الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 324 الرجوع إلى "الثقافة"

ان فى السفر لعلما، مهداة إلى ذكرى الرحالة ابن بطوطة

Share

ابنة بطوطة كاتبة مصرية بارعة ، ممن تفخر مصر بهن في سمو نفسها وغزارة ثقافتها . ولها بحوث رائعة في التاريخ والفلسفة ، وهي من أجدر المصريات بأن تتقدم الصفوف في طليعة الأديبات . ويسر الثقافة أن تقدمها إلى القراء كعضو من أسرتها وقد اختارت هذا الاسم المستعار لشدة حبها للأسفار

منذ خلق الباري سبحانه هذه الأرض وأعطاها للبشر سكنا والناس يخلقون بغرائز وميول بعضها رفيع وبعضها وضيع . ومنها ما يشترك فيه جميع الناس ، ومنها ما يختص به فريق دون فريق . وهناك من هم واقعون تحت تأثير خفي الطبع خاص - وإن شئت فقل - لحاسة سادسة ولدتها فيهم حاجة خاصة لا قبل لهم بمقاومتها ، فهي توجههم نحو آفاق جديدة كأن تدفع بهم إلى جوب أقطار الأرض باحثين

هذا الطبع الخاص هو " الميل إلي السفر " والغريزة التي تدفع بهم إلى السفر " هي رغبة التعلم وحب الاستطلاع " . ولكنهم بتعلمون على طريقتهم هم لا على طريقة سائر الناس ومن هنا تنشأ نزعة خاصة عند الذين يكونون أرهف من غيرهم حسا وأشد ثأرا - نزعة تخليد الخوالج التي يحسونها فيعمدون إلى تصويرها أو إلى تدوينها لكي يخلفوا لأعقابهم ثمار ملاحظاتهم

وأولئك هم الرحالة النوابغ وهم نوابغ لسبب ظاهر ، وهو أن كثيرا من الناس ينتقلون من بلاد إلى بلاد دون أن يستوقف أنظارهم شئ أو يدركوا ما تقع عليه أبصارهم . وما داموا لم يدركوا ما رأوه قل أو كثر فانهم بطبيعة الحال لا يتركون بعدهم أثرا لحوالج أو بيانات أو خواطر ؛ ومثل هؤلاء ،

يمكن التعبير عنهم دون أن يعدو تعبيرنا الحقيقة بأنها تائهون فاقدو الشعور

ولكن النوابغ إذا سافروا لا يكتفون بمشاهدة العالم الذي يجوبونه واستيعاب ماحواه بل يعلمون المتقاعسين من ابناء جلدتهم ما يجب أن يعرفوا عن بلاد وشعوب كانت غريبة عنهم ومجهولة منهم ؛ فهم جوالون نافعون ومن امثالهم هيرودوت الخالد وابن بطوطه ومركوبول وأبو الفداء وشهاب الدين أبو العباس أحمد وهربوت وروبريكيه وغيرهم من الرحالة الممتازين الذين جملوا التاريخ بتقويم البلدان وكانوا في ذلك فلاسفة أو علماء اجتماعيين أو فنانين

ومن الأشخاص من محدو بهم غرابة تفكيرهم إلى انكار الشأن العظيم والفائدة التي للتاريخ الوصفي والمعلومات والملاحظات التاريخية أو الجغرافية التي تركها هيرودوت واسترابون وليون الأفريقي وابن بطوطة وهربوت ، ولكن مهما يكن من هنا الانكار فالإنسانية ستظل وفي عنقها دين كبير لهؤلاء الجوالين البارعين

إذ كيف كان يتاح لنا معرفة العالم القديم مثلا وفيه مصر وبلاد الكادان وفينيقية وبلاد الفرس واليونان وجغرافيتها وحضارتها وشرائعها المستفاة من تلك الحضارات لو لم يكن هيرودوت الأسيوي قد جلبها ودرسها ووصفها وصفا جليا لازال يستثير دهشتنا ؟

وكيف كنا نلم بما في العالم المعروف في القرون الوسطى لو لم يخطر لابن بطوطة هذا الخاطر المدهش أن يرتاده من أقصاء إلى أقصاء ؟

فقد طافه من الاطلنطيطي إلى الصين ومن وادي النيل إلى وادي الدانوب ومن الدانوب إلى الفولجا ( مارا بمدينة ستالنغراد الحالية نفسها) ، ومن هناك إلى نهر الجائج ثم سافر من شواطئ الباسقيكي عائدا إلى بيزنطه ومن بيزنطه إلى أسبانيا ومن هذه إلى السنغال

وقضى في هذه الرحلات ٣٠ سنة لايكل ولا يمل مسجلا في ذاكرته العجيبة تواريخ وحوادث وتفاصيل عظيمة الوقع في النفوس ، وهو في كل ذلك بيدي عدالة مدهشة في تعليقه أو وصفه أو نقد ما رآه من بلدان وأجناس وشعوب وما اتصل به من أخلاق الناس وما شهده من أحوال جوية وخواص طبيعية وأدبية محللا العقائد والثقافات والأخلاق والعلوم والفنون .

أولم يكن لهؤلاء الرحالة أمثال هيرودوت وابن بطوطة هي كوبولو وروبريكيه وهيربرت فضل السبق في تمهيد الطريق لعلماء اليوم الذين نعجب مهم ؟ أليسوا هم الذين لقوا تراثا عظيما لغيرهم من محبي الإطلاع وفي جملتهم الصحافيون المتربصون لاختراع كل نافع وكل علم تعود فائدته على حضارة كحضارنتنا أو حياة كحياننا متطلعة متحفزة لكل جديد ؟

ومهما يكن من أمر أولئك الرحالة فقد كان الشرق مجتذبهم جميعا اليه . فمنذ أقدم العصور أي منذ قدوم فيثاغورس ليدرس الرياضيات في الشرق ( في منف وطيبة و بابل ) ويطلع على علوم الشرقيين ، منذ تلك العصور بعدها بقرون ، سافر كثيرون إلى الشرق وعيونهم جميعا شاخصة إلى أنواره ولا سيما إلى مصر .

والواقع أن الغرب مع استثناء اليونان وليست اليونان في الحقيقة من الغرب بل هي جزء من الشرق القديم - ومع استثناء روما من بعدها ، لم يكن فيه من تلك العصور شئ عظيم يستحق ان يتعلمه المرء او يبحث عنه أو يراه . فلم يكن فيه سوى الأدغال المتوحشة ما فيها من أنواع الثيتل الذي لانفع منه لأحد . فصارت مصر غاية يقصد إليها الرحالة بل غاية مقدسة عندهم بسبب كلها وعلومها ، وبعدئذ اصبحت بلادا مطموعا فيها بسبب خصب تربتها وغناها ، و أكثر من ذلك بسبب موقعها الجغرافي .

ولما أغلقت طيبة أبوابها المائة كانت الإسكندرية قد بدأت تنشأ بفضل رغبة جاش بها صدر الإسكندر ، ذلك الفاتح الطموح ، ولكن إلى أي مدى اصطبغت الإسكندرية ومدرستها بالصبغة اليونانية ، والجواب على ذلك انه قد بعثت فيها حياة (طيبة) القديمة من جديد مع أن مؤسسيها كانوا مقدونيين ، وظلت مصر هي مصر ، بل عادت إلى مصر علومها أوسع نطاقا وأشد تألقا على يد خير تلاميذها وأعظمهم وهم اليونان ، وفي هذا يمكن أن يقال على نوع ما : " تلك بضاعتنا ردت إلينا " .

ومن وقت أن أسست الإسكندرية ومدرستها أخذ نفوذ الأجانب في مصر يزداد على توالي الأجيال . وفي عهد ملوك اليونان كان الناس يقدون على الإسكندرية أعني على مصر ، كما يذهبون في أيامنا هذه إلى لندن وباريس ونيويورك تدفعهم الرغبة في مشاهدة أشياء جديدة ، وهي رغبة لم تخيب قط آمال أصحابها ، ولكن قليلا من الرحالة تركوا لنا تاريخ رحلاتهم مدعما بالأسانيد كالذي تركه هيرودوت أو ذلك الرحالة المدهش سترايون الذي أتى بعد هيرودوت بثلاثة قرون ونصف قرن .

وكان يفد من اثينا ومن رودس علماء يبحثون في الإسكندرية عما لا يجدونه في مكان آخر . وهل كان هناك هذا المكان الآخر ؟ كلا .

ثم أوقدت روما طلابا إلى سيرابيوم الإسكندرية . وفي عهد بوليوس قيصر احترقت مكتبة الإسكندرية الكبرى ، وكانت تسمى " أم المكتبات " وتحولت إلى شعلة من الدار ، وكان ذلك نتيجة إهمال أو فعل فاعل .

وظلت الإسكندرية زاهرة في أول عهد الرومانيين ولكنها في عهد ملوك بيزنطة أخذت تذبل شيئا فشيئا ثم أشرفت على الموت ، ولما اشتعلت النيران في البقية الباقية من المكتبة الصغرى بأمر الرهبان في عهد

ثيودوسيوس قضت مدرسة الإسكندرية نحبها وماتت بموت ( هيباشيا ) آخر فلاسفة العالم القديم

ثم جاء العرب الأول وأنشأت الفسطاط وجاء الفاطميون فأسسوا القاهرة وأنشأوا مكتبة جمعوا فيها ٧٠٠٠٠٠ مجلد ، نهضت بها العلوم والفنون والآداب نهضة جديدة كان الفضل في استكمالها لرحابة صدر الفاطميين ، فاسترجعت مصر جانبا من مجدها التالد وعاد الأجانب يفدون عليها .

ففي القرون الوسطى كانت شهرة مصر تجتذب إليها سيلًا لا يكاد ينقطع من محبي الاطلاع من كل صنف من الناس بين علماء وتجار ، بل كان منهم أناس هربوا من بلادهم ولجأوا إلى مصر ليعيشوا فيها حياة جديدة في عالم جديد .

وكان الأيونيون معروفين بالتسامح ، وجاراهم المماليك أو سبقوهم في ذلك ، ففتحت مصر في عهد هؤلاء وأولئك أبوابها على مصاريعها حتى جاوز هذا التسامح حد الاعتدال ، وهكذا أصبح جميع الوافدين سوا أكانوا أصدقاء أم أعداء مأخوذين يجاذب شديد إلى هذه الأرض القديمة التي عمرت عشرات من القرون ولا تزال أحجارها المحوطة بالإساطير قائمة تحدث الخلف عن تاريخها العجيب .

وقد جلب إلينا القرن الرابع عشر عددا وافرًا من الرحالة الأجانب ولكن الذي كتبوه عن مصر كان يسيرا ، ولم يكن بينهم من يمكن مقارنته بابن بطوطة ، لا من حيث الابتكار في الأفكار أو الدقة في الرواية ، ولا من حيث صحة البيانات التاريخية أو الجغرافية

وإن قلة ما كتبه الزائرون الأوربيون عن مصر والشرق الأوسط تحملنا على تقدير التاريخ الذي كتبه رحالة فلورنفيتي ) ليوناردو فرسكو بالدي ) حق قدره وقد زار مصر وفلسطين في سنة ١٣٨٤ اي بعد زبارة ابن بطوطة لهما بنحو ٥٠ سنة

ولم يكن ( ليوناردو فرسكو ) بالدي هذا عالمًا ولا جغرافيًا ولا مؤرخًا حتى ولا صاحب أسفار من المخاطرين ، بل كان بعكس ذلك ينتمي إلى أسرة من نبلاء فلورنسا الجديرين بكل احترام

وفي سنة ١٣٨٦ عين محافظًا لمدينة كستلو ثم تقلد في سنة ١٣٩٠ منصب سفير لفلورنسا لدى البلاط البابوي في روما ، ولكنه لم يكن في وقت رحلته لا محافظا ولا سفيرًا بل مجرد شاب من اسرة عريقة أراد أن يروح عن نفسا بارتياد الأقطار ، فسافر وبصحبته صديقان وعدد كبير من الخدم والحشم

وكان فرسكو بالدي ذكيًا وقد أوتي من دقة الملاحظة الشئ الكثير ، ولكنه كان شرس الطباع كما تشهد بذلك فقرات من التاريخ الذي كتبه ، غير أن تلك الشراسة كانت عارضا قد يقع فيه غيره كثيرون .

وتؤخذ عليه بضعة أخطاء جغرافية في بيان المسافات والأمكنة ؛ مثال ذك قوله إن موقع قيصرية فيابس ) بانياس لا يبعد إلا خمسة أميال عن جيل طابور . وقد أخطأ كذلك في وصف أحوال الشرقيين وعاداتهم ، وفي كلامه عن الدين الإسلامي حين أكد أن المسلمين في الشرق يحتفلون بيوم الاثنين ) بدلا من يوم الجمعة ( ويقولون إنه يومهم المقدس

وأخطأ أيضا في توكيده " أن المسلمين لا يستطيعون استرجاع نسائهم المطلقات ثلاثا إلا بشرط أن يتصلن قبل ذلك برجل أعمى " وزاد على ذلك قوله : " إن هناك أناسا يفقأون عيونهم طوعًا واختيارًا ليؤدوا تلك الوظيفة ، وهو خطأ أقل ما يقال فيه أنه يستثير الضحك

ولكن فرسكو بالدي يلتمس له بعض العذر لأنه لم يكن ملمًا بالشريعة الإسلامية . ونحن إذا استبعدنا من تاريخ رحلته تلك السخافات وجدناه جديرا بالإهتمام الصحيح .

اشترك في نشرتنا البريدية