الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 315الرجوع إلى "الرسالة"

انحطاط الطاقة ونهاية الكون؟

Share

إلى عالمنا المصري الدكتور محمد محمود غالي: أقرأ بإعجاب المقالات العلمية العظيمة التي يجود بها يراع العالم  الطبيعي المحقق الدكتور محمد محمود غالي على صفحات الرسالة فأشعر بحنين نحو السوربون لأنه يخيل إلى وأنا أطالعها أني أستمع إلى  أولئك العلماء الأعلام أساتذة تلك الجامعة الكبيرة التي تلقيت  فيها العلم أيام الصبا

وتتبعت على الأخص بإمعان مقالات الدكتور الأخيرة عن  موضوع انحطاط الطاقة وتدهورها المستمر المحتم من صورها العليا  كالكهرباء والطاقة الميكانيكية إلى صورتها السفلى وهي الحرارة، وكيف أن الكون سائر نحو ما يسمونه (الموت الحراري) على حد  تعبير الدكتور العالم أي السكون التام الذي سينتهي إليه في جميع  أبحاثه بجميع أجزائه وجزيئاته وذراته ومحتوياتها على النحو الذي  شرحه الدكتور بما أوتي من علم وبلاغة، فلا كواكب تدور ولا شموع تسطع، ولا سيارات تضاء، ولا حركة من أي نوع   ولا كهرباء ولا جاذبية ولا ضوء ولا حرارة مرتفعة الدرجة الخ.  وبطبيعة الحال لا حياة على الأرض ولا على غيرها بل إن الحياة  تكون قد اندثرت من الكون قبل ذلك بملايين وملايين السنين  لزوال أسبابها وعدم توفر شروطها وعواملها، وما هي إلا حلقة  من تطورات الطاقة تنتج من تحول الطاقة الكيميائية الناتجة من  احتراق المواد الغذائية داخل الأنسجة إلى طاقة ميكانيكية كحركة  الجسم وحركة أعضائه الداخلية وتفاعلاته الكيميائية البيولوجية  وفي النهاية إلى حرارة شأن جميع صور الطاقة أثناء تحولها في الطبيعة

فعاودني حين قرأت هذه الصورة المقبضة لنهاية الكون  اعتراض قديم قام في ذهني حين سمعت هذا الرأي لأول مرة فيما  مضى عند درس الطاقة البيولوجية، وقد أشار فعلا إلى هذه النهاية  المحزنة أستاذي العالم الفسيولوجي الكبير المأسوف عليه (داستر)   في دروسه بالسوربون وفي كتابه النفيس (الحياة والموت)

وإني أطرح هنا هذا الاعتراض على الدكتور غالي لأستقي  من بحر علمه الواسع راجيا منه أن يتحفنا بكلمة في هذا الموضوع  من كلماته الفياضة تروي غليلي.

أقول إنه لو كانت نهاية الكون هذه تحدث للأسباب المذكورة  لحدثت من زمن. ذلك لأنه لو فرضنا أنه يلزم مثلا مليار أو أكثر  من السنين لتحول جميع صور الطاقة العليا في الكون إلى حرارة

غير مرتفعة الدرجة لتم ذلك من زمن بعيد لأن المادة (أو مجموعة  المادة والطاقة) قديمة، ولأنه مضى على الكون أضعاف أضعاف  أضعاف هذه المدة. وهل يمكن أن يتصور العقل أن للكون  بداية؟ أليس هذا مخالفا لأبسط الحقائق العلمية وللنواميس  الطبيعية الأساسية، وعلى الأخص لناموسي بقاء المادة وبقاء  الطاقة وعدم تلاشيهما؟ فكل من المادة والطاقة ثابت لا تخلق منه  ولا تنعدم منه ذرة واحدة، وإن كانت صورهما في تحول مستمر من الواحدة إلى الأخرى. وإذا كان العلم الحديث أوشك أن يوحد  بين المادة والطاقة فيمكن أن يقال إن مجموعهما ثابت لا يخلق منه شيء، ولا ينعدم منه شيء.

وبالجملة فإنه إذا كانت تلك الأسباب (انحطاط صورة الطاقة  العليا وتحولها شيئا فشيئا إلى حرارة منخفضة الدرجة) من  شأنها أن تقضي على الكون بالسكون التام المطلق لحدث ذلك  من قديم الزمان

فإذا صح هذا الاعتراض ألا تكون النتيجة الطبيعية المنطقية  أن هناك إذا عوامل أخرى مجهولة الآن لم تدخل في حساب العلماء  والرياضيين قد يكشف عنها العلم في المستقبل فتغير وجه المسألة  ويطمئن حينئذ رجال الغد على مصير الكون؟

اشترك في نشرتنا البريدية