انسى الازهر المراغي فلا يؤبنه بحفل، ولا يشيد به في جمع، ولا يخلده بمنشأة، ولا يذكره في مناسبة، وقد اخذ بيده هرماً، تحامل عليه الداء، واستبد به المرض؟. . .
لقد كان المراغي عالماً من طراز نادر، يجود به الزمان على قلة وبعد،. . . تعدى تفكيره سور الازهر وجوانب الدرس، وتخطى فهمه مماحكات العلماء ومجادلات القدامى، إلى ما يلائم تطور الزمن، ويساير تقدم الجماعة، ويتفق وطبائع البيئة، مستمداً من روح الإسلام السمحة، ومرونته العجيبة، قوانين توائم بين العلم والدين، وتؤاخي بين الفلسفة والشريعة، واحكاما تنير للناس ما غمض من قضايا، أو خفي من آياته. . .
فلما توفاه الله إليه، كان اسوأ الناس ظناً بالعلماء ووفائهم،
يؤمن بأن حفلة تأبينيه ستقام على الاكثر في يوم ذكرى الاربعين، وانها لن تكون بالمعنى الذي تواضع عليه الناس، انما تكون مهرجاناً دينياً يردون فيه إلى الرجل بعض ما اسدى إليهم من المعروف، وان فيضا من تخليده وتقديره سيتبع الذكرى، ولكن - وا اسفاه - مات المراغي، فلم يقم له حفل، ولم يذكره عالم، ولم يخلد له اثر!
من كان يظن ان رجلاً اقام جامعة، واحيا منصباً، وفتح بيوتاً، وهذب نفوساً، وصقل ارواحاً، وهز السياسة كما هز الاعواد المنابر، مات ومر على موته عام وبضع عام، ومع هذا فقد ضن عليه مريدوه، واصدقائه وخلصائه، وزملائه واخوانه، والذين نفعهم في الشدائد، بحفلة ولو متواضعة، في حي الازهر العتيق!. . .
والعجيب، ان الذين احسن إليهم المراغي في حياته، فبوأهم المناصب، وبلغهم المراتب، وصنعهم رجالاً. هم في طليعة محاربيه والداعين إلى نسيانه، واهالة التراب على ذكراه؟!. عفاء على الوفاء عفاء. .!!

