الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 836الرجوع إلى "الرسالة"

اهتمام الباكستان، بترقية الثقافة العربية فيها

Share

لكل حضارة ومدنية تقاليدها الخاصة يعبر عنها فنها وأدبها  وتتمثل في مظاهر الحياة اليومية المحيطة بها. والتقاليد هي التي  تميز أي شعب عن شعب، وهي التي تفرق بين قوم وقوم، وهي  التي تعطي كل لون من ألوان التفكير في الحياة اللون الخاص  الذي يصطبغ به. فالحضارة الإسلامية غير الحضارة الأُوربية،  والحضارة العربية غير الحضارة الصينية. وعلى كل تقليد إذا ما أراد  أن يحافظ على كيانه، وأن يبقى سليماً من كل شائبة، صامداً ضد  كل عدوان أن يعمل أولاً على الاحتفاظ باللغة التقليدية ومن ثم  على تقويتها. وأمامنا حضارة الصين التي ترجع إلى خمسة آلاف سنة  فأنها بقيت وظلت متماسكة متصلة غير متغيرة بفضل محافظتها على  لغتها وعدم التفريط فيمن لها من حق الرعاية.

وبقيام الباكستان أمة تضم شعباً تربطه وشائج الحضارة  الإسلامية أصبحت لزاماً عليها أن تفسح للثقافة العربية الإسلامية  المكان اللائق وأن تحلها محلها من الاعتبار فالباكستان تريد  أن تعيد لهذه الثقافة مكانتها السامية المرموقة، وهي تريد أن تصل  ما أنقطع من ذلك التراث. والحضارة الإسلامية ككل حضارة  كبيرة أخرى سجلت سطورها في ثبت التاريخ لها تقاليدها ولها  كتابها الخاص بها الذي منه تنبثق ينابيع التقاليد الإسلامية  العظيمة والذي فيه تتجسم وتتصور الحضارة بكل مظاهرها والذي  فيه تتبلور المعاني والأفكار ثم ترسلها إلى الناس منعكسة حقائق  ظاهرة ملموسة. هذا الكتاب وهو القرآن الكريم الذي أوحاه  الله إلى نبيه محمد عليه الصلاة والسلام  والحضارة الأسلامية  والنقطة التي سارت منها مدينة الإسلام؛ لهذا يتطلع إليه المسلمون  كافة لأن فيه الوحي بصدق الإيمان والتعبير بصلابة الدين.و اذا

عرفنا أن القرآن هو المصباح الذي ينير للمسلمين طريقهم ويدلهم  على مسالك الخير ويبعدهم عن مهاوي الشر، عرفنا لماذا تريد  الباكستان أن تندمج وأن تتصل بحضارة الإسلام، وأدركنا لأول  وهلة عزمها على التمشي حسب تعاليمه السمحة مؤملة الفلاح والنجاح. وهي لم تقصر رغبتها هذه على مجرد النية الطيبة أو الادعاء بل   عمدت إلى تضمين هذه الأغراض الشريفة والدوافع الطيبة التي  تتمثل في الإسلام دستورها الجديد الذي أقرته الجمعية التأسيسية  أخيراً متوخية أن تعطي الشعب بواسطة ممثليه ونواية السلطة  والوديعة المقدسة التي في أيديهم مراعين الله في أوامره ونواهيه

وليس اهتمام مسلمي شبه القارة الهندية الباكستانية وتعلقهم  بالقران ظاهرة جديدة بل هو أمر يمتد إلى مئات السنين أيام أن  غزا العرب هذه الأنحاء ومعهم لغتهم. واللغة العربية كانت  وما زالت لغة عنيفة بألفاظها بليغة بأسلوبها عميقة في معانيها  وتعبيراتها. ولهذا أصبحت الأداة الأدبية الوحيدة التي تربط  سكان هذه المناطق لمدة ثلاث عشر قرناً طويلة. وعلى قصر حكم  العرب لهذه الأنحاء المعروفة اليوم بالباكستان بقيادة الفاتح محمد  ابن القاسم إلا أنه كان للغة العربية عزها وأثرها. ساعد على ذلك  وجود كثرة من المتأدبين والعلماء المتفقهين في الدين والمتشرعين  ضمن جحافل الجيوش الغازية. وظل الأدب العربي مزدهراً في هذه  الأرجاء وظلت اللغة جزءاً لا يتجزأ من حياة المسلمين بسبب تعلقهم بالدين حتى في تلك الأيام التي حكم البلاد فيها حكام غير عرب.  ففي أيام الأتراك والتتار والفرس، وحينما كانت اللغة الفارسية لغة  رسمية كان للغة العربية المكان الأول لم تستطع عوادي الدهر  أن تمحوها ولا تقلبات الزمن أن تزيل أثرها. وكان المسلمون  هناك على اتصال فكري وروحي دائم بالعالم الإسلامي الخارجي،  وامتد هذا الامتزاج إلى أيام الغوري والخليجى وتقلق، ةالي ايام  اردي ثم الي ايام المغول.  وفي أيام السلطان علاء الدين الخلجي  ازدهرت مدن عدة في الهند وأصبحت مراكز للتعليم الإسلامي  وقواعد للدراسات الدينية واللغوية ومنها دلهي ولاهور.

وأحمد أباد كان شأنها تماماً كشأن بغداد والقاهرة. واهتمام  شبه القارة بتعلم اللغة العربية أمر طبيعي كان على أشده أثناء حكم  الإسلام. ولكن كنتيجة لقيام الثورات السياسية والأزمات

الاقتصادية وكنتيجة لاستعمار الأجانب لهذه البلاد أفل نجم اللغة  وضاع أثرها بين الناس. ولكن كان يقوم بين وقت وآخر رغم  قيام هذه المصاعب أفراد يعشقون هذه اللغة فيرفعون منارها  ويخصصون لها المعاهد للعلم والدرس. وقد أرادت الباكستان  اليوم بعد أن استكملت استقلالها وسيادتها أن تعيد مجدها وأن  تحيي تقاليدها القديمة، وتحققت أنها بسبيل هذا لابد لها من  إعادة مجد ثقافتها ولهذا قام زعماؤها وأولو الرأي فيها من أول  ساعة يمهدون  الطريق أمام هذه الفكرة ويبسطون للناس كافة  أن عليهم إذا ما أرادوا أن يوثقوا الروابط الثقافية والفكرية  والروحية بينهم وبين مختلف البلاد العربية سارعوا لتوحيد  اللغة بينهم. ولما كانت اللغة هناك متعددة واستعمال  الأحرف العربية يغني عن استعمال أية أحرف أخرى، ولما كان  هناك رابطة تربط الناس بعضهم ببعض كما تربط هذا الشعب  بغيره من الشعوب وهي رابطة الدين، ولما كانت لغة القرآن  العربية فقد هبوا يشجعون على تعلمها واتجهوا نحو مصر منارة العلم والدين حامية الأزهر الشريف حاملة اللواء ذخر المتعطشين إلى  الارتواء، فهي تريد الآن أن تتخذ الحروف العربية حروفاً بها  تكتب لغتها؛ وهي تريد أن تتخذ اللغة العربية لغة أن لم تكن  رسمية فهي إلى الرسمية أقرب؛ وقام الكبراء والعظماء يرعون هذه  الحركة ويشجعونها فساعدوا في تأسيس جمعية ثقافية عربية  باكستانية أنشئت في العام الماضي بعد مرور شهور قليلة من قيام الباكستان تحت رعاية معالي وزير المعارف السيد فضل الرحمن  وكانت فرصة طيبة ومناسبة حسنة للتعرف بأهمية اللغة العربية٠  وأهمية الاتصال بالعالم العربي تلك التي أتيحت يوم افتتاح هذه  الجمعية فقد شرفها بحضوره فخامة الحاكم العام السيد ناظم الدين  وأعلن من فوق منبرها أن أحسن وسيلة لإقامة علاقة متينة  وثيقة بالبلاد العربية إنما يكون من طريق اللغة العربية٠ وكم كان  جميلاً منه أن يقول   (أن معرفة اللغة العربية أمر ضروري جداً  لكي تتخذ الوحدة الإسلامية صورتها العملية٠ وليس في مكنة  العالم الإسلامي أن يحكم اتصالاته وأن يدعم روابطه إلا. إذا  اتخذ اللغة العربية لغة مشتركة أتقن دراستها. وواجبنا أولاً  أن نتخذ الحروف المطبعية العربية حروفاً بها تكتب لغتنا؛  لأننا بهذا نتفادى الاختلاف والتعقيد ونتوخى الحصول على أقصر  ما يمكن من التماثل والسهولة والتقرب بين المعاني والافكار

فعلى العالم الإسلامي أجمع أن يخطو هذه الخطوة وأن يتخذ اللغة  العربية لغة له)  وقد استجابت الباكستان لهذا الدعاء فقامت  تنشئ الجمعيات وراحت الحكومة تنفذ كل مشروع يرمي إلى  هذه الغاية ويهدف إلى هذا الهدف. ومن ذلك أن الحكومة  تنشر مجلة عربية اسمها   (البشير)  تحاول بواسطتها أن تنقل  أفكارها وتعرف بأحوالها وتتعاون مع شقيقاتها مؤمنة بأن  إصدارها لهذه المجلة خطوة موفقة نحوه التآخي والتآلف الذي تنشده.

ولقد ترك الاستعمار الأجنبي الطويل لشبه القارة الهندية  الباكستانية تركة ثقيلة كريهة من نظم التعليم لا تتصل بثقافة  الناس ولا تناسب مع ظروفهم وحيلتهم ولا تتوافق مع بيئتهم٠  فأما الباكستان والحال كذلك صعوبات جمة لتزيل هذا الأثر  ولا سيما وأن الجهل متفشي بين غالبية الناس؛ فهي تجاهد اليوم  لأن توفق بين سياسة التعليم وبرامجه وميول الشعب واستعداده  مدفوع في ذلك بتاريخها الطويل وثقافتها متوخية في ذلك  مقتضيات العصر الحديث واضطرار التقدم في مناحي الحياة.  وقد عقد بكراتشي سنة ١٩٤٨ مؤتمر تعليمي نصح الباكستان  أن تهتدي في سياستها التعليمية بالمثل العليا الإسلامية التي  تنادي بالإخاء والتسامح والعدالة، والباكستأن بسبيل تنفيذ  هذا، تسهم بقسطها بسير القافلة الدولية فتشارك  في تبادل الأساتذة والطلاب وفي تبادل المطبوعات وفي إرسال  بعثات إلى الخارج. وقد وقف معالي فضل الرحمن وزير المعارف  في إحدى اجتماعات الجمعية الثقافية العربية الباكستانية وقال:    (كثيراً ما نوهت بضرورة اتصالنا بالبلاد العربية المختلفة والعمل  على ربط ثقافتنا بثقافتهم. واليوم أكرر القول بأن علينا ألا نقف  مكتوفي الأيدي أمام مجرد رغبتنا بالاحتفاظ بتراث ديننا القويم،  بل علينا أن نسعى بإخلاصلأننعيد المجد الغابر وأن نقوي  علاقتنا الثقافية والدينية التي تكمل فيها روح الإسلام وفلسفته،  وتحقيقاً لهذا الاقتراح أن تصبح الحروف العربية وسيلة لكتابة  لغتنا بها حتى يصبح سهلاً على الباكستان أن تتقرب من هذا  الطريق نحو البلاد العربية الأخرى. فاللغة هي طريق الاتصال  الفعال بين أمة وأخرى. ونحن أن سلكنا هذا السبيل فتحنا  الباب على مصراعيه أمام تبادل التفاهم والمعرفة وتبادل الأفكار  كما أننا في نفس الوقت نتيح لشعبنا الفرصة كي ينهل من معين  الثقافة العربية المجيدة)

اشترك في نشرتنا البريدية