيه ، ويدخل إصبعه في فوهة الغليون ويضغط به على التبغ ، ثم يخرج ولاعة يغمزها بأصبعه فتتقد فيشعل بها غليونه
وكان هذا الجندي في نحو الأربعين من عمره ، ذا لحية مصغرة تنذر بالشيب ، طويل الشارب ، طويل الانف . أحمر الوجنتين ، بتخلفهما خيوط لازوردية من أثر شرب التميذ . ازرق العينين ، كبير الراس ، كثيف شعره ، صفح الوجه كانه يبتسم دائما
وقد وضع في جواره على المقعد سيفه وحمله ، وبينها يشمل غليونه سقط من فمه ، فانتفضت واقفا خوفا من ان يحترق ثوبي . فنظر إلي وقال :
- عفوا ، عفوا يا سيدي . وأشعل غليونه . ثم التفت إلي ثانية كأنه يريد أن يقرأ في وجهي شيئا ، وهز رأسه في حيرة وتعجب . وقال : - أخبرني يا سيدي . ألست جنديا ؟ !
قلت : لا. قال : عجيب ! إذا أنت في الخدمة السرية ؟ قلت: لا يا سيدي
فسمعت حديثنا سيدة كانت بجوارنا . فقالت هي أيضا متعجبة ، وكانها مستفهمة :
- لست جنديا يا سيدي ؟ ! قلت : لا يا سيدتي قالت : ما أسعدك ! ولكن لماذا ؟ فقال الجندي : السيد اسباني ، أليس كذلك ياسيدي ؟ فلم أجبه . فنظرت إلي تلك السيدة وقالت : - زوجي في سنك وشاب مثلك .
ثم تنهدت وقالت : - مسكين أنت يافرنسواي . تري أين أنت الآن ؟ أحي أنت أم ميت ؟
وبكت . فنظر إليها الجندي وقال : _ سيدتي سيدتي . لا تفعلي هذا . كوني فرنسية شجاعة . ألو.ألو.لا تبكى ، إن امرأة فرنسية لا تبكي على زوج يعد الأعداء عن فرنسا .
فأجهشت بالبكاء . فقال الجندي : - سيدتي العزيزة ، اذكري فرنسا ، اذكري بلدك الذي يريد العدو أن يفترسه . إننا يا سيدتي نعمل لفرنسا ، ونموت لتحيا فرنسا .
فنظرت إليه السيدة نظرة ارتياب تنم عن حقد كامن في نفسها ، والدموع تتساقط على خديها وقد وردهما الشجن ، وبللهما البكاء . وقالت بصوت متهدج يقطعه تهداتها وشهيقها وإجهاشها بالبكاء :
- أجل يا سيدي . ها نحن نموت لتعيش فرنسا ونعمل الفرنسا وسكتت قليلا . ثم حدقت في وجه الجندي وقالت : - إنك يا سيدي لست متروجا ، وليس لك أولاد . أليس كذلك ؟ فأجاب الجندى :
- بلى يا سيدتي . فقالت : ما أسعدك ! إن حب الأسرة والتفكير في مصير أبناء صغار ليس لهما موضع من قلبك ، وربما لا تعرف إلي اليوم وفي هذه السن معنى الشفقة . إنك ياسيدي خال من التبعات ، ولذلك أجدك - وأنت جندي راجع من ميدان القتال وقد شاهدت هناك الأهوال - فرحا مسرورا فأجابها : - نعم ياسيدتي . فرح مسرور . وماذا أعمل ؟ أليس من الشرف أن أموت في سبيل الدفاع عن بلادى ؟ ألا ترين يا سيدتي أن الرجال الأنذال يموتون من أجل متعة يتمتعون بها يوما أو ليلة ؟ أو ليس الموت في سبيل الدفاع عن الوطن خيرا من هذا ؟ وسكت قليلا ، ثم قال :
- أو ليس الرجل يموت أحيانا من عثرة في الطريق ، أو من حادث سيارة ، أو تصادم قطار ؟ وليس له مفخرة ولا شرف يكسبه ؟ لابد من الموت . فلنمت من أجل بلادنا . ولنمت لتعيش فرنسا
فقالت السيدة ، وقد خفضت رأسها وصوتها ، ورددت قوله :
- أجل . أجل نموت لتعيش فرنسا ! ثم رفعت رأسها ونظرت إليه وعيناها تشتعلان غيظا وقالت :
- بل نموت ليعيش رجال السياسة وأرباب الأموال . إن رجلا يجلس في مكتبه تلعب به الأهواء ، يدفع الناس إلي القتال ، فتموت أمم ، وترمل نساء ، وتيتم أطفال ، وتهدم أسر
ووقف القطار في محطة في الطريق . فنادي مناد : - إلى يردو . إلى ردو . اركبوا اركبوا أيها
المسافرون . ثم صاح : - احترسوا القطار يسير وصفر القطار فملأ بصفيره الجو وتنفس وشهق وسار إلى يردو (لها بقية)

