دخلنا مدينة " بوردو " في المساء ، وكان أحد أصدقائي قد ارشدني إلي نزل هناك ، فتوجهت إليه ونزلت به . وفي الصباح خرجت اجول في الطرق ، فرأيت فرقا عظيما بين باريس والمدن الآخر .
وكنت شاهدت قبل ذلك غير هذه المدينة ، فعلمت انه ليس في فرنسا من المدن ما يشبه باريس في جمالها ، وخفة روحها ، ومظاهر الحضارة بها ؛ وليست الحال كذلك في بلاد الإنجليز ، فان كل مدينة هناك تكاد تضارع لندن في كل شئ ، حاشا سعة العاصمة وما فيها من مرافق مختلفة ، ونشاط اجتماعي وسياسي . وتكاد تجد في بلاد الانجليز صيغة واحدة في المساكن والنظام " العائلي " والحياة الاجتماعية . أما في فرنسا فانك تحس الفرق في العادات والأخلاق واللغة ، فان اللهجة الباريسية هي اصح اللهجات ، وأرقها دنينا في الأذان . والمرأة الباريسية غير المرأة الفرنسية في المدن الأخرى ؛ والذوق الباريسي الفني غير اذواق سكان المدن الآخر ؛ والتجارة والصناعة ، والجد والهزل في جملته غيره في باريس .
وأول شئ لفت نظري هناك لهجة السكان ، واذواقهم في احاديثهم ، وملابسهم التي يحاولون فيها محاكاة عاصمتهم ؛ ولكنهم لا يصلون إلي ذلك .
والمباني هناك قديمة ، أكثرها كئيب ، والطرق ضيقة ؛ والمدينة كلها تكاد تكون صورة من عصور مضت ، ولكن الصبغة اللاتينية اظهر ما تكون هناك في خفة الإدراك ، وحضور الذهن ، وعدم المبالاة بغوائل الأيام . فقد كنا هناك لا نكاد نلمح في وجوه الناس أو نفوسهم شيئا من شبح الحرب ، ولا نري لذلك اثرا سوى بعض الجنود الذين كانوا يقضون إجازاتهم ويفدون من الساحل الغربي للمحيط الاطلنطي آتين بأسلحتهم وعدوهم وخيولهم من أمريكا لمساعدة الحلفاء
وعند ما رجعت إلي النزل بادرني صاحبه وقال لي : - عليك أن تذهب في الحال يا سيدي إلي مركز الشرطة ؛
فقلت سأذهب بعد يوم أو يومين لتسجيل اسمى هناك ، والحصول على إذن بالبقاء هنا ، لأني اعلم ان لي حق البقاء ثلاثة أيام بدون ترخيص من الشرطة
فقال ، وقد هز رأسه استهزاء : - كان ذلك يا سيدي وقت السلم ، أما الآن فلا بد ان تذهب في الحال ، وإلا قضيت الليلة بلا طعام ؛
فقلت : - وكيف ذلك ؟ ! قال : - إنه لا يمكنك أن تحصل على كسرة من الخبز ، ولا جرام من السكر إلا بإذن من الشرطة
فذهبت إلي بيت الشرطة ، فوجدت أمامه سربا من نساء ورجال كانه عقد منظوم ، رجل وراء امراة ، وامرأة في ذيل رجل ، وطفل خلف فتاة ، والغني مع الفقير ، والصغير كالكبير ، والسيد كالمسود . هذا يدفع من أمامه ، وهذه ترفع رأسها لتستنشق هواء نقيا .
قالت امرأة لشيخ كان ملتصقا بها :
- سيدي ، رفقا بالنساء فاني اكاد أختنق . فأجابها : - وأنا أيضا أختنق يا سيدتي !
فقالت غاضبة : إذن فقال : إذن تقفين كما نقف جميعا إلي أن يأتي دورك ، أو ترجعين إلي منزلك
وأباخ عليها بكلكله ؛ فالتفت وراءها وقالت : - أنت وحش ! فمد عنقه إليها وقال : وانت بقرة !
فقالت غاضبة : - وأنت جمل فتقدم الشرطي ، وكان واقفا لحفظ النظام ، وقال : - سيدي ! سيدتي ؛ صه . صه ! فنظرت إلي المتخاصمين عجوز كانت واقفة خارج الصفوف وقالت :
- أولادنا وأزواجنا تذبح في ساحة الحرب ، ويمثل بهم ، وانتم هنا تتنابذون بالشتم والسب . .
ثم نظرت ورائي فرأيت خلفي سلسلة من رجال ونساء ، وشعرت بضغط على جسمى من كل جهة ، وكان هذا الشعور يدفعني إلي الإشمئزاز من هذا الموقف ، ورائحة الطاهي والطاهية ، والخادم والخادمة ، والبائع والبائعة تفوح من كل جهة ، حتي كدت اترك مكاني وأقفل راجعا وانا كقطعة لحم بين قطعتين من خبر محجرتين . وصارت هذه السلسلة من الناس تتقدم حلقة حلقة ، حتى وجدتني داخل حجرة بها شرطي يوزع صحنا مقسمة تشبه طوابع البريد في المقدار والشكل ، على كل طابع تاريخ يوم من أيام الشهر ، كتب بجواره " ثلثمائة جرام " . فلما تقدمت إلي الشرطي نظر إلي ، ولم يكن في الناس شاب غيري . فقال :
- أرني أوراقك . فأخرجت له جواز السفر ، فنظر فيه وتصفحه ، ثم حدق بي ثانية وقال ؟
- أنت أجنبي فقلت : - نعم، قال:
- ولماذا أنت هنا ؟ ! قلت : سأمكث قليلا ثم أعود إلي بلدي . قال :
حسن . واعطاني الصحيفة . وقال : - يجب أن تمر هنا كل ثلاثة أيام
فخرجت ورجعت إلي الفندق .
وكانت تجلس بباب الفندق الذي نزلت به امرأة كهلة ، كلما مررت بها رأيتها منهمكة في تطريز قطعة من نسيج . لتجعلها غطاء لمنضدة ، أو لتزين بها مقعدا من مقاعد النزل . وكان يخيل إلي أنها لا تفكر في شيء إلا في إبرتها وخيطها ، وتجهد نفسها ليكون عملها متقنا ، حتى لقد كانت تنسى عملها الذي تربح منه ، وهو حراسة الباب ، ومعرفة الداخل والخارج . وكنت امر بها فتعجبني نظراتها من تحت منظارها الذي كان متدليا على ارنية أنفها ، ويوشك أن يسقط من أقل حركة او تلفت منها .
وكنت عندما أمر بالقرب منها أريد أن انبهها إلي أن إنسانا يمر بالباب ، مداعبة لها ، فاضرب الأرض بقدمي ضربة تشبه ان تكون عثرة ، فتلتفت إلي جهة الصوت ، فأشير برأسي إشارة تحية ، فتهز هي رأسها وتقول كعادتها ، ردا علي تحيتى :
سيدي ! وتعود إلي عملها
وكان يعجبني منها شعرها الأبيض اللامع ، وأدبها الجم في حديثها وسؤالها وجوابها ، مما يدل على نبالة أصلها . وقفت مرة أمامها احاول ان اتحدث معها ، فنظرت إلي ، وأحسست أني أميل إليها بعض الميل ، فقالت : - اجلس يا سيدي !
ولمحت على وجهي التردد في الجلوس بجوارها ، وشعرت بأني استكنف ان اجلس مع خادمة ، فقالت :
إني لست خادمة يا سيدي ! وسكنت هنيهة ، ثم قالت:
- أجل - أجل . أنا خادمة الآن ! وتنهدت ، ثم قالت :
لعن الله الحرب ، وقاتل الله غليوم ورفعت منظارها واخرجت من مثبتها منديلا مسحت به دمعة سالت علي خدها ، ثم طوت منظارها ووضعته أمامها وقالت :
- إنني يا سيدي روسية ، من أسرة معروفة في موسكو ، وقد هاجرت إلي فرنسا خفية أو هروبا ، لأن هؤلاء ، الصعاليك الغوغا ، الذين فتنوا القيصر ومثلوا به وباسرته ، طغوا هناك باسم الإصلاح الاجتماعي وإبادة الظلم ، فقررت منهم لما خفتهم
قلت : إذن أنت يا سيدتي من النبلاء قالت : أجل ويا أسفاه . لقد قتلوا أهلي ، وسلبوا أموالنا ومزرقوا أعراضنا . وهم الآن يغيرون على الأسر الكبيرة كالوحوش الضارية ، في غير رحمة ولا شفقة ؛ ويظنون ان في هذا إصلاحا . والحق انهم عطشي إلي الدماء ، وأنهم عصابة لصوص .
فقلت : يقولون يا سيدتي إن عدوان الحكام هناك ، وانتشار الظلم هما اللذان حملا الشعب على ان يثور ويفتك بكبار القوم
قالت : يا سيدي . إن ظلم الشعوب لملوكهم واسرائهم اعظم من ظلم الملوك لشعوبها . وإن هؤلاء الثائرين يريدون المساواة بين الناس . ويرون ان السيد والخادم يتساويان في كل شئ . ويقولون إن كل إنسان يؤدي عمله في الحياة ، وإن النظام الاجتماعي يجتاج إلي العامل كما يحتاج إلي
العالم . ومن أجل ذلك لا يرون فرقا بين عمل العالم المحقق الذي يسير الكون بآرائه ، والعامل الجاهل الذي يعمل عمل الآلة الصماء ، فكل منهما - في رأيهم - بعمل وينتج ويفيد الإنسانية ، ثم قالت :
هذا غريب باسيدي فتلك احلام واخطأ ، ومتى كان الناس متساوين . إن هذا الحلم لم يتحقق في امة من الأمم ، ولا في عصر من عصور التاريخ ، وأقل نظرة في الناس وأحوالهم وفطرهم تدل على حماقة من يفكرون في هذه المساواة الخيالية .
وهزت رأسها ثم قالت : - ستري ماذا يكون من جراء ذلك . وإذا تحقق ما يريده هؤلاء الناس فيستخرج الأموال من أيدي أصحابها الذين ورثوها عن آبالهم ، أو آلت إليهم يجدهم إلي أيد أخري اغتصبتها اغتصابا . ويكون معنى ذلك أن الملكية انتقلت من يد إلي يد ، ويصبح الفقير غنيا ، والغني فقيرا ، ويستأثر هذا بما كان يستأثر به ذاك ، ويحل الثاني محل الأول ويصبح هؤلاء المصلحون كأسلافهم من أصحاب الآثرة ، ولا يفكرون إلا في شئونهم
فقلت : يا سيدتي إنهم يريدون النصفة بين الناس ، أو كما يقولون ، يريدون ان يوزعوا الثروة على الفقراء كل على قدر حاجته .
قالت : وهل تظن أن هذا النوع من المساواة يبقى دهرا طويلا ؟
قلت : قد يكون ذلك . قالت : فإذا أخذت أنا جزءا من ضيعة ، وأخذت أنت جزءا مثله ، وكنت أنت نشيطا مجدا عاقلا ، وأنا خاملة جاهلة غبية بطبعى ، فاذا يكون من أمري ؟ الا تصبح بعد قليل ثريا غنيا ، وأبني أنا فقيرة معدمة ؟ أظن أنك تري مثلي أن الله لم يخلق الناس سواء .
فوجدتني غير قادر على التمادي في هذا الجدل فقطعت الحديث معها . ثم عادت إلي منظارها ووضعته فوق ارنبة انفها ورجعت إلي تطريرها ونظرت إلي من تحت هذا المنظار وهزت رأسها وقالت :
- آه يا سيدي آه يا سيدي ؟ ليس أصدق من قول المسيح : " خلقنا لتتألم "
فاتجهت إلي خم النزل ، وكان هذا الخادم هرما محني الظهر ، ينظر بعينين واسعتين يفصحان عن كثير من حوادث الدهر وتجاريبة ، زيارات كثير الانتفات والحركة ، لا يفارق منفضته ( الريشة ) ، كما مر بشئ من اناث القي عليه ريشته ليزيل ما به من التراب .
فقلت له : أخبرني يا سيدي ، أين أتناول طعامي ؟
فقال : إننا يا سيدي في أوقات عصيبة ، وأنت الآن في بلد غريب ، فأشير عليك بتجنب الأسراف
وهز رأسه وقال : عفوا ، ليست هذه نصيحة ، فأنت اعلم بذلك منى
فقلت : إذن . .
قال : أدلك على مطعم يختلف إليه المتواضعون من الطبقة الوسطى ، ثم قال :
- لا ، لا ، أعلى طبقة العمال ، وانت تفهم جيدا ، إنما الآن في حرب لا في سلم ، وإن الاقتصاد واجب علينا .
قلت : فهمت ، ثم ماذا ؟
قال : أعنى أنه لا يرد على هذا المطعم إلا طبقة من عامة الشعب
قلت : إذن لا أذهب إليه
قال : بل يجب أن تذهب ، لأن معاشرة العمال وتعرف اخلاقهم شئ جدير بالعناية ، فهم السواد الأعظم من الجمهور . هم فقراء ، ولكنهم شجعان . وسكت قليلا كأنما يفكر في شئ ؛ ثم قال :
- أجل . إنهم شجعان ، هؤلاء المساكين الذين يدافعون عن الوطن ، فان هذه الحرب الدهماء يا سيدي قائمة على رؤوسهم ، هم يحملون أعباء الحياة !
قلت : إلا تري أن الأغنياء أيضا يحملون أعباء كاعبائهم ، ويسيرون دفة الحياة بأموالهم ، وينفقون من هذه الأموال بقدر ما ينفق هؤلاء من جهودهم ؟ فنظر إلي بعيينين ناعستين ذابتين وهز رأسه وقال :
لا يا سيدي ، ليسوا سواء ثم دلني على هذا المطعم ، فرأيت دكانة على بابه الرخامي
ستائر رفيعة رقيقة ، تستر نصفه الأسفل ، وعلى لوحة من الزجاج العبارة الآنية مكتوبة بدهان أزرق واحمر معا : " الوجبة فرنك ونصف فرنك ، والاشتراك في عشر وحبات أحد عشر فرنكا " .
فدفعت الباب ، فقابلتني امرأة في العقد الخامس من عمرها . كانت تضع الصحاف على الموائد وترصفها رصفا ، فنظرت إلي وقالت :
تفضل بالدخول باسيدي . وأعدت لي مكانا وقالت : هنا محلك يا سيدي .
وابتسمت في وجهي ابتسامة كاذبة ، ومالت إلي بعينها فاقتر ثغرها عن اسنان صناعية مهشمة ، وبدا وجهها ذابلا ، وكانت أذرعتها العارية مفتولة قوية ، ولم تكن ملامحها تدل على شيء من رقة المرأة او انوثة النساء ، حتى كان يخيل إلي وهي تتكلم في شئ من الخشونة في صوتها وحركاتها انها رجل لا امرأة ، بل كان النظر إليها يدعو إلي الإشمزاز منها ، لأنها امرأة خرجت عن طبيعة النساء ، والمرأة العجوز إذا فقدت معني الأنوثة اشمأز منها الناس ، بخلاف الشيوخ من الرجال الذين مسختهم الأيام ، فقد تكون الشيخوخة وسيلة من وسائل العطف عليهم والميل إليهم . وكانت ساحة هذا المطعم مملوءة بصفوف من الموائد
الخشبية العارية ، ومقاعد كالمقاعد التي يجلس عليها تلاميذ المدارس عندنا وقت تناول الطعام
ورأيت في صدر هذا المطعم بابا صغيرا علق فوقه لوح به صورة جماعة من كبار ضباط الجيش ، وفي ناحية من نواحي الجدار الأيمن صندوق به ثقوب مربعة ، كل ثقب به فوطة مطوية داخل سور خشبي ، وعلي حافة كل مربع رقم يميزه عن سواه ، خصصت كل واحدة منها للمترددين على هذا المطعم ؛ وكان في الجهة المقابلة لهذا الجدار صورة نابليون في إطار بال وهو راجع من بلاد الروس مع فرسانه سائرين وسط الثلوج
قالت لي هذه المرأة المهيبة ؛ - ماذا تأكل يا سيدي ؟ قلت : - ماذا لديك ؟ قالت :
ضلع خروف مشوي ، بطاطس مقلي ، كرمب ، ضلع خنزير لذيذ جدا ؛ ثم كررت قولها : ضلع خنزير لذيذ ، فاختر منها صنفين ، وأشير عليك بطلب ضلع الخنزير ! قلت : لا يا سيدتي ، أنا لا آكل ذلك ؟
قالت ، ومدت شفتيها وتكلمت بصوت خافت كأنها تدللني : لماذا يا صغيري ؟ هذا لذيذ ! .
ثم رفعت صوتها كأنها تسخر بي . وقالت : - لقد ظلمت نفسك
وذهبت لتحضر لي ما أريده . فدخل رجل في سن الخمسين ، طويل القامة ، عظيم الجسم ، ذو شارب طويل ، تدلي على فمه حتى أخفى شفتيه !
فرفع قبعته العريضة الحافة وقال يحيي الحاضرين : سادتي ، سيداتي
ووضع قيمته على مشجب كان بجوار الباب ، وكان يلبس سروالا قديما من المحمل ( القطيفة ) ظهر من جيبه مقياس خشبي ( متر ) وكان على وجهه اثر غبار من الجص ، فعرفت أنه بناء . ثم مد يده إلي الصندوق الذي بالحائط .
وأخذ منه فوطة وضعها حول عنقه ، وتدلت على صدره كما يصنع الحلاقون عندنا ، وجلس امامي ، فجاءت له صاحبة المطعم بزجاجة من نبيذ ، وصحفة حساء فارغة ، وذهبت ، فتناول الزجاجة وصب النبيذ في الصحفة حتى ملأها ورفعها إلي فمه ، واحد يعب ما فيها عبا . فلما ازال الصحفة عن ثم كان قد اتي على كل ما فيها ثم تنهد استحسانا : حا . حا
وكان شاربه الطويل قد انغمس في النبيذ ، فتساقط منه رذاذ فأخذ يمتصه بعد أن ادخله في فمه بين أسنانه ، فأنفت من هذا الرجل ، وكان غيره من الآكلين على مثل هذا النحو ، فخرجت من هذا المطعم ولم أعد إليه . ( لها بقية )

