ألف الدكتور أحمد زكي وليدي طوفان من علماء . أتراك روسيا واستاذ تاريح الترك في جامعتي بون وكرنكن بألمانيا وجامعة استانبول سابقا ، كتابا ضخما في تاريخ الترك العام . ظهر منه المجلد الأول ، وهو القسم الاول من مدخله السكون من مجلدين ، مشتملا علي معلومات عامة من اقدم العصور حتى القرن السادس عشر . والاستاذ وليدي معروف بالاعتدال وسعة الاطلاع وغزارة العلم بالمراجع ،
وخاصة بالمراجع الشرقية . وقد قضى ٣٥ عاما باحثا حول موضوع تاريخ الترك والإسلام بصبر وجلد خليقين بعالم رغم الظروف ، والف نحو ثلاثين كتابا بمختلف اللغات ، فلذا رأيت نقل بعض آرائه في كتابه الأخير راجيا اطلاع قراء مجلة الثقافة على آراء عالم تركي معاصر في تأثير الدين الإسلامي في تطور تاريخ الأتراك . قال الأستاذ وليدي في باب " عهد رقي الترك في العصر الإسلامي " :
إن انتشار الإسلام في الاتراك وخطورته من الوجهة التاريخية مسألة خليقة بالبحث والتمحيص . لم يقترب الأتراك والصند من الإسلام في بادي الأمر ، بل كانوا بالعكس معتقدين زوال الحكم العربي وانقراض المسلمين في سنة ١٠٠ ه ( ٧١٨ م ) ولقد وصل إلى أيامنا الكتاب الذي أرسله " كرك " حاكم سمرقند التركي إلي ملك الصين بهذا الشأن . ولكنهم قد عرفوا بعد قليل استناد هذه الأمنية على أصل خرافي ، وقيام الحكم العربي على أسس متينة ، وازدياد قوة العلاقات التجارية والمدنية باتحاد آسيا الوسطى والشرق الأوسط في إدارة الدولة العربية ،
فشرعوا في الاهتمام بهذه الدولة والدين الإسلامي ، فأسلم بنو تركش وافشين ، واخشيد ، ويايجور ، وامراء سول ، وغيرهم من الأتراك ؛ وكذلك أسلم امراء بلخ ، وحطل والسند ، وأسروشنة ، وفرغانة ، وجرجان ؛ الذين بعدهم
مؤرخو زماننا إيرانين ، وهم في أصلهم من الطبقة الأرستقراطية التركية ؛ والتحقوا بمناصب الدولة العربية والحيش العربي ، وفي منتصف القرن الثالث ابتدأت عند اتراك الشرق حركة العودة نحو الغرب ، وفي هذه الحركة الرجعية اقتربت القبائل التركية قليلا قليلا من البلاد التي يديرها امراء العرب والسامانيون والطاهريون في التركستان الغربية ، وخاصة حوض نهري سبحون وزرقشان ،
فاستوطنوها واعتنقوا الإسلام . وكان هؤلاء الأتراك من قبيلتي الفراق والغز ، وربما كان بعضهم من قبيلة نسخى ايضا وفي عام ٣٠٨ ه أسلم الحافانيون القراخانيون من أتراك نياتشان الأوسط ، وبلغار إتل فولجا ، ثم أسلم بعد ذلك بقليل أتراك الغز المقيمون بين بحر خوارزم بحيرة ارال وبحر الخزر تابعين للدولة الخزرية . وبين سنتي ٣٢٩ و 349 أسلمت جملة القبائل الضارية بالبلاد الممتدة بين بلاساغون الواقعة على نهر " جو شرقا ، وبين بلغار " غربا أي في جمهوريتي باشقرنستان وقازافستان الحاليتين وبهذا استقر الإسلام في التركستانين الشرقية والغربية استقرار نهائيا . وهذا الحادث نقطة تحول خطير في تاريخ الإسلام وفي التاريخ العام . إذ قد حلست بهذا مسألة كون الاسلام دينا عالميا حلا حاسما . وهذه المسألة محتاجة إلى قليل من الإيضاح ، وذلك :
أنه فشا الخروج على الأوامر الدينية في أيام الكنفي بالله (290 --296) والمقتدر بالله(296--320) في كل انحاء بلاد الخلافة ؛ وقد انضم إليها القوميون من الإيرانيين المرتدين باسم غلاة الشيمة ، ورجال المال من اثرياء إيران ( كان القرات وغيره ) واتباع زردشت . وكان الزردشقبون يستقدون بانتقال السلطة العليا إليهم في إيران عام ٣١٧ ه كما أخبرهم زردشت ، ويتخذون أهبة لذلك . وقد احتل العلويون أهم مدن خراسان عام ٣٠٨ ه . وكانت هناك حركات اخري لجماعة المخالفين مسايرة لهذه الحركات ، كحركة
الحلاج بن منصور المستورة بخرقة التصوف ، وتنبؤات القرامطة بظهور صاحب الزمان ، كما يتنبأ اتباع زردشت لم تكن حركة القرامطة مشكلة الخلافة الداخلية فحسب ، بل كانت خطة للتأثير في سياستها الخارجية ايضا ، لقد روي شعر انشده قبيل عام ٣٠٨ ه ابو طاهر سليمان القرمطي الجنابي زعيم جماعة القرامطة فيما بين النهرين ضمنه برامج سياستهم الواسعة .
كانت للقرامطة علاقات بالدول الأجنبية على كل حال . فانا نرى في أيام المقتدر بالله قيام الدولة الخزرية اليهودية من ناحية ، وخاقان التقزغز المائومي من ناحية اخرى ، بمناوأة الخلافة والسامانيين . ذلك أن ملك الخزر هدم سنة ٣١٠ مئذنة الجامع الكبير الذي كان بعاصمته " ) إنل " وقتل المؤذنين ثارا لما فعل المسلمون بالأندلس من هدم كنائس النصارى - ولعلها كانت معابد اليهود . وفي الوقت نفسه انذر خاقان التغزغز السامانيين بأنه سيأمر بقتل المسلمين المقيمين ببلاده قتلا عاما إذا اضطهد السامانيون المائوبين فيما وراء النهر . وكان الموقف دقيقا على حدود الخلافة الشرقية أيضا . ففي التركستان لم يعترف أتراك ازكش المسلمون بالخلافة العباسية ؛ ويثور العلوبون بالتركستان الشرقية والمائوبون في جهات طشقند ويهود الخزر في بلاد البلغار بالدعايات العدائية ، ولا تزال التقاليد الأموية متحكمة في مسلمي خوارزم المتعصبين ، بسبب على رضي الله عنه عقب كل صلاة .
كانت حكومة بغداد تعلم أنه لابد من أن تقابل بالحزم هذه القوات العلوية المختلفة التي ثارت مسلحة في خراسان ، وتعلم خطورة موقفها إذا لم تفعل كذلك ، وقد انهزمت قوات السامانيين الى ارسلت لقمعها انهزاما تاما . وثمة ادلة على إدراك حكومة الخليفة إدراكا تاما وجوب استمالة الأتراك الذين لم يعتنقوا الإسلام بعد واستخدامهم في التنكيل باملخالفين بدل أن يستخدمهم هؤلاء على الخلافة . كان العلويون قد احتلوا بقوات كبيرة مدينة نيسابور
قصبة خراسان سنة ٣٠٩ ه وعجزت القوات السامانية عن الدفاع ؛ فجاء يفراخان الخاقاني بجيشه وهزم العلويين واسر قائدهم ليلى بن النعمان وقتله ، هذا من جهة
ومن جهة اخرى ، أرسلت حكومة بغداد سنة ٣٠٩ ه (921 م ) سفارة مهمة لاستمالة الغز المنبثين في شمال بحر خوارزم ) بحيرة ارال ( والبلغار المقيمين بحوض نهر إتل وأنشأت هنالك حصونا لحماية استقلال البلغار الحديثي العهد بالإسلام من الخزر ، وإحاطة الخزر أنفسهم من الشمال
وقد علمنا أن حكومة بغداد أرسلت مع هذه البعثة هدايا لزعماء الغز ، وكتابا لقائد جبشهم ) سوياشي ( ، فأخذت الدعوة الإسلامية تشبع فيهم . تلقي فائد الغز كتاب حكومة بغداد مبتهجا مسرورا ، واستقبل البعثة بإجلال . وليس لدينا علم مما رد به هذا القائد على ذلك الكتاب ، إلا اننا نعلم أن أبا سلجوق ، وهو من أخلافه ، اعتنق الإسلام ،
وحارب متبوعه خافان الخزر وهزمه ؛ ثم انسحب مع عشيرته إلى حوض سيبحون ؛ والتحق مع أبنائه بخدمة الدولة السامانية ، وليس في مراجعنا أيضا انباء صريحة عن بغراخان الذي أخمد ثورة العلويين في خراسان سنة ٣٠٩ م هل أسلم أو لم يسلم بعد ؛ ولكن المعروف ان سانوق بغراخان أول من أسلم من الخاقانيين
ومهما يكن من شيء فان اجتهاد المقتدر بالله لاستمالة الأتراك إلى الإسلام في عامى ٣٠٨ و ٣٠٩ ه ونجاح مجهوده يعد حادثا خطيرا ، فقد ابان خطورته كل من البيروني ، وعبد القادر البغدادي ، من علماء ذلك العصر . وذكر كلا العالمين مغتبطا مسرورا أن محاولة الزردشتيين والديالة على الحدود الإيرانية إحياء عظمة إيران وشوكنها وحضارتها ، وحركات القرامطة والعلوبين المسابرة لحركات اتباع زردشت باءت كلها بالفشل ، وان الإسلام انتشر في التركستان وبلغار وكاشغر والسند دون ان يصادف عقبة أمامه (يتبع)

